أصداءأقلام الكتاب

من دمشق للخرطوم المشي على أطراف الأصابع

 

ضـرغـام أبـو زيـد

صحفي وكاتب ـ الخرطوم

dirgham@yahoo.com

السفراء العرب في الخرطوم إجتمعوا وأعلنوا عن دعمهم للحكومة السودانية ، القاهرة أوضحت بجلاء إنها تقف مع الحكومة السودانية ، الرياض أوضحت ان المملكة العربية السعودية هي الأخرى على ذات الدرب المصري ، الإتحاد الأوروبي يحث الخرطوم على إجراء إصلاحات سياسية وإقتصادية ولا أكثر ، ترامب الهارب من سوريا لم يغرد كعادته منددا بما يجري ، وفي هذه النقطة أكثر من خط أحمر .

أما موسكو كانت وما برحت تنظر من ثقب المفتاح تارة ومن تحت الباب تارة أخرى ، ثم بغتة طالبت مجلس الأمن الدولي برفع العقوبات المفروضة على السودان ، الصين الصديق التقليدي للسودان فعلت الشئ نفسه ، للطلب  الروسي المدعوم صينيا وفي هذا الوقت بالذات أكثر من دلالة وأكثر من معنى ومغزى ، فروسيا ترغب في أن تقول بناء على إجتهاد شخصي بطبيعة الحال أن مايجري في المدن السودانية الآن مرده للعقوبات الأميركية المفروضة على الخرطوم وليست العقوبات المفروضة من مجلس الأمن الدولي ، فمجلس الأمن لاحيلة له كما نعلم وهو يختبئ دوما تحت الخيمة الأميركية ، كما إن موسكو أرادت أن تقول بأن فساد الساسة وفشلهم في إدارة منظومة الاقتصاد ليس هو السبب الوحيد لتردي الأوضاع في السودان ، والشق الأخر والأعمق مدلولا هو أن موسكو ترغب في إيصال رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأنها لن تترك السودان وحيدا في أزمته عملا لا قولا ، ولن تترك العصفور يطير بعيدا عن حديقتها بعد أن أعدت القفص المناسب ليبقى فيه حبيسا وإلى الأبد ، وإنها وفي سبيل ذلك قد تعيد السيناريو السوري بكل تفاصيلة المعروفة والدامية إذ لزم الأمر ، بما فيه باقات من البراميل المتفجرة ، وأسراب من مقاتلاتها الضاربة على أهبة الأستعداد للهبوط في المطارات العسكرية السودانية ، وأن الطلب الروسي في حقيقته بمثابة إنذار لكل الأطراف التي حاولت قبلا إقتلاع بشار الأسد بحد السيف بأن عليها أن تفكر مليا وقبل الإقدام على هكذا خطوة ، فلماذا أزاحت موسكو عن وجهها قناع الحذر الآن وبعد طول صمت حيال الأزمة السودانية .

في الفترة الماضية شهدت علاقات السودان بروسيا تطورات ملموسة ومتسارعة ، فالرئيس السوداني قام بزيارة أو أكثر لموسكو ، ونذكر بأنه في إحدى تلك الزيارات طلب من بوتين حمايته من أميركا المتربصة وإنه قال بعد ذلك (المتغطي بأميركا عريان) وذلك في معرض نكوص واشنطن عن وعودها برفع إسم السودان من قائمة الإرهاب ، وبعد أن طال أمد المباحثاث الثنائية بغير أن يظهر في الأفق أي بصيص أمل .

 البشير سافر لدمشق في زيارته التي قيل عنها الكثير والمثير ، والتي بموجبها تم فتح نوافذ القفز العربي لحدائق بشار الأسد الكائنة بدمشق ، سافر على متن طائرة روسية عملاقة ، والطائرة في حد ذاتها فيها وعليها دلالات ومعاني وإيماءات ، إذ كان في إمكانه السفر بطائرته الرئاسية التي وصلت للصين النائية قبلا عدة مرات ولعواصم في العالم عديدة ، فهل ياترى لم يكن بمقدورها الوصول لدمشق القريبة ، بالطبع كان على الجميع إستيعاب مدلولات هذا الحراك الذي لا تخطئة عين وإن أرمدت .

من جانبه فإن البرلمان السوداني كان قد ألمح إلى إمكانية منح موسكو قواعد على البحر الأحمر ، وهي حتما ليست قواعد سياحية على وزن أقصوصة جزيزة سواكن السودانية التركية الآن ، وإنما قواعد عسكرية بجميع ماتعني كلمة (عسكرية) من معاني ، كما أن البشير نفسه وبعيد زيارته لموسكو أكد بأنه قد عهد لروسيا بمهمة إعادة صياغة الجيش السوداني ليغدو أكثر رشاقة وكفاءة وليمسي قادرا على التعامل بنحو صارم مع كل المهددات ، هذه المهمة التي ستضطلع بها روسيا وفي شقها الإستراتيجي والإقتصادي تعني بأن هناك أموالا ضخمة ستذهب لروسيا مستقطعة من رصيد الموازنات السودانية المترنحة أصلا ، وفي ظل غياب عوائد مالية حقيقية قادرة على مد خزينة الدولة بما يكفي للجم أفواه المتظاهرين في شوارع الخرطوم والمدن السودانية  بما لذ وطاب وإذ هم جوعى ومرضى ويلوكون مرارة الصبر الجميل وقد طال به الأمد .

لتبقى حقيقة أن تطوير الجيش السوداني وبما إنه أمر مشروع فهو ركيزة الوطن الأعظم في السلم والحرب والملمات إلا إنها ستبقى خصما من رفاهية هذا المواطن منكود الحظ ولكن لا مناص فالتحديات واضحة معالمها وهناك من ينتظر لحظات إنهيار الجيش والدولة لإستباحتها أرضا وسماء وليجري الدم بعدها أنهارا في كل المدن والقرى والولايات ، تلك حقيقة قد لايفطن إليها الكثيرون في لحظات الزهو بالنفس .

موسكو تحن بالطبع إلى إيجاد موطئ قدم دائمة على شواطئ البحار الدافئة وليست هناك من مياه أروع دفئا من مياه البحر الأحمر ، فمن على شواطئة تستطيع المجسات الروسية عالية الدقة من معرفة مايدور على الشواطئ الموازية والمجاورة ، وعبر رسالة واضحة لواشنطن مفادها بانها وعلى بعد مرمى حجر من مناطق نفوذها التقليدية ، وعلى هذا النسق يمكن القول بأن التحالف أو التنسيق الروسي التركي والواضحة معالمه في سوريا والوثيق الصلة بعفريت ترمب إيران أعني ، هاهو يتجلى في أروع صوره على شواطئ البحر الأحمر ، وما من شك أن البيت الأبيض الأميركي لن يشعر بالإرتياح لهذه الخطوات الروسية المريبة وهذا الإنكباب الروسي المسعور على السودان .

صحيح أن إسرائيل حاولت مرارا وتكرارا إستمالة الخرطوم وحثها على المضي قدما في التطبيع معها بإعتباره أي السودان البوابة الأكثر إتساعا على أفريقيا القارة ، وما تلى ذلك من فشل النظام في الخرطوم من التصرف بذكاء حيال التسريبات الإعلامية الإسرائيلية وصولا لعزل الحركات الدافورية المدعومة من إسرائيل على وزن لا حبا في عمرو بل نكاية في زيد ، وفي ذات الوقت التشويش على رادارت اللوبيات الصهيونية في واشنطن وإرغامها على إبداء التعاطف الممتزج بالحيرة مع هذا النظام الذي من المفترض أن يتحلي بقدر غير مسبوق من الدهاء السياسي في ظل ظروفه الراهنة.  

 إسرائيل وعندما حثت واشنطن مرات عديدة على رفع العقوبات المفروضة على السودان فعلت ذلك أملا في وضع لبنة ما متينة في أهرامات الصد التي ترومها عملاقة في مواجهة إيران ، وخطوة في إرساء دعائم التحالف العربي الإسرائيلي والممهد لدخول إسرائيل لرحاب الجامعة العربية كعضو جديد إو كمراقب على أقل تقدير .

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق