أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

نخوة السعودي وشهامة العماني..

عـبـدالله الفـارسـي

 

نخوة السعودي وشهامة العماني..

 

كنت قد أعددت قصة مؤلمة عن أحد المسرحين أشباه الميتين كنت قد أعددتها وطبختها وحشوتها بالمكسرات الدسمة والبهارات الحارقة فعرضتها كعادتي على صديقي.

ولكن صديقي قال لي واعظاً وناصحاً : أبعد عن هذه المواضيع المؤلمة يا أبا يزيد ؛ يكفينا أوجاع ومآس ، وارح رأسك وانفذ بجلدك وتمتع بالجزء الضئيل المتوافر من حريتك واستمتع ببواكير شيخوختك التي بدأت تلوح في الأفق …!!!

لذلك غبرت رأيي.

فتذكرت هذه القصة الجميلة الرشيقة فقررت أن أنسجها وأنقشها لكم وأرويها على مسامعكم حتى أبعدكم قليلا عن مصائبكم.

*****

حدثني أحد الرجال الصادقين بقصة سمعها من صاحبها وهو في وسط الديار المقدسة.

يقول الرجل: بأنه ذات عصر شديد البرودة من شتاء العام2012   كانت حافلة معتمرين عمانية متجهة  إلى مكة المكرمة وبعد خروجها من مدينة بريدة السعودية  بعشرات الأمتار  تعطلت الحافلة  فجأة وابت أن تتحرك .

كان بالحافلة 44  راكبا من الرجال والنساء والأطفال .

نزل سائق الحافلة من حافلته وكان شابا قليل الخبرة لم يسبق له أن تعرض لمثل هذه المواقف.

أضاء الإشارات التحذيرية الاربع وقف على الشارع يطلب النجدة والمساعدة ويقفز كبهلوان سرك محترف لكل سيارة تقطع الشارع.

يقول السائق بأنه خلال ساعة تقريبا عبرت من أمامه ثماني حافلات عمانية ولم يقف له أحد منهم رغم انه كان يقفز لهم  في الهواء رافعا عمامته ملوحا بيده  طالبا توقفهم .. فلم يقف له أحد من الرجال العمانيين الطيبين الدمثين الكرماء !!.

يقول الرجل : 

شعرت بغضب شديد وحزن أليم والتهب صدري كمدا وغيظا واشتعل قلبي حنقا وحريقا.

ماذا سأفعل وأنا لوحدي ومعي 44  راكبا .. والليل على وشك الهطول وبرد مدينة “بريدة” يضرب به المثل ويتناقل أخباره الركبان منذ قديم الزمان.

يقول الرجل : 

جلست على رصيف الشارع كبدوي اقتلعت الريح خيمته.

جلست بائسا محبطا يائسا منتظرا إحدى السيارات أو الباصات العمانية .. فجأة توقفت سيارة بيضاء بعيدا مني على بعد 200 متر تقريبا وكأنها نزلت من السماء لم ارها تعبر من أمامي رغم تركيزي الشديد على الشارع. 

كانت سيارة من نوع تويوتا بيكاب هيلوكس حديثة الطراز.

توقفت لثوان ثم استدارت نحوي فنزل منها رجل أبيض يميل إلى السمار متلفح بغترة حمراء ناصعة النظافة تغطي نصفه وجه السفلي و  يظهر  نصف  وجهه الأعلى فقط  يحمل عينين واسعتين مشعتين براقتين كعيني صقر  نادر   لا يمكن  أن انسى بريق  تلك العينيين ما حييت .

كان الرجل في منتصف  الأربعين من عمره تقريبا.

سلم علي وصافحني بيد صلبة عريضة التهمت يدي اليمنى وعصرتها كليمونة صغيرة وقال لي :  سلامات أيها  العماني عسى ما شر .

فقلت له:  حافلتنا كما ترى توقفت فجأة ولا نعرف المشكلة ولا أعرف ماذا أفعل الآن.

يقول الراوي : 

رأيت الرجل يخرج هاتفه من جيبه ويبتعد عني بضعة أمتار وأخذ يتكلم ويتحادث في مكالمة هاتفية قصيرة ولم اسمع ماذا قال ولم اعرف مع  من كان يتحدث.

يقول : بعد عشر دقائق أو  أكثر  قليلا  من اتصاله رأيت حافلتين تويوتا  صغيرتين من فئة 16 راكبا وسيارة فان شفروليه تتوقفان بجانب حافلتي.

وبعدها بدقائق جاءت رافعة كبيرة .

قال لي الرجل  : انزل ركابك في الحافلتين والبقية دعهم  يركبون في السيارة الفان  وأنت تعال معي.

حقيقة ذهلت من تصرفه ولم أحر جوابا ولم أستطع قول أي شيء سوى الركض إلى الحافلة وإنزال الجميع منها وإخبارهم بركوب الحافلتين .

انزلنا النساء والأطفال من الحافلة واركبناهم  الحافلة الصغيرة  والرجال ركبوا  في الحافلة الأخرى  وبقينا خمسة أشخاص الأربعة ركبوا في السيارة الشفروليه  . اما انا فركبت مع الرجل الذي لم أعرف اسمه حتى اللحظة ولا أعرف ماذا اقول له ..  ولم أتمكن من النظر  إليه فقد كنت خائفا  من نظرات عينيه الثاقبتين البراقتين.

تم سحب الحافلة بواسطة الرافعة  إلى ورشة كبيرة في مدينة بريدة.

أما ركابي فلا أعرف اين أخذتهم الحافلات .

*****

تبعنا الرافعة التي سحبت الحافلة  .

كنت صامتا قلقا ومتوجسا فاجأني الرجل بسؤال مباغت : لما أنت قلق بهذا الشكل يا رجل  ؟؟

فقلت له بكل:  (بصراحة انا أخاف من السعوديّين) !!

وابتسم الرجل ونظر إلي نظرة ثاقبة رأيت فيها بريقا لامعا يشع من عينيه كأنها نجم بعيد يرسل بريقا من السماء  .

فطبطب على كتفي بكل حنان وقال  : (لا تقلق أيها الرجل  ففي الجزيرة العربية  يسكن الخير وتنبت الفضيلة وتترعرع النخوة وتهطل الشهامة).

ثم غرقنا في صمت طويل حتى توقفت الرافعة على مدخل إحدى الورش.

فنزل الرجل ونزلت خلفه وأخذ يتحدث مع الميكانيكي وسمعته يطلب منه بأن يترك كل ما في يده و يباشر في إصلاح الحافلة فورا  ثم أعطاه رقم هاتفه…

بعدها ركبنا سيارته البيكاب الهيلوكس  وانطلق بي إلى أن  وصلنا إلى مكان شبيه  بالمزرعة وبداخلها استراحتين سكنيتن متقابلتين كل استراحة بحجم فيلا صغيرة وكانت الحافلتين الصغيرتين والسيارة الفان متوقفة أمام الاستراحتين تنتظرنا فشعرت باطمئنان كبير وتنفست الصعداء.

قال لي الرجل : دع النساء  يدخلن في تلك الاستراحة والرجال في الاستراحة الأخرى.

وسأعود إليك بعد دقائق.

نزلت من سيارته وأنا مازلت مذهولا من الرجل وتصرفه معي  و مازال فمي مغلقا لم يتمكن من إخراج كلمة واحدة .

من اين جاءني هذا الرجل ذو العينين اللامعتين   ومن أي السماوات السبع  نزل …؟ 

بعد دقائق ارتفع  آذان المغرب في الأرجاء فأضفى أمانا في القلوب وسكب  اطمئنانا على  الأرواح والأفئدة. 

*****

بعد صلاة المغرب بلحظات سمعت الرجل يطرق الباب علينا .

ويأمر مجموعة من الشباب يحملون صحونا كبيرة وصناديق مياه بتوزيعها على الاستراحتين  .

ادخلت مجموعة من الصحون في غرفة الرجال 

ووضعت مجموعة من  الصحون  أمام باب  استراحة  النساء . 

ثم قال لي :  خذ رقم هاتفي اذا  احتجتم  اي شيء اتصل بي 

الحافلة ستحتاج إلى وقت طويل ولن تنتهي عملية إصلاحها قبل الغد  .

فسجلت رقم هاتفه.

وبعدها بلحظات دخلت شاحنة من فئة 2 طن وبها مجموعة كبيرة  من المفارش والبطانيات والمخدات ..

ونزل منها عمال ثلاثة قاموا بتوزيعها على الاستراحتين. 

ووقفت اتصارع مع دهشتي واتعارك مع استغرابي واحاول أن أفك القفل الذي يطبق على  فمي وأن أشكر هذا الرجل  قبل أن يذهب ولكن للأسف فمي زاد إطباقا وانغلاقا ولم ينطق ببنت شفة .

غادرت الشاحنة بعد أن افرغت كل ما كانت تحمله من المفارش والبطانيات ، وخرجت من المزرعة.

ناداني ذلك الرجل العجيب المثير وقال لي:  لمكان آمن وهناك حارس في المزرعة ارتاحوا كأنكم في بيوتكم و إذا احتجتم اي شيء اتصل بي مباشرة .

ثم خرج  خلف الشاحنة مباشرة  وقام عامل المزرعة بإغلاق البوابة الحديدية  .

فتحنا الصحون وكانت  مليئة باللحم والرز والخبز  والفاكهة  .

أكلنا وشبعنا وشربنا واحتسينا شاينا وقهوتنا ..  ونمنا بعدها نومة عميقة هنيئة.  

وبعد صلاة الفجر  بساعة رأيت الرجل يدخل بسيارته المزرعة وينادي على عامل المزرعة ليساعده  على انزال صحون الفطور الكثيرة 

ودلال القهوة والشاي .

قلت في نفسي سأدفع له كل ريال صرفه علينا هذا أقل ما يمكنني فعله لهذا الرجل الكريم .

بعد الفطور اتصلت به فقال  لي : سأحضر لاصطحابك إلى الورشة بعد ساعة أو ساعتين 

سأنجز بعض الأعمال واوافيك .

بعد ساعتين أو أقل جاء الرجل إلى الاستراحة 

وانطلقنا إلى الورشة لنرى إلى أين وصل إصلاح الحافلة. 

فوجئت بأن العطل كان  كبيرا وان هناك قطعة لابد من استبدالها  وقد ذهب أحد الميكانيكيين  للبحث عنها في المنطقة الصناعية. 

فتحدثنا مع  العامل الآخر..

فقال لنا :  لا اظن بأن الحافلة  ستكون جاهزة قبل الساعة الثالثة عصرا .

قال لي الرجل السعودي المثير :  “هانت يا رجل كلها بضع ساعات وتجهز حافلتكم  يجب إصلاحها بشكل كامل وفحصها بصورة دقيقة  فطريقكم طويل جدا فلا تقلق ستكون جاهزة في الساعة الثالثة هذه أفضل ورشة في منطقتنا”

اخذني في جولة قصيرة في مدينة بريدة و عرفني على اسمه وأخذنا نتبادل أطراف الحديث وبدأ فمي يتحرك ويخرج بعض كلمات الشكر والثناء لهذا الرجل الطيب ولكنني لم أتمكن من النظر والتركيز على عينيه.

ثم اوصلني إلى الاستراحة وقال لي : سأعود لإصطحابك فور أن  تجهز  الحافلة   واذا احتجت اي شيء فاتصل بي دون تردد  .

*****

بعد صلاة الظهر رأيت الرجل وأولاده ينزلون صحون كبيرة مليئة باللحوم والدجاج والرز البخاري اللذيذ ..

ودلال الشاي الأحمر  

فأحمر وجهي خجلا من صنيع الرجل وكرمه  وعاد فمي إلى وضعية الخمود والجمود السابقة . 

في الساعة الثانية والنصف جاءني الرجل ليبشي بأن الحافلة جاهزة  تماما وفي أفضل حالاتها فنشرت الخبر على الجميع ليحمدوا ربهم  ويدعوا لهذا الرجل الذي نزل علينا من السماء وأنقذنا من ورطة  كأداء كلحاء.

*****

حين وصلنا الورشة رأيت الحافلة متوقفة في الخارج وفي وضعية التشغيل فشعرت بسعادة غامرة اغرقت كل جوانحي وانعشت روحي ..

فدخلت الورشة لدفع تكاليف التصليح فقال لي العامل وكان يمني الجنسية  :  الحساب مدفوع  كاملا من اللحظة الأولى التي وصلت فيه حافلتك هنا ..!!! 

عاتبت الرجل على كل هذا الكرم العظيم  ولكنه قال لي :  يا رجل لو كنت في مكاني لفعلت   مثلي هذا  واجبنا  فأنتم ضيوف الرحمن .

اذهب الآن إلى جماعتك ، وتوكلوا  على الله وأكملوا طريقكم إلى مكة  وادعوا الله  لنا بالقبول والرضى وان يتقبل الله  منا ومنكم صالح الأعمال وحسن النوايا.

وتركني وذهب إلى حال سبيله واختفى من أمامي فجأة  كما ظهر أول مرة .

ذهبت بحافلتي إلى المزرعة  وحملت الركاب وودعت  عامل  المزرعة الطيب  وتوجهت إلى مكة المكرمة  واتمننا عمرتنا وعدنا سالمين فائزين  غانمين إلى وطننا .

يقول الرجل :  ولكني لم أنسى صنيع ذلك الرجل السعودي وظللت افكر ليل نهار  كيف يمكنني أن  ارد له الجميل .. ظللت  شهرين كاملين تلسعني فكرة رد الجميل   لذلك الرجل وصنيعه العجيب معنا  .

وفي بداية الصيف وفي موسم المانجو العماني الطيب

عبأت عشرين صندوقا  من المانجو الطازجة الناضجة واشتريت عشرين علبة حلوى من افخر انواع  الحلوى العمانية .

واشتريت له خنجر عماني مزخرف مرصع بالفضة   .

وانطلقت إلى مدينة بريدة السعودية  

وحين وصلت الى ” بريدة “توجهت مباشرة إلى تلك المزرعة التي لا أنساها أبدا وتوقفت أمامها واتصلت بالرجل ذو العينين المشعتين البراقتين والقلب  الأبيض الجميل  ففرح بسماع صوتي .

فقلت له:   أين أنت  أنا هنا  أنتظرك  امام بوابة المزرعة .

فجاء الرجل بعد نصف ساعة وعانقني بكل جمال ولهفة واشتياق . 

وقلت له : موقفك معي لا يمكن أن أنساه وهذه هدية بسيطة  لا تساوي ربع ما قدمته لي فأرجو أن تقبلها مني .

ففرح الرجل بزيارتي أكثر من فرحته بهديتي وأجبرني على المكوث معه ثلاثة أيام اغرقني فيها من الكرم والطيب وأمطرني بالإحسان واراني من دماثة الخلق  مالم  اره أو اقرأ عنه من قبل .

وهنا تأكدت بأن الله سبحانه وتعالى   لم يرسل رسوله الكريم إلى  الجزيرة العربية  إلا   لأنه يعلم  بأن فيها من   البشر  من يحملون في دمائهم جينات الكرم والسخاء والنخوة والشهامة ما يؤهلهم ليكونوا خير  أمم الأرض وأطيبها .

*****

وفي الختام أقول :

قفوا للناس في الطريق ..

قدموا لهم المساعدة 

استجيبوا لنداءات أياديهم حين يلوحون لكم 

واستمعوا لصراخ ألسنتهم حين يستغيثون بكم  .

من المؤسف والمشين أن نغادر الحياة دون قصة عطاء أو موقف شهامة وكرم وسخاء .

خلدوا أفعالا جميلة وذكريات طيبة في حياتكم وقبل مماتكم .

واحكوا قصصكم المثيرة لأبنائكم .

ازرعوا في قلوبهم حب الخير ومد يد العون .. وإغاثة الملهوف.. غادروا الحياة   وفي صحائفكم أنوار ساطعة .. واقمار متلألئة وإشعاعات براقة كعيني ذلك الرجل السعودي النادر  .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى