أصداء وآراءأقلام الكتاب

هـكـذا .. تحـدث هـيـكـل !!..

السـفـيـر/ معـصـوم مـرزوق

مساعـد وزيـر الخارجية الأسـبـق

 

هـكـذا .. تحـدث هـيـكـل !!..

في ربيع 1984 كنت في زيارة لمدينة ريو دي جانيرو في البرازيل ، وبينما كنت أجلس في بهو الفندق الذي يطل على شاطئ المحيط الأطلنطي ، لاحظت أن شابة شقراء تجلس على مقربة مني وهي تقرأ في كتاب “مدافع آيات الله” لمحمد حسنين هيكل باللغة  الإسبانية ، ولم أكن أعرف أن الكتاب كان قد ترجم لهذه اللغة ، لذلك اقتربت بهدوء من الشابة كي أسألها عن مكان شراء نسخة منه ، وما أن عرفت أنني مصري من بلد “هيكل” فوجئت بانفعالها وسرورها ، وقد علمت فيما بعد أنها باحثة من الأرجنتين وأنها قرأت تقريباً كل كتب محمد هيكل (هكذا كانت تنطق إسمه) ، وهي تعد دراسة عن الشرق الأوسط.

وهكذا أمضيت مع ” ليلى” الأرجنتينية يومين حافلين ما بين زيارات لمناطق سياحية ومتابعة لكرنفال السامبا الشهير ، وبين مناقشات جادة حول كتابات هيكل.

وفي الواقع أنني طيلة أربعة أعوام عشتها في قارة أمريكا اللاتينية ، لم أجد في مقابلاتي من يعرف عن مصر الحديثة إلا عن طريق كتابات الأستاذ ، ولا أنسى اليوم الذي كنت ألقي فيها محاضرة في الجامعة الكاثوليكية بمدينة كيتو في الإكوادور ، وكانت حول معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل ، وفوجئت أثناء المناقشة التي تلت المحاضرة أن أغلب الأسئلة كانت تدور حول خلاف هيكل مع السادات ، وآراء الأول في مسيرة السلام ..!!.

تعرفت على هيكل مبكراً جداً في حياتي حين كنت في الرابعة تقريباً ، حين كان جدي رحمه الله يستدعيني بعد الإفطار يوم الجمعة ويدربني على القراءة بأن يدّعي أن بصره لا يساعده على قراءة مقال “بصراحة” للأستاذ ، وكنت أفرح جداً وأنا أجمع الحروف بصعوبة بينما جدي يبدي إعجابه ويشجعني .

منذ ذلك العمر المبكر أصبح يوم الجمعة مقترنا بموعدين هامين ، قراءة مقال هيكل في الصباح ، وصلاة الجمعة في الظهر ، بل إن ذلك المقال الشهير تحول تدريجياً إلي مادة لنقاش تستغرق أغلب أيام الأسبوع في محيط العائلة والأصدقاء ، ولم يكن غريباً أن تسمع أحدهم يقول بحماس : “هكذا قال هيكل…” كي يؤكد وجهة نظره .

في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت مقالات هيكل إطلالة هامة لأبناء جيلي على السياسة ، ورغم جفاف الحياة الحزبية ، وضيق أجهزة الأمن بالنشاط السياسي ، فإن تلك المقالات كانت تفتح لنا آفاقا واسعة للعالم خارج حدود مصر ، وكان أسلوب المقالات المميز شيقاً يجذب القارئ جذباً للقراءة والمتابعة حتى السطر الأخير ، حتى أولئك من غير المهتمين بالموضوعات السياسية ، كانوا يستمتعون بالأسلوب الأدبي المميز للأستاذ ، وحرصه على تغليف المعلومات الجافة بألوان ذاتية من تجاربه الشخصية ولقاءاته مع شخصيات مختلفة ، بل كان يحرص أيضاً على إلتقاط التفاصيل وزركشة المقال بها ، مثل أن يقوم بوصف القاعة التي كان يجلس فيها مع الخميني ، مع بعض المعلومات التاريخية الشيقة عن المكان .

وأستطيع أن أقول دون مبالغة أن أغلب كتاب المقال السياسي في مصر والعالم العربي قد خرجوا من معطف الأستاذ ، فأي دراسة منصفة لكُتّاب المقال السياسي خلال النصف قرن الماضي سوف تكتشف أن أسلوب الأستاذ يسيطر بشكل أو بآخر على أغلب كُتّاب الأعمدة في الصحف العربية الشهيرة ، بل إن بعضهم لم يجد غضاضة في النقل الحرفي من مقالات الأستاذ القديمة والتي لم تعد في التداول .

وفي مرحلة دراستي الإعدادية والثانوية كنت دائماً أقوم بعمل مجلات الحائط ، ومنذ ذلك الزمن البعيد كنت أحرص على وضع مقال تحت عنوان : “كلام في السياسة” ، وقد استمر معي هذا العنوان الذي نشرت به مقالاتي في أمريكا ومصر فيما بعد ، وكان هو عنوان مقالاتي المنتظمة في مجلة “الدبلوماسي” التي يصدرها النادي الدبلوماسي المصري لعدة سنوات متتالية.

ولا أنسى أنني كنت في مهمة بالأردن حين صدر كتاب للأستاذ هيكل بعنوان : “كلام في السياسة” ، وسارعت بشراء الكتاب ، ثم كتبت مقالاً كان يحمل نكهة ساخرة لاذعة أطالب فيها بحقوقي الأدبية من الأستاذ ، على اعتبار أنه سرق عنوان مقالاتي !! .. وكان السفير العظيم محمد وفاء حجازي آنذاك هو رئيس تحرير مجلة الدبلوماسي ، الذي سارع بمكالمتي هاتفياً ما أن تسلم مقالي المذكور ، وعاتبني على أسلوبي الساخر ، وعندما قلت له أنها “مجرد مداعبة” للأستاذ ، قال لي جاداً : “هيكل هرم كبير لا يليق أن نقذفه بالحجارة”.

ولا يعني ذلك أنني كنت من الكهنة الذين يتعبدون في محراب هيكل ، فقد كنت أقرأه مفتوح العينين ، ولا زلت أتذكر إختلافي الكبير معه وغضبي الشديد عليه عندما كنت أخدم في جبهة القتال قبل حرب أكتوبر مباشرة ، عندما قرأت مقالاً له ، تحدث فيه عن استحالة تدمير خط بارليف إلا باستخدام قنبلة نووية ، لقد كان أثر هذا المقال ساحقاً ، لدرجة أنني كتبت له خطاباً وأرسلته من الجبهة ، أتذكر أنني قلت فيه : “إن جند مصر سيكونون هم تلك القنبلة النووية عمّا قريب”.

كنت أدهش لعدم إهتمام الأستاذ بالرد على أولئك الذين هاجموه بضراوة خاصة بعد اختلافه مع الرئيس السادات ، حين انقض عليه حلف المطبلين والمزمرين لكل نظام ، يقذفونه بالتهم والأكاذيب ، رغم أن الأضواء قد انطفأت في صحيفة “الأهرام” عندما قرر السادات أن يخرج الأستاذ منها ، ورغم حقيقة أن توقف مقالات هيكل في الأهرام قد فتحت أمامه المجال دولياً لإصدار الكتب المتتالية التي زادت بها شهرته في العالم كله .

لقد أدركت مع الوقت حكمة الأستاذ في التعالي على هؤلاء ، وعدم الإكتراث بما يقولونه ، لأنه كان يثق في قارئه ، ويعلم أن مصداقية هؤلاء مفقودة لدى القراء ، لذلك كان يجد أن الرد عليهم مضيعة للوقت ، واستهلاك غير مقبول لصفحات الصحف ، بل إنني أشعر أنه لم يفعل ذلك أيضاً إحتراماً للقارئ ، الذي لا يتوقع أبداً أن يسقط الأستاذ في مثل هذه المهاترات الرخيصة.

لا شك عندي أن الملايين في مصر وخارجها وبامتداد العالم كانوا يتابعون بشغف تحليلاته السياسية العميقة ، التي تتميز بأسلوبه الساحر في مزج السياسة بالتعبيرات الأدبية الراقية.

 

 

* تم نشر المقال بالاتفاق مع القائمين على موقع “إضاءات” الإخباري..

– الآراء المنشورة في المقال لا تعبر عن صحيفة “أصـداء” وغنما تعبر عن آراء كاتب المقال..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى