أصداءأقلام الكتاب

نهاية “مُسَرَّح من العمل” !!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسي

 

نهاية “مُسَرَّح من العمل” !!..

 

“العمل والحرية ركيزتا الحياة” ..  _ نيتشه _ 

بالعمل يأكل الإنسان .. وبالحرية يتنفس..

يقولون : قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق..

إنها العلاقة الوثيقة المتشابكة بين الحياة والرزق .. إنها الصورة المتداخلة بين الموت اللأحياة..

حين تقطع رزق إنسان .. فأنت تقطع عنقه و أعناق بشر أبرياء مرتبطين به..

هكذا  كتب حكماء الأرض .. وهكذا قال فقهاء الدين وفلاسفة الدنيا ..

هكذا كتب مصلحو العالم .. وهكذا صرح مجانينها وفُسّاقها..

نهض من نومه في ساعة مبكرة كعادته منذ أشهر  عديدة .. أظنها قبيل الفجر بقليل..

ينهض فجأة من نومه  كالملدوغ..

كانت ليلته سيئه مُؤَرِّقة ككل لياليه الثقيلة الماضية منذ تم تسريحه من عمله..

أرَقٌ دائم .. وكوابيس .. وتَعرّق .. وصعوبة في التنفس .. وأحيانا اختناق شديد..

فقبل سبعة أشهر كان ينام بشكل طبيعي .. ويحلم بشكل طبيعي ويأكل بشكل طبيعي .. ويدخل الحمّام بشكل طبيعي  ..

إختلت طبيعته السيكولوجية بعد أن تم تسريحه من العمل..

فتعطلت كل مكاينزمات جسده، وانطفأت كل شموع حياته، بعد أن استلم رسالة التسريح، وصادق الشوارع والأرصفة..

العمل حياة .. العمل أمل .. العمل وجود .. العمل سعادة .. العمل سرور..

أكمل الآن سبعة أشهر بدون عمل..

بدون مال ..

بدون حياة ..

بدون وجود ..

يحّدث نفسه : “ليس المشكلة في حياتي .. المشكلة هي زوجتي وأطفالي الأربعة ..

لو كنت لوحدي .. لما اكترثت لحالي ..  سأتسكع في الشوارع .. سعيداً بالصَّدَقات، وضاحكاً من المهازل والتفاهات .. متناغماً مع  السخافات .. راضياً بكل الحماقات..

أسرتي هي مصدر عذاباتي الآن .. إنني أتعذب بهم .. ولأجلهم”..

لقد انتصر الحزن على روحه .. لقد تسرب اليأس  إلى أعماقه .

لقد وجد الضّيق والألم في روحه أرضاً خصبة لينثر فيها بذوره السوداء حتى تحول الحزن إلى شجرة عظيمة، إستظلت تحتها كل ساعاته وأيامه ..

لقد تمنى لو أن روحه قميص فضفاض خفيف يخلعه الآن بكل هدوء وسكينة  ..

لقد تمنى لو أن حياته بطارية ضعيفة ستنفذ بعد لحظات .. وتنتهي معاناته وتنطفىء أوجاعه..

لقد تمنى لو أن عمره ريشة صغيرة تقذفها الريح، وتلقي بها في مكان سحيق..

صلى الفجر  .. 

ورفع يديه إلى السماء ( اللهم فَرَجَك ويُسْرَك .. اللهم رزقاً لأطفالي) ..

دخل غرفة أطفاله ..

اقترب من أجسامهم الصغيرة  البريئة النائمة ..

إستنشق رائحتهم العذبة الطاهرة  ..

حقنهم بقبلات الأبوة الدافئة الخالدة   

قبل أن ترسل الشمس خيوطها الدافئة إلى الدنيا .. خرج من بيته .. لا يحمل في جيبه سوى بيسات قليلة لا تكفي لثمن توصيلة سيارة أجرة..

كانت المنطقة الصناعية تبعد عن بيته تسعة كيلومترات..

قطعها كلها مشيا على الأقدام دون أي شعور بطول المسافة  .. 

وحين وصل لهج لسانه : (الحمدلله .. شكراً لهاتين القدمين القويتين)..

فقد صودرت سيارته بأمر المحكمة، وتم الحجز على أملاكه وطرد من منزله تلبية وتحقيقا لشهية البنك..

قال في نفسه : (الحمدلله لله أنهم  نسوا الحجز على زوجتي ومصادرة أطفالي …) !!.

إحتضنه أحد جيرانه الطيبين .. أسكنه في ملحق صغير من غرفتين ودورة مياه..

وقال له : “هذا المسكن لك مجاناً حتى تنفرج كربتك وتنتهي محنتك”..

وتبرع الجيران الآخرون بتحمل فواتير الكهرباء والماء طالما ظل جارهم  المسكين بدون عمل..

(الجار الكريم قطعة من الجنة) .. (الجيران العطوفون ملائكة أرضيون)..

مازالت المنطقة الصناعية لم تستيقظ بعد ..

جلس في مقهى يحتسي شاياً .. ويجتر الأفكار .. ينفض المرارات، ويهش الألم من صدره ..  ويمضغ الوجع ثم يبصقه..

بدأت محلات المنطقة الصناعية تفتح أبوابها..

وبدأت الحركة و الحياة تدب في شوارعها ..

نهض من على كرسيه كأنه شيخ مسن .. لقد إقتحمه الهرم فجأة خلال سبعة أشهر فقط..

نهض ومشى .. وبدأ يقرع كل أبواب المحلات التي يصادفها .. يبحث عن أي عمل .. مهما بلغت صعوبته .. ومهما كانت طبيعته..

بدأ النشاط يدب في شوارع المنطقة الصناعية  ..

إستراح بضع دقائق قليلة في مقهى آخر ..

وجد رجلاً عجوزاً جالسا قبالته..

نظر إليه الرجل وسأله : ماذا تفعل هنا في هذا  الصباح الباكر يا إبني ؟؟

أخبره صاحبنا بمصيبته ..

فقال له الرجل : أعانك الله .. إبني أيضا حدثت معه نفس المصيبة .. وهو نائم منذ شهرين ينتظر معجزة سماوية..

ثم ضحك الرجل العجوز وقال : “في وطننا الشركات والمؤسسات كالقطط تأكل صغارها حين تجوع” .. وأكمل ضحكته الطويلة..

نهض صاحبنا من على كرسيه متثاقلاً، مدركاً صعوبة المهمة التي سينطلق إليها .. تاركاً الرجل العجوز يواصل ضحكته الصفراء المريرة !!.

ثم استأنف قرع أبواب المحلات .. وزج رأسه في صنوف المعامل ومختلف الورش..

قابل  المستر جون والمستر موهان والمستر كومار .. وتحدث مع المستر سوريش .. والمستر جوزيف والمستر إبليس  والمسيو عفريت !!..

كلهم أوصدوا أبوابهم في وجهه .. وتغامزوا مع ابتسامات ساخرة خلف ظهره !!..

وقبيل منتصف النهار بقليل .. وبعد أن قرع نصف أبواب محلات المنطقة الصناعية ومكاتبها ..

رأى نفسه قريباً من مغسلة كبيرة للسيارات ..

فسأل عن صاحبها ..

فجاءه المسؤول..

فسأله إذا كان بحاجة إلى مشرف لعمال المغسلة ..

رد عليه المسؤول : لا نحتاج إلى مشرفين ولكننا نحتاج إلى عمال تنظيف..

ضربت الصعقة جهازه العصبي مصطدمة بخلايا رأسه التي أذابتها الشمس فأصابته بخدر شبيه بالإغماء .. فأصيب بدُوارٍ مصحوبٍ بالترنُّح والخوار..

فكر الشاب ملياً..

عامل تنظيف براتب 80 ريالاً !! ، يا إلهي ..

مشى بضع خطوات يترنح كسِكِّير مبتدئي لم يحترف منهج الكؤوس .. ولا يفقه لغة المُدام..

ثم قال لنفسه 80 ريالاً أفضل من لاشيء ..

” إنها على الأقل ستدفع الجوع عن أطفالي ولو لشهور بسيطة ..

 سأملأ بطونهم وأسكت ضجيجهم…”، قالها بكل مرارة ووجع..

عاد أدراجه إلى مسؤول المغسلة .. وقال له : أنا جاهز .. سأقبل العمل..

فسلمه بطاقته الشخصية، واتفق معه على شروط العمل وطبيعته..

ووقّع على عقد العمل في نفس اللحظة..

فقال له المسؤول سيبدأ عملك من صباح الغد من الساعة الثامنة حتى الواحدة .. ومن الرابعة حتى الثامنة مساء..

ولك نصف ساعة للإستراحة ولشرب الشاي وتناول وجبة خفيفة على حساب المغسلة .. ويوم الجمعة إجازة ثابتة .. وتعاطفاً معه وعده المسؤول بأن يوفر له دراجة نارية صغيرة يستخدمها في الإنتقال من وإلى العمل بعد أن تأكد بأنه لا يملك وسيلة نقل..

شكره على كرمه .. واستلم نسخة من ورقة العمل .. ووضعها في جيبه دون أن يقرأها..

واتصل بأحد أصدقاءه راجياً منه إيداع 10 ريالات في حسابه إلى حين ميسرة..

إنها المرة السابعة بعد الثلاثين التي يطلب فيها من صديقه إيداع 10 ريالات في حسابه..

قال في نفسه .. لولا هذا الصديق .. ماذا كنت سأفعل .. هذا الوحيد الذي ظل واقفاً معي بينما هرب العشرات وتخلوا عني !!..

(الصديق الوفي شمعة متوقدة تضيء ظلمة الحياة)..

تمتم بهدوء .. اللهم احفظه وبارك في رزقه..

عمل في المغسلة بكل همة وصبر ونشاط .. وألم ..

وبعد ثلاثة أشهر من العمل الشاق والمضني  في مغسلة السيارات ..

وذات مساء من ذلك اليوم المشؤوم .. وبعد أن  استلم ريالاته الثمانين من مسؤول المغسلة..

خرج مبتهجاً بريالاته .. واعداً أسرته بتناول وجبة لحم شهية  ..

فهم لم يذوقوا اللحم منذ مائة وأربعين يوما ..

خرج فرحاً مسروراً بورقاته الحقيرة رغم الإعياء والإرهاق والتعب الذي يسيطر على جسده .. ورغم الأوجاع التي تسكن روحه..

لم ينتبه إلى تلك السيارة الرياضية الشيطانية القادمة من جهة اليسار  والتي يتولى قيادتها شيطان إنسي صغير أحمق .. طائش مستهتر..

كان صاحبنا ممسكاً بريالاته البسيطة يعدها ويحسبها وينسج آمالاً عليها .. ويخيط أحلاماً فيها..

وفي أقل من الثانية صدمته السيارة فجأة وقذفت به على بعد عشرين متراً..

طار جسده النحيل في الهواء وسقط كجذع شجرة نخرة .. تبعثرت ريالاته الثمانين في الهواء، وتساقطت ورقاته النقدية، لتصبح كفنا رخيصا لجسده الطاهر..

إنتهت حياته القصيرة في لحظة سريعة .. وتخلص من كل أوجاعه وهمومه ومتاعبه ..

تاركاً خلفه زوجة شابة وأطفالاً أربعة في نضارة الزهور .. ورهافة العصافير..

رحل سريعاً تاركاً فلذات كبده بين مطرقة الفقر .. وسندان “اللّا أمان” !!..

السطر الأخير :

هذه نهاية طبيعية جدا لكل مُسَرَّح من عمله .. تبقى هناك الأقدار هي من يرسم سيناريو هذه النهاية وشكلها..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق