أصداء وآراء

من سهر العُلا .. طلب الليالي!!..

 

 

 

الكاتـب/ يـوسـف البـادي

 

 

من سهر العُلا .. طلب الليالي!!..

 

ليس مستغرباً أن تسمع ذات يوم جملة أو حكمة معروفة ، تقلب أو تعكس كلماتها ليكون مختلفاً ولو لمرة .. ولكن هذه المرة لقصد مادي يظنه البعض محاضرة مفيدة ، فيكون الإعلان عنها بأن مقدمها “مدرب التنمية البشرية” ، وعنوانها “من سهر العُلا .. طلب الليالي” ، وما ذلك سوى عنوان للجذب خاوٍ من الصحة في تطبيقه ، لكنه ممتلئ بكثير من الكلام ، الذي بات بعض “المدربين” يعتمدون عليه في احتفاظهم بالوجود في عقلية وتفكير الناس ، كونه عنواناً جاذباً .. وهو ليس بعيد الهدف عن عنوان لكتاب او محاضرة يقول : “كيف تكون أذكى إنسان في العالم” ، مع إختلاف طريقة الطرح  وأسلوبها.

ويعتمد بعض من يسيئون لمثل هذه الوظيفة الإنسانية ، على الدوران حول تغيير الأشياء من مكانها ، أو محاولة تفعيل مهارة إنسانية كالذكاء ، بالدوران أيضاً حول نصائح يحسبها المستمع حقيقية و مجدية ، وهذا الدوران لا يكون سوى تلاعباً بالكلمات .. التي وإن ظن الحاضرون فائدتها ، إلا أنها لا تتعدى مثلاً في قول المتنبي :

نصيبُك في حياتِكَ مِنْ حبيبٍ .. نصيبُك في منامكَ مِنْ خَيالٍ.

ويكون مبدأ “الدهشة” الذي يغرسه المحاضر منذ البداية ، أو من عنوان المحاضرة ، هو أهم أساس يتبعه المحاضر في غرسه لأمر لا فائدة فيه ، وسيتابع الموجودون المحاضرة على أساس مبدأ “الدهشة” في التغيير الذي غرسه المحاضر في الأذهان منذ البداية ، و تستمر محاضرته بإعجاب واقتناع .. و دعاية له فيما بعد.

بمثل هذا يتم غسل الأذهان في التقبل لمثل هذه المحاضرات دون الشعور بذلك .. وتكثر فيها أمثلة من النصائح ، وتصدير للعقول ما يظنه المتلقي جديداً يمكنه الإبداع بعده ، وحيث إن ما قيل ليس مجرباً، ولا يعرفه الكثير من الناس .. فربما تكون هذه الأسباب هي مدخل النجاح لمثل هذه الدروس.

ودلالة مادية توجه كهذا .. أن محاضرة تلقى في أمريكا مثلاً ، تلقى نفسها في عُمان ، منسياً بذلك إختلاف العادات ومستوى التعليم والدين والقيم والثقافة وغير ذلك ، وأن ما يصلح للفرد لا يصلح لغيره ، فكيف إن كان الأمر يتعلق بشعبين مختلفين ؟!!.

ليست المشكلة وحدها وجود مثل هؤلاء المحاضرين وكتاباتهم المادية ، بل إن الإيمان بتصديق ما يقال في مثل هذا المجال .. حتى تكون للبعض مرشداً أساسياً في حياتهم ، لكن ترك المصادر الصحيحة لأخذ فائدتها هو المشكلة ، فأصبحت المصادر ذات الأهمية هي مراجع ثانوية ، وصارت برامج “التواصل الاجتماعي” ، مصدراً مهماً ، علماً بأن ما يتم تداوله في معظمها لا يعتمد إلا على طريقة “النسخ” و “اللصق” ، التي لا يخفى تشتّت ما يكون فيها من معلومات ، وتكون ردة فعلها السيئة للعقل بتشتيت تفكيره واختلاط ما يرده في لحظة زمنية واحدة.

فالثوابت الدينية والكتب والعلماء والمفكرين وأقوالهم ، هي المصدر الأهم لطريق النجاح… فنصيحة للإمام الشافعي ، تقول :

“شكوت وكيع سوء حفظي .. فأرشدني إلى ترك المعاصي”.

كافية أن تختصر محاضرات طويلة عن الحفظ .. مع عدم حجب النصائح النفسية والجسدية إن وجد نفعها.

وقول الإمام مالك : “إذا اشتريت ما لا تحتاج إليه ، بعت ما تحتاج إليه” ، قاعدة نافعة في التوجه الجيد عند الشراء.

ليس الضرر في وجود “مدربي التنمية البشرية” الذين يسعون للنفع ، والذين يعتمدون على التوجيه بما تتقبله طبيعة الإنسان ، ويوجهون الناس للطرق الحديثة توجيها علمياً ومنطقياً ، على أن الضرر لمن يمتهن مجال التنمية البشرية لغاية مادية ، و يتخذ فيها الاعتماد على الخيالات وما لا يمكن تسميته بالمنطقي مجالاً لحضورها ، واستغلال شهادة “المدرب الدولي” لأن تكون مفتاح السماح ليقال بالحصول عليها كل شيء وأي شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى