أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

نحو مؤشرات إقصادية ومالية واعدة لسلطنة عُمان..

الدكتور/ محمود بن علي الوهيبي

أستاذ مساعد بكلية إدارة الأعمال
الجامعة العربية المفتوحة – سلطنة عمان

 

نحو مؤشرات إقصادية ومالية واعدة لسلطنة عُمان..

 

يُعرّف الإقتصاد العالمي على أنه مجموعة من الإقتصادات التابعة لدول ذات تصنيفات إقتصادية ومالية سيادية مختفلة التباين، ومن هذا الإختلاف تنشأ حركة العرض والطلب بعدد مختلف ومتصل من القطاعات الإقتصادية بين الدول، وتحدد تويرة هذه الحركة مسار نمو الإقتصادات سواء بالإيجاب أو بالسلب، وبالنظر في تصنيف الإقتصادات فإن هنالك ثلاث مستويات وهي: إقتصادات متقدمة وإقتصادات ناشئة وإقتصادات محدودة (Fontier Markets)، ولكل مستوى محددات وأسباب سياسية وتاريخية جعلته في هذا المستوى الذي في الغالب تسعى جميع الدول إلى الرقي به للمستوى التالي بُغية مواكبة الحركة الإقتصادية الداخلية والخارجية، ومن أحدى ركائز هذا السعي نشأت عدد من التكتلات الإقتصادية حول العام (Economic Blocs)، ونذكر منها الإتحاد الأوربي (EU) ومجلس التعاون لدول الخليج العربي (GCC) والإتحاد الاقتصادي الأوراسي (EEU) ورابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN) والسوق الجنوبية المشترك (MERCOSUR) ، وفي هذا الصدد نجد بأن الإقتصاد العُماني سعى منذ فجر النهضة المباركة التي بزغت في العام 1970م إلى مواكبة حركة الإقتصاد الإقليمي و العالمي آنذاك، وظهرت نتائج هذا السعي جلياً بما تنعم به سلطنة عُمان اليوم من قطاعات منتجة تدار بسواعد عُمانية مخلصة ومتفانية نحو الواجب، وفي صدارة هذه القطاعات نجد القطاع المالي وقطاع التعليم وقطاع الطاقة والقطاع البحري والقطاع الزراعي، وسعياً لإستمرار تطور الإقتصاد العُماني نجد بأن الحكومة قامت بدراسة لتجديد مسار الدفع بمؤشرات النمو ما بعد مرحلة البناء، وتمثلت هذه الدراسة في حلقات تنفيذ والتي تطورت لاحقاً مع مبادرات أخرى لخلق رؤية عُمان 2040 الطموحة والمتزنة بأوامر سامية، وقد أخذت هذه الرؤية في الإعتبار المستوى الجيد من تكوين الأساس الحاضر والجلي للبدء بنهضة متجددة تحت قيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السُلطان هيثم بن طارق بن تيمور – حفظة الله ورعاه – حيث يتكون هذا الأساس من عنصرين مهمين، وهما: البنية التحتية الشبه متكاملة ورأس المال البشري المؤهل للعمل بمعظم القطاعات الإقتصادية، وفي نظر المراقبين توجد عدد من التحديات التي تواجه الإقتصاد العُماني في الوقت الراهن، فبحسب دومينيك دادلي في مقالة المنشور مطلع العام 2020م بمجلة فوربس والمعنون – من هنا إلي أين يتجه الإقتصاد العُماني؟ حيث ذكر الكاتب بأنه عندما يتعلق الأمر بالإستثمار في السعي لتحقيق التنويع الاقتصادي فهنالك منافسة شديدة من البلدان المجاورة في كل مجال تقريباً يمكن أن تستهدفه سلطنة عُمان، سواء في قطاع السياحة أو الخدمات اللوجستية أو الصناعة الثقيلة أو الإبتكار عالي التقنية. كما أضاف بمقاله نقلاً عن روبرت موغيلنكي – الباحث المقيم في معهد دول الخليج العربي في واشنطن – أن هنالك ثلاث أولويات رئيسية للدفع بالإقتصاد العُماني تتمثل في الإنفاق الفعال، والقيام بإستثمارات عالية الجودة، وإصلاحات عالية التأثير (High-impact reforms)، وهي الأولويات التي أتفق عليها الأول بقوله أنها أولويات سهلة التحديد مقارنة بالتنفيذ، ومن خلال مراقبتنا للأحداث خلال العامين المنصرمين، فإننا نجد بأن الجهاز التنفيذي لحكومة سلطنة عُمان قد إستشف هذه التحديدات والأولويات وجعلها في أعلى قائمة أولوياته أخذاً في الإعتبار أن سلطنة عُمان هي من الدول القلائل في المنطقة المؤهلة للحصول على نقلة نوعية في عدد من المجالات الإقتصادية لما تحظى به من عوامل تؤهلها للمضي قدماً في هذا التوجه، ومنها الموقع الجغرافي والإستقرار السياسي الداخلي والخارجي والقوى البشرية الشابة. علاوةً على الإستقرار المالي الذي بدأ في التكون من جديد مع التلاشي البطيء للركود الإقتصادي العالمي الذي سببته جائحة كورونا (كوفيد 19)، ومضي الحكومة في إجراء إصلاحات هيكلية على الجهاز الإدارية للدولة بُغية الوصول إلى متسوى إداري مرن وفعال، وكذلك على هيكل المالية العامة للدولة بحيث تم تحديد هدف فصل المصرفات المتعلقة بالشركات الحكومية، ومنها شركة تنمية طاقة عُمان عن الميزانية العامة للدولة إبتداءً من العام 2021م، وهو العام الذي أُطلق على موازنته مسمى موازنة الأساس مع بدء الخطة الخمسية العاشرة، وكذلك التحكم في نسبة الدين العام الداخلي والخارجي بحيث يكون في الحدود الآمنة والمقبولة. بالإضافة إلى تنويع مصادر الدخل من خلال إنشاء مشاريع إستثمارية يشرف عليها جهاز الإستثمار العُماني بعد لم شمل الشركات الحكومية تحت مظلته، وتوسيع الوعاء الضريبي بإشراف جهاز الضرائب، وتعديل هيكل الإيرادات الحكومية من خلال مراجعة وتعديل الرسوم بإشراف وزارة المالية. بالإضافة إلى أنه تم قطع مسافة كبيرة في تطبيق عدد من المشاريع التي من شأنها أن تزيح التحدي الثالث المتمثل في الإنفاق الفعال، حيث تم الإضافة إليه كل من التحصيل وإدارة النقد الفعالة من خلال تطبيق نظام حساب الخزانة الموحد (Treasury Single Account – TSA) الذي يهدف إلى تسهيل عملية الرقابة المالية وضمان التمويل الفعّال، وتحسين التنبؤ بالتدفقات النقدية، وتعزيز الشفافية، حيث أطلعت مؤخراً على إعلان بدء إطلاق الفترة التجريبية للنظام المذكور مع كل من جهاز الضرائب ووزارة العمل. علاوة على ما تقدم، فإننا نرى على أرض الواقع تطبيق مبادرات كانت مجمدة رغم أنها ذات ضرورة قصوى، وقد تحولت الآن إلى مشاريع مهمة وحساسة منها دمج صناديق التقاعد بسلطنة عُمان، وتوسيع نطاق مظلة الحماية الإجتماعية، ولهذا المشروع ما له من أثار سيجني ثمارها الجيل الحالي والأجيال القادمة بإذن الله، حيث سينشىْ في السلطنة كيان إستثماري ضخم يوازي أو يفوق قيمة أموال الصندوق الإحتياطي للدولة سابقاً إلى أقرب التقديريات، وعلى أن يقوم هذا الكيان برعاية أموال المشتركين وإستثمارها بنهج يتبع أعلى معايير الحوكمة الفاعلة والرشيدة، والتي بدورها ستضمن إستدامة قطاع التقاعد في سلطنة عُمان خدمةً للأجيل الحالية والمستقبلية، ويوجد هنالك من المشاريع والمبادرات التي لا يسعنا المقام لذكرها الآن، ولكن ما أود قوله بإستحضار هذه الأمثلة هو مدى التأثير الإيجابي لهذه الإجراءات على سمعة سلطنة عُمان في الأسواق العالمية، حيث لم تواجه السلطنة أي عزوف من قبل المستثمرين العالميين بالنسبة لتمويل مشاريعها سواء عن طريق أدوات الدين الثابت أو الإقتراض المباشر، ولكن كان الإقبال كبير وملحوظ، فعلى سبيل المثال قامت السلطنة بإصدار صكوك سيادية خلال العام 2018م في الأسواق الدولية بقيمة 1.5 مليار دولار، وقد شهد هذا الإصدار إقبالاً كبيراً من قبل المستثمرين، إذ بلغت طلبات المشاركة فيه 3.9 مليارات دولار أميركي، وخلال العام 2021 تم إصدار صكوك سيادية في الأسواق الدولية بقيمة 1.75 مليار دولار، وكذلك شهد هذا الإصدار إقبالاً كبيراً من قبل المستثمرين، إذ بلغت طلبات المشاركة فيه 11.5 مليار دولار أميركي، وإن هذه المعلومات تعتبر مؤشراً كبيراً على ثقة المجتمع الدولي سواء السياسي أو التجاري بإقتصاد السلطنة وإستقرار مؤسساتها القائمة على أفرع سياستها الإقتصادية وهم: السياسة المالية والسياسة النقدية. كذلك أدى التحسن في إيرادات الدولة مع ضبط المصروفات العامة إلى تحسن التصنيف الإئتماني لسلطنة عُمان من B+ إلى BB- مع نظرة مستقبلية مستقرة بحسب وكالة ستاندرد وبورز (S&P) التي ذكرت بتقريرها الأخير أن التحسن المذكور يعزى إلى خطة التوازن المالي متوسطة المدى وإرتفاع أسعار النفط، ومن هذا المنطلق فإننا نرى بأن دفة الإقتصاد تتجه إلى الطريق الصحيح نحو الخروج من السَبْعٌ الشِدَادٌ ليَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ أعَوامٌ من التطور والإزدهار والرخاء، ولعل الناقد لا يرى ولا يلمس هذا التحسن الحاصل على صعيد الإقتصاد الكلي في الوقت الراهن، ولعل الرأي العام منشغل بعدد من الجوانب كوتيرة التوظيف، ومستوى القوى الشرائية للمجتمع، وهي أمور ملحة وضرورة لا شك فيها، ولكن كل ما يمكننا قوله هو بأنه لا يصح قطف الثمار قبل نضوجها، كما أنه لمن المعروف بأن الإصلاحات لا تأتي بنتائج فورية وسحرية، ولكن تتطلب من الوقت ما ليس بالقليل والجهد المخلص لترى نتائج ما زرعته اليوم لغداً أفضل بإذن الله، وكل ما نرتجيه هو إستغلال ما هو أتً للسعي نحو تنويع مصادر الدخل للخروج من دوامة تقلب أسعار النفط، وكذلك دحض ما ذكره الكاتب الذي ذكرناه سابقاً حول منافسة الإستثمار، لإننا وببساطة نؤمن بأن نبض التكامل الاقتصادي بين مجلس التعاون لدول الخليج العربي عاد لمستواه الصحي، وحان الوقت للسعي إلى الإستفادة منه على أرض الواقع، وليس ذلك فحسب – ولكن نعتقد بأن هنالك أسواق مجاورة وكبيرة بإمكان السلطنة أن تقدم لها الكثير من منطلق المنفعة المتبادلة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى