أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

من يقرأ التاريخ لا يعرف اليأس أبداً..

محمد بن العبد مسن

 

من يقرأ التاريخ لا يعرف اليأس أبداً..

 

القارئ الكريم..

إن الدنيا تتعدد أشكالها وألوانها بعيون الناس فمنهمم من يرى أنها هي السعادة ولهو ومتاع  ومنهم من يرى أنها دار أختبار.

ولكن الدنيا إذا ما حلت أوحلت وإذا ما كست أوكست وإذا أينعت نعت.

القارئ العزيز..

أعلم أن الدنيا مثل فقاعة تلمع بألوان الطيف الجميلة البراقة و فجأة تصبح لا شيء.

أود في مقالي هذ أخي الكريم  أن نتطرق هنا لقصة من أجمل القصص فيها عظة وتذكرة لمن تعلق بالدنيا ومناصبها. 

قصة أمير الأندلس (المعتمد بن عبَّاد اللخمي).

هو أحد أكبر ملوك الأندلس أبو القاسم المعتمد على الله محمّد بن عبَّاد، يُلقَّب بالظافر أو المؤيد، وُلد المعتمد سنة 1040م.

وهو ابن حاكم إشبيلية أبي عمر المعتضد، وُلد المعتمد في باجة في البرتغال حاليًا.

وحكم إشبيلية خلفًا لوالده حين كان في الثلاثين من عمره واستولى أثناء حكمه على بلنسية وقرطبة فكان واحدًا من أقوى ملوك الطوائف في عهده فقيل إنَّه امتلك 200 مدينة.

وكان المعتمد شاعرًا مهتمًا بالشعر والأدب وقد ازدهرت إشبيلية في عصره ازدهارًا تاريخيًا غير مسبوق فعمِّرت وبُنيت بناءً عظيمًا.

ويحكى أن إحدى بنات المعتمد بن عبَّاد رأت بعض الجواري يخضن في الطين ويحملن القرب وتريد أن تفعل ذلك مثلهن فطلبت من والدها ذلك.

فأمر المعتمد أن ينثر المسك على الكافور والزعفران حتى يصبح كهيئة الطين.

ثم أمر بقربة من طيب المسك فأعطاها لابنته فخاضت في خليط المسك والكافور تحقيقًا لطلبها!!.

ولكن حكمة الله جل في علاه هو المعز وهو المذل أراد أن تنقلب الأمور  وتتغير الاحوال على المعتمد!.

فعلًا ( دوام الحال من المحال).

وفي عام 1091م هاجم يوسف بن تاشفين إشبيلية وحاصرها واستولى عليها وأسر المعتمد بن عباد .

وأمر بنفيه إلى المغرب.

فأخذ أسيرا إلى سجن تحت الأرض في بلدة نائية يقال لها (أغمات) حول مراكش في المغرب،

وافتقر أولاده جدا..

حتى غزلت بناته الصوف بالأجرة للناس  وهن بنات الملوك !!!

فزارته بناته (في يوم عيد الفطر) وهو في السجن.

وكانت حافيات و لباسهم متمزق ويظهر عليهن علامات البؤس والفقر.

 وهو في سجنه ذاك فلما رآهنّ تصدع فؤاده وتألم من مرآهنّ!.

فقال أبياتاً عظيمة  :

فيما مضى كنتَ بالأعيادِ مسرورا ..

وكـــان عيدُك باللـــذاتِ معمـــــورا.

وكنتَ تحسبُ أنّ العيدَ مسعدةٌ ..

فساءكَ العيدُ في أغماتِ مأسورا.

ترى بناتكَ في الأطمارِ جائعةً ..

في لبسهنَّ رأيتُ الفقرَ مسطورا.

معاشُهنّ بعيدِ العزِّ ممتهن ..

يغزلنَ للناسِ لا يملكنَ قطميرا.

برزنَ نحوكَ للتسليمِ خاشعةً ..

عيونهنّ فعـــــادَ القلبُ موتورا.

قد أُغمِضَت بعد أن كانت مفتّرةً ..

أبصـــارُهنّ حسيـــراتٍ مكاسيـــرا.

يطأنَ في الطينِ والأقدامُ حافيةً ..

تشكو فـــراق حذاءٍ كان موفـــورا.

قد لوّثتها يدُ الأقذاءِ واتسخت ..

كأنّها لم تطأ مسكاً وكافـــــــورا.

لا خدَّ إلا ويشكو الجدبَ ظاهرُه ..

وقبلُ كان بمـــاءِ الوردِ مغمـــورا.

لكنّهُ بسيولِ الحزنِ مُخترق ..

وليس إلا مع الأنفاسِ ممطورا

أفطرتُ في العيدِ لا عادت إساءتُهُ ..

ولستَ يا عيدُ مني اليومَ معذورا.

وكنتَ تحسبُ أن الفِطرَ مُبتَهَج ..

فعـــاد فِطرُكَ للأكبـــادِ تفطيـــرا.

قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً ..

لما أمرت وكان الفعلُ مبرورا.

وكم حكمت على الأقوامِ في صلفٍ ..

فردّك الدهر منهياً ومأمورا.

من بات بعدك في ملكٍ يسرّ به ..

أو بات يهنأ باللذات مسرورا.

ولم تعظه عوادي الدهر إذ وقعت..

فإنما بات في الأحلام مغرورا.

وهناك توفِّي المعتمد بن عباد سنة 1095م أسيرًا بعد أربع سنوات من نفيه.

عزيزي القارئ..

إعلم أن الزمان لا يثبت على حال ..

فتارة فقر وتارة غنى وتارة عز وتارة يشمت بك الأعادي.

 كما قال عز وجل : (وتلك الأيام نداولها بين الناس).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى