أصداءأقلام الكتاب

نـعـمـة الجـهـل !!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

نـعـمـة الجـهـل !!..

 

إذا كنت تعلم فتلك مصيبة .. وإذا كنت لا تعلم فالمصيبة “أهـون” !!..

بعد معاناة مريرة مع المعرفة .. إكتشفت بأن الجهل نعمة عظيمة .. وأن اللاوعي متعة لذيذة !!.

لذلك كم  أتمنى الآن  لو كنت جاهلاً كبيراً .. جاهلاً عظيماً !!..

كم تمنيت لو لم أتعلم الكتابة .. ولم ألهث وراء الكتب والعلم والقراءة !!..

كم تمنيت لو كنت  إنسانا ساذجاً .. غبياً لا يعرف شيئاً مم يدور حوله !!..

لا يميز بين الظلال والضلال .. لا يفرق بين النور والظلام !!..

لا يستوعب ما يدور حوله من مصائب .. ولا يدرك خطورة ما يحوم حوله من فتن ومخاطر !!..

قبل فترة .. خرجت في رحلة مع بعض الشباب إلى السيوح والبراري.

كان بانتظارنا دليلنا في الرحلة أحد الشباب البدو .. شاب في الخامسة والعشرين.

شاب بدوي بامتياز .. بالكاد يعرف أن يفك الخط !!.

يعمل سائقاً في شركة طابوق صغيرة .. يتقاضى 250 ريالاً في آخر الشهر .. ويبتهج براتبه أيّما ابتهاج !!.

ويعود إلى بيته مُحَمّلاً بأكياس الطعام .. يتقاضى الفتات !!.

راتب بالكاد يكفيه لسد رمقه .. ويمنع عنه وعن أسرته شبح الجوع !!.

أجمل ما أعجبني فيه .. أنه لا يعرف أيَّ شي .. عن أيَ شيء !!.

لا يعرف شيئاً  عن الدولة .. لا يعرف شيئا عن الحكومة !!.

لا يعرف شيئاً عن الحروب التي حوله !!.

لا يعرف شيئاً عن الفساد !!.

حتى لا يعرف ما معنى كلمة “فساد” .. ولا يفقه دلالاتها وفداحتها وحجم كارثيتها !!.

كم غَبَطْتُ هذا الرجل .. كم تمنيت أن يعطيني دماغه الأبيض الفارغ من أي شيء سيّء  .. وأعطيه دماغي الملغم بالسموم والسواد والأمراض !!.

كان ينام أينما أظلم عليه الليل .. يفترش التراب .. ويلتحف السماء وينام ..

علاقته بالتراب علاقة حميمة .. وصداقته مع النجوم صداقة متينة.

حقّاً إنه لا يعرف شيئا عن الحكومة .. حتى لا يعرف ما معنى كلمة “حكومة” !!.

لا يفهم معنى هذا المصطلح الفخم الجميل !!.

لا يعرف إسم وزير واحد من الوزراء .. لا السابقين ولا اللاحقين بهم بإحسان إلى يوم الدين !!.

لا يعرف وزير المالية !!.

ولا يعرف وزير العمل والأعمال والريادة !!.

ولا يعرف وزير التجارة والصناعة !!.

ولا يعرف وزير الإبداع والبراعة !!.

لا يعرف سوى “محمد عظيم” الباكستاني ذو اللحية الطويلة والإبتسامة الجميلة .. صاحب مصنع الطابوق الذي يعطيه راتبه نهاية كل شهر ولا يخصم عليه أيام هروبه و ساعات غيابه !!.

لا يعرف شيئاً عن أوضاع البلد .. ولا يعرف شيئاً عن حاضرها أو مستقبلها !!.

لا يفهم معنى الهيكلة الوزارية .. ولم  يسمع بالمجالس العمومية !!.

ولا يعرف المقصود بالهياكل الإدارية ولا الهياكل العظمية !!.

لا يعرف عن صناديق الإستثمار .. ولم يرَ مناديس الإدخار .. ولم يخبره أحد بصندوق الإحتياط .. ولم يسبق له أن قعد على أحد صناديق التقاعد !!.

لا يعرف شيئا عن تضخم المال .. وترهل الإقتصاد .. وكساد البلاد والعباد !!.

لا فرق معه بين  “التعليم عن بعد” و “البعد عن التعليم” !!.

لا يعرف كلمة المستقبل .. ولا يفهم معناها .. ولا يكترث بها .. ولا تعيش في رأسه .. ولا تعشعش في قلبه !!.

لا يشاهد  القنوات التلفزيونية .. ولا يستمع للمحطات الإذاعية !!.

ولا يتصفح  الجرائد الورقية .. ولا يقرأ الصحف الإلكترونية !!.

لا يهمه شيء سوى أكل يومه .. وطعام أطفاله .. وعلف ناقته وحشائش أغنامه .. ولتذهب الدنيا بعد ذلك الى الجحيم !!.

بعيد كل البعد عن تراشقات تويتر .. وتجاذبات الفيس بوك .. ومتاهات جوجل.

العقل مصيبة كبيرة .. الوعي كارثة عظيمة .. والتفكير معاناة وألم ..

والمعرفة جَلْدٌ للعقل .. والعلم ضرب للروح بالسياط والحديد والنار ..

هل هناك نعمة أفضل من نعمة “عدم العلم” ؟؟!!.

هل هناك عطاء أجمل من الجهل ؟؟!!.

هل هناك متعة أروع من فراغ العقل ؟؟!!.

ألم يصدق المتنبي حين قال :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله .. وأخُ (الجهالة) في الشقاوة ينعم ..؟

هذا البدوي الفقير الساذج يعيش في راحة بال كاملة .. مطلقة ..

رغم شظف العيش .. وسوء المعيشة إلا أن عقله الفارغ .. ودماغه البسيط يحقنانه بإكسير السعادة والرضى .. والسلام النفسي .. والتناغم الروحي مع الحياة .. كجزء أصيل من أجزائها الأساسية ..

إنه منسجم مع الكون بفطرته الخالصة .. ونقائه المثالي .. وبساطته الفطرية .. وعقله البسيط ..

إنه يجهل كل جهالات الكون .. ولا ينصت لكل سفاهات العالم ..

وهذا هو سر سعادته وراحته وصحته واطمئنانه !!.

اللهم ارزقني نعمة الجهل .. واجعل دماغي فارغاً تصفر فيه الريح ، ويتخلله الغبار ، ويغسله الندى ، ويطهره المطر …!!.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق