أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

نـسـخـة كـربـونـية باهـتـة !!..

أ. ياسمين عبدالمحسن إبراهيم

مدربة معتمدة ومحاضرة في اكتشاف الذات

 

نـسـخـة كـربـونـية باهـتـة !!..

 

ألم يتبادر إلى ذهنك يومًا هذا السؤال : “لماذا خلقنا الله مختلفين ؟!”.

حتمًا هذا الاختلاف لم يكن أمرًا عبثيًا.

قال الله تعالى : “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينْ (22)” سورة الروم.

إذا أمعنّا النظر في الكون من حولنا، سندرك حينها أن الاختلاف هو أصل الحياة، فالاختلاف موجود ولن يزول، فهو جزء لا يتجزأ من الطبيعة.

فلولا النهار لما أحببنا الليالي القمرية، ولولا حرارة الصيف لما انتظرنا الربيع ونفحاته.

هكذا هي الحياة اختلاف وتنوع في إطار الوحدة والانسجام.

نحن نعيش الاختلاف بكل أوصافه، اختلاف الأجناس، الألوان، الألسنة، النفوس، الأشكال، الأطوال، الأعمار، وجميع الأشياء.

نحن نعيش رحمة ونعمة كونية مستمرة مادامت الحياة.

ألا ترى أن الأشياء تصبح مملة، وعديمة الفائدة حين تتماثل.

إذن لماذا نقاوم طبيعتنا التي فطرنا الله عليها ؟!.

لماذا لا نقبل الاختلاف فيما حولنا ؟!.

لماذا لا نؤمن بأن الاختلاف في الرأي، وتعدد النظريات في تفسير المسائل، والحكم عليها أمر طبيعي فطري؟!.

اختلافنا رحمة .. اختلافنا تكامل .. اختلافنا حياة..

أنظر حولك ستجد من الناس الرجل والأنثى، ستجد الطفل والشاب والشيخ، ستجد من هو أبيض اللون وآخر أسود اللون، وأحدهم طويل وآخر قصير، وهناك من هو ممتلئ القوام وآخر نحيف.

ستجد من هو اجتماعي، ومن هو هادئ الطباع، من يميل إلى اليُسْر، ومن هو شديد الطباع، من يفكر بالمنطق، ومن يتخذ قرارته بعاطفته.

نحن لسنا أبنية حكومية، لنصبح جميعًا على نفس الطول والهيئة والمساحة والمواصفات والمقاييس، وحتى هذه المباني كثيراً ما تجد فيها الاختلاف.

بسبب ذلك الرفض لطبيعتنا المختلفة ضاعت منّا هويتنا الشخصية.

نحن غير مضطرين أن نقلّد مشهور ما في طباعه لنصبح أجمل، نحن غير مضطرين لأن نتبع ما يُطلق عليه بالموضة.

تبّاً لمقاييس الجمال التي سجنوا أرواحنا فيها..

لم يخلقنا الله مختلفين لنهلك .. ولكن فطرنا برحمته على هذا الأمر لنتكامل، ونتكاتف، ونتّحد، ونعمّر، ونستمتع بالحياة.

لنحمده كثيرًا ونسبحه في كل وقتٍ وحين.

علينا أن نتقبل أنفسنا كما نحن، لا بأس من التطوير، ولكن داخلي وليس سطحيًا فقط.

علينا أن نتقبل أبناءنا كما هم، بكل ما يحملون من سلبيات، وقصور فكري من وجهة نظرنا نحن، وبكل ما فيهم من اختلاف.

أبنائنا منحة من الله وأمانة؛ فلا تضيّعوها بغية الوصول لأشباه باهتة من نماذج لشخصيات الآخرين.

القـبـول القـبـول..

القبول لاختلافاتنا العرقية، والشكلية، والدينية، والفكرية.

القبول هو أساس الراحة الحقيقية التي نحتاج جميعاً إليها.

دعونا نتّفق أننا سنطلق سراح المميزات التي حبانا الله بها، ونتراجع عن سعينا في الحصول على تلك النسخة الكربونية الباهتة..

سنقبل أنفسنا كما نحن، ومن ثم نفكر كيف نحسن منها ونطورها.

لا يمكنك التطوير في أي شيء في الدنيا حتى نفسك قبل أن تحبّه وتقدّره، وتدرك إمكانياته، وتميز نقاط قوته وضعفه، ومن ثم يحدث التطوير العظيم.

وإن كنت مهتماً بقصص الأوّلين فعليك بقراءة قصص الأبطال الحقيقيّين، وليس الأبطال المزيّفين في وسائل التواصل الاجتماعي.

إسع .. حاول .. ثابر .. تعثر .. إستمر .. إغضب .. إهدأ .. كن أنت في كل الأحوال.

حتى نجد الإجابة المناسبة للسؤال الأبدي (وشبابه فيما أفناه)

الجسد يزول، والمناصب تزول، والشهرة تزول، والمال يفنى، ويبقى الأثر.

وليس هناك حق لنسخة كربونية حزينة في أثر طيب يبقيها حية ولو بعد الممات.

أنت النسخة الأصلية منك، فلا تعبث بك.

أنت صنيعة الرحمن، فلا تلتفت لتفاهات الغرب العقيمة.

أنت لا يليق بك أن تصبح نسخة كربونية من أحدهم.

إما النسخة الأصلية أو لا شيء.

دمـتـم آمنـيـن..

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى