أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

نحو تأصيل ثقافة الابتكار والبحث العلمي..

طـلال بن حمـد الربيـعي

 

نحو تأصيل ثقافة الابتكار والبحث العلمي..

 

تأتي أهمية تأصيل ثقافة الابداع والابتكار والبحث العلمي في حياتنا من خلال ما نشهده من تطور علمي هائل في مختلف المجالات في هذا العصر الحديث الذي اصبح فيه  الاستثمار في العلم والمعرفة مدخلا هاما للاستحواذ على المكانة المرموقة للدول في العالم ، فلا مكان فيه للأمم والدول المتخلفة؛ لذا بات مفهوم الإبداع و الابتكار حديث الأكاديميين و الباحثين في جميع أنحاء العالم واصبح يطرح في معظم المؤتمرات العلمية عربيا وعالميا لما له من مكانة كبيرة تقترن بتطور المجتمعات وسعيها نحو العمل الدؤوب للتسلح بالعلم ولا اقصد هنا  العلم بمفهومه التقليدي المعتمد على الحفظ والتلقين فقط، وإنما  بمفهومه الحديث المرتبط بأدوات البحث العلمي والابتكار ليستمد مكانته المجتمعية كقيمة وثقافة تستمد حيويتها ونشاطها واستمرارها لتشمل جميع المجالات الحيوية سواء الاقتصادية او الاجتماعية او الإنتاجية.

وقبل الحديث عن تأصيل هذا المفهوم كقيمة مجتمعية وثقافية في مجتمعاتنا من خلال طرحه كسياسة تعليمية وثقافية بشكل دائم ومستمر في مدارسنا وجامعاتنا أجد ان هناك لبسا قد يصيب البعض في ترابط المفاهيم كالإبداع والابتكار والبحث العلمي؛ رغم انها تتكامل فيما بينها الى حد كبير جدا ، بل لا يمكننا الاهتمام بجانب دون الاخر، فالإبداع في ابسط صوره هو  تحويل الافكار الجديدة والافكار الخيالية الى واقع ملموس اما الابتكار فهو مجموعة الطرق والاساليب الجديدة المختلفة الخارجة عن التقليد في العمل او في تطوير الافكار والاشياء ، ليأتي البحث العلمي ليكون الأسلوب الذي يهدف إلى الكشف عن المعلومات والحقائق والعلاقات الجديدة والتأكد من صحتها مستقبلاً،  أي التعمق في المعرفة والكشف عن الحقيقة والبحث عنها، ودراسة وتحليل صورة المستقبل أو حل لمشكلة معينة، وذلك من خلال الاستقصاء الدقيق والتتبع المنظم والموضوعي للمشكلات التي تواجهنا في حياتنا.

فتحويل الأفكار الجديدة غير التقليدية الى واقع هو موهبة وابداع اما الطرق والوسائل المستخدمة الخارجة عن المألوف فهي ابتكار و التعمق في المعرفة والكشف عن الحقيقة من خلال البحث والتقصي هي من ادوات البحث العلمي. فعندما نتحدث عن هذه المفاهيم وتأصيلها لا نتحدث اعتباطا وانما من خلال واقع مشاهد، فهناك دولا قطعت شوطا كبيرا في التطور والتقدم، ورغم ذلك نراها تسعى جاهدة وبكل الطرق والوسائل لاكتساب علوم جديدة و المنافسة في الابتكارات والاختراعات لتكون متربعة على القمة دائما، فبحسب المنظمة العالمية للملكية الفكرية التابعة للأمم المتحدة تعتبر الصين الدولة الرائدة التي تقود نمو الابتكار على مستوى العالم ففي العام ٢٠١٥ م قدمت اكثر من مليون طلب براءة اختراع في عام واحد، وقد ذكر التقرير ان معظم  المبتكرين الصينيين قدموا  طلبات براءة الاختراع في مجال الهندسة الكهربائية التي تشمل الاتصالات، تليها تقنية الحواسيب وأشباه الموصلات والتقنية الطبية.

وهذا التقدم لم يأتي من فراغ فمنذ العام ٢٠١٢م  وضعت الصين خطة شاملة للتنمية المستقبلية تقوم على الابتكار والتناغم والتنمية الخضراء والانفتاح وبذلت  جهوداً جبارة في تعزيز الاختراقات التكنولوجية في جميع القطاعات من أجل بناء مجتمع مبتكر ورقمي وذكي، لذلك اصبح المجتمع الصيني اليوم، مدفوعا بالخطة الشاملة الموجهة نحو الابتكار، نابضا بالحياة والنشاط، فظهرت شركات و صناعات ناشئة دفعت الاقتصاد الصيني ليكون من اقوى وأهم الاقتصاديات في العالم.

إن التحدي الذي يواجهنا في بلداننا يتمثل في توفر البيئة الحاضنة للابتكار والبحث العلمي والذي بات يشكل عنصرا من عناصر القوة الشاملة للدول كما أشرنا، فالعلاقة بين رأس المال والتكنولوجيا أصبحت تصاعدية وهو ما يشير الى أهمية الابتكار في التنمية وفي دفع الاقتصاد الى المنافسة العالمية.

فالإبداع والابتكار لا يتطلبان ضخ رأس المال والحصول على التمويل فحسب، بل يتطلبان أيضًا وجود فئات شابة مدربة لديها الرغبة في الاستمرار في حل المشكلات والبحث عن حلول إبداعية ومبتكرة ، وبالتالي فإن تعزيز ثقافة البحث العلمي والابتكار بين طلاب مدارسنا وجامعتنا من شأنه خلق تنافس حقيقي وحافز لهم، حيث يؤكد كثير من  العلماء ان مفاهيم الابداع والابتكار والبحث العلمي مرتبطة ببعضها البعض ولا تتوقف فقط على الوسائل المتاحة وإنما تعتمد ايضا على البيئة المحيطة وعلى المناخ الذي تستطيع من خلاله الانتاج، فإذا وجد تشجيعا مستمرا من جميع مؤسسات المجتمع العامة والخاصة فانه سيكون ايجابيا بطبيعة الحال ومثمرا، وللحقيقة فقد بدأنا نلمس اهتماما من قبل مؤسساتنا التعليمية في هذا الجانب  حيث صار البحث العلمي والابتكار من الأولويات وبدأت المؤسسات الجامعية وصنّاع القرار السياسي والتعليمي إعطاءه  الأهمية التي تليق به ليصبح تدريجيا ذا كيان خاص به  وثقافة متأصلة في وجدان المجتمع، فالإنجازات التي تحققت وخاصة  في المسابقات العلمية الدولية والابتكارات سواء  كان على المستوى الفردي او الجماعي، ما كانت لترى النور لولا وجود التربة الخصبة المحفزة للأبداع والابتكار، وهنا لا ننسى الجهود الكبيرة التي بذلتها وزارة التربية والتعليم ممثلة في  دائرة الابتكار والأولمبياد العلمي ،في تحفيز وتعزيز هذا الجانب لدى أبنائنا الطلبة حيث اصبحنا نرى تنافسا حقيقيا  بين المدارس في مجال الابتكارات والبحوث العلمية بدا يرتقي تدريجيا نحو العالمية، وأخذت تنشأ معه نوع من الثقافة لدى النشء فيما يتعلق بمفهوم الابتكار والتنافس العلمي.

يقول جورج كوروس مؤلف كتاب الابتكار داخل الصندوق : إن تمكين المتعلمين من خلال التصميم العالمي للتعلم وعقلية المبتكر: كقادة في التعليم، لا تتمثل في التحكم في من نخدمهم، بل في إطلاق العنان لمواهبهم وابداعاتهم، ليصبح الابتكار أولوية في التعليم، فنحن بحاجة إلى خلق ثقافة تكون فيها الثقة هي القاعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى