أصداء وآراء

“نـعـمـت” البـنـغـالـي !!..

 

 

 

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسي

 

 

 

نـعـمـت” البـنـغـالـي !!..

 

سأكتب لكم اليوم بعض السطور عن نعمت البنغالي..

طبعا “نعمت” هو بنغالي ككثير من البنغاليّين الذين يملؤون شوارعنا وأزقتنا بصاقا وقذارة..

لذلك لن أتطرق إلى ثقافتهم الصحية .. ومستواهم النظافي.. فنحن نحمل عنهم انطباعاً قاتماً لا يمكن تغييره..

لكن هناك جوانب تستحق التأمل في طبيعة البنغاليّين وفسيولوجيتهم الغريبة .. سأحدثكم عن بعض القدرات النفسية والعصبية التي يملكونها .. وخير مثال لها هو الأخ “نعمت”..

“نعمت” شاب في الخامسة والعشرين من العمر .. يعمل عامل نظافة بالمدرسة منذ ثلاث سنوات .. عامل نظافة بشركة النظافة المكلفة بالتنظيف..

نعمت .. شاب عجيب جداً..

صغير الحجم .. ضئيل الجسم .. لا يتجاوز طوله المتر وأربعين سنتيمتراً .. ولا يتجاوز وزنه الخمسين كيلو غراماً..

ربما البنغال لا يتمتعون بإتقان العمل لكنهم غالبا يتمتعون بالخصائص  التي سأتحدث عنها..

وهي : الهمة في العمل .. والنشاط الدؤوب.. والحركة الدائمة كنحلة شغالة..

يحضر “نعمت” إلى المدرسة قبل السادسة..

يكنس المدرسة كنساً كاملاً..

يغسل الحمامات ودورات المياه..

ويكنس الصفوف وينظف طاولات الطلاب..

ويلمع طاولات المعلمين والإداريين..

ويعطر غرف المعلمين والإدارة بالروائح الزكية..

ويجهز دلال الشاي والقهوة والتمر ، ويوزعها على غرف المعلمين قبل وصولهم..

يصول ويجول في المدرسة ، حاملاً دفاتر الغياب وسجلات الاحتياط .. وتعليمات الإدارة..

يعرف كل معلم .. ويعرف أين يجلس وأين يختبئ .. وفي ماذا يسرح .. وبماذا يفكر .. ولماذا حزين .. ومتى سيهرب من المدرسة !!..

نعمت غالبا .. لا يجد فرصة الجلوس والاسترخاء .. لشرب كأس من الشاي، لذلك يشرب شايه وهو يتحرك..

نعمت .. بعد مرور سنة في المدرسة اتقن الكلام .. وفهم اللسان .. وهضم أسرار العمل .. وأدرك البيان .. وغاص في أسرار المكان..

حتى آلات النسخ والطباعة المعقدة أصبح ضليعاً فيها أكثر من المعلمين..

لم يبقَ إلا شيء واحد فقط لا يفعله نعمت في المدرسة ، وهو دخول حصص الإحتياط وتعليم البنين والبنات !!..

نعمت أيضا يعمل مسؤولاً عن جمعية المدرسة .. يبيع الخبز والعصائر .. ويعرض السندويشات والبطاطس..

يحسب المدخول .. ويكتب الفوائد .. ويُوَثّق الديون ويُثْبِت المكاسب..

وحين ينتهي نعمت من كل التكاليف المدرسية لا يذهب ليتبطح وينام .. لا .. بل يقوم بغسل سيارات المعلمين مقابل أجر زهيد..

نعمت .. لم أره يوماً عابساً .. مكفهرّاً..

إبتسامته تسبق صوته..

وضحكته تسابق خطوته..

لا يتذمر من الأوامر .. ولا يشمئز من التعليمات والزواجر..

نعمت .. أعزب .. غير متزوج..

مازالت جمرته مستعرة في ظهره .. تحرق قلبه .. وتجلد بطنه .. وتؤرق فراشه وتقلق منامه..

نعمت .. لديه أربع أخوات يسعى لإطعامهن وتعليمهن .. وتزويجهن..

نعمت .. لديه أمه المريضة في بلاده البعيدة .. طريحة الفراش .. كثيرة السقوط دائمة الصراخ..

نعمت .. مازال يضحك ولا يتوقف عن البسمة والابتسام .. وينطلق منذ الفجر إلى عمله كنحلة صغيرة .. نشيطة..

نعمت .. لا يعرف الإجازات والعطلات..

فحين تقفل المدرسة هناك أعمال أخرى..

هناك أعمال البناء .. والترميم .. وسقي النخيل .. وقطع الحشائش..

وتجميع الحطب .. وتنظيف الأحواض والبرك .. وإطعام البهائم .. وحلب البقرات السمان !!..

نعمت .. دائماً جاهز .. حاضر لأي مهمة .. لا يرفض عملاً .. ولا يعترض على قدر..

اللهم أدم على “نعمت” نعمة الصحة والعافية..

أي بشر هؤلاء..

أي طاقة تحملها قلوبهم..

وأي روح تعيش في أجسادهم..

وأي همة وحب للحياة تسكن أرواحهم..

اللهم روحاً كروح “نعمت” البنغالي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى