أصداء وآراء

نـداء إلـى الضـمـيـر العـالمـي..

 

السفـيـر/ معـصـوم مـرزوق

مساعـد وزيـر الخارجية المصـري الأسـبـق

 

 

نـداء إلـى الضـمـيـر العـالمـي..

 

الحكومة الأثيوبية تهدد الشعب المصري بالفناء ، بعد أن رفضت الالتزام بالحد الأدنى الذي يفرضه عليها القانون الدولي كدولة منبع لنهر النيل.

غني عن الذكر ما يمثله نهر النيل لشعب مصر منذ فجر التاريخ ، لذلك حرص هذا الشعب علي ترويض النهر وتنظيمه وتأمينه، وقد عرفت البشرية نهر النيل عن طريق مصر ، وقال المؤرخ هيرودوت أن مصر هبة النيل ، ولم تكن هذه العبارة إلا تأكيدا لمدي ارتباط حياة المصريين بهذا النهر العظيم.

وقد عرف الشعب المصري حقيقة هذا الارتباط الوثيق منذ بداية الزمن ، فلم يكن يتعامل مع النيل باعتباره مجرد مصدر من مصادر المياه ، بل باعتباره الحياة ذاتها ، ومن المعروف أن مصر ليس لديها مصدر آخر للمياه.

لذلك ربما كان الشعب المصري منفردا بين شعوب العالم في اعتباره النيل إلهاً يعبده، بل وكان يحتفل سنويا بعيد وفاء النيل حيث تحكي الأسطورة أنه كان يتم القاء أجمل عذراوات مصر كي يتزوجها النيل في مراسم احتفالية عظيمة ، لا تزال تمارس حتى اليوم بشكل رمزي.

لقد حملت الكتب المقدسة كلها قصة موسى في النيل، والسنوات السبع العجاف والسنوات السبع السمان في قصة النبي يوسف.

حرصت مصر دائما على علاقات طيبة مع باقي دول حوض النيل، وكانت تهدف طول الوقت على تحقيق وضع يربح فيه الجميع، وهو ما حافظت عليه مصر في محاولاتها مع الحكومة الإثيوبية وخاصة في السنوات العشر الأخيرة، رغم إصرار الجانب الإثيوبي على المراوغة والتهرب من التزاماته بشكل يمثل خروجا سافرا على قواعد القانون الدولي ، وانتهاك واضح للنظام القانوني الحاكم والمستقر الذي نظم علاقات دول الحوض على مر مئات السنين.

إنتهكت إثيوبيا قواعد اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بالأنهار لعام ١٩٩٧ التي نصت صراحة في مادتها الثالثة على ضرورة احترام الاتفاقات القائمة existing agreement بين دول النهر ، وإثيوبيا ترتبط بمعاهدة ثنائية وقعها الإمبراطور الإثيوبي منيليك الثاني عام ١٩٠٢ وهي قاطعة في التزام الجانب الإثيوبي بعدم القيام بأي إنشاءات على النهر إلا بعد موافقة مصر.

لقد أهملت الحكومة الإثيوبية حقيقة أن هناك حقوقا تاريخية وقانونية مكتسبة لشعب مصر ، وهو ما تؤيده أحكام المحاكم الدولية فيما يتعلق بقاعدة الحيازة الممتدة والممارسة الهادئة لحقوق سيادية وفقا لقاعدة  estoppel.

لم تحترم إثيوبيا مبدأً دوليا هاما وهو الإخطار المسبق prior notification  قبل الشروع في بناء السد.

رغم ذلك حاولت مصر بحسن نية أن تتفاوض مع الحكومة الإثيوبية للاتفاق على ترتيبات تحقّق لإثيوبيا أهدافها التنموية من بناء السد مع التقليل من حجم الأضرار التي تهدد حياة الشعب المصري.

وواصلت الحكومة الإثيوبية المراوغة والتعنت واستخدام تكتيك كسب الوقت مع الاستمرار في بناء السد كي يصبح أمرا واقعا تفرضه على الشعب المصري.

ومع ذلك تفادت مصر أي تصعيد حرصا منها على علاقات الأخوة التي تربط بين الشعبين ، وثقة منها أنه يمكن التوصل إلي حل يرضي الطرفين win/win situation .

وفي النهاية رفضت إثيوبيا التوقيع على التوافق الذي تم التوصل إليه بوساطة من الحكومة الأمريكية والبنك الدولي رغم قيام مصر بالتوقيع.

لجأت مصر مؤخرا إلى مجلس الأمن بعد أن تطور الوضع إلي حالة تهدد بالفعل السلم والأمن الدوليين في هذا الجزء من العالم.

إننا ندعو الضمير العالمي وكل محبّي السلام في العالم إلي مساندة الموقف المصري العادل ، والضغط على النظام الإثيوبي كي يلتزم بالقواعد القانونية ، ومبدأ عدم إحداث الضرر ، حفاظا على حياة مائة مليون مصري ، لأن استمرار التعنت الإثيوبي لا يؤثر فقط على كمية المياه التي تصل إلى مصر، وإنما يؤثر على استمرار مصر كما يعرفها التاريخ .. إن ذلك تهديدا وجوديا لمصر ، ندعوكم للتوقيع كي يتم منعه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى