أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

هـل الحـريـة حـق مطـلـق ؟!..

أ. د./ بـسـام أبـو عـبـدالله

 

هـل الحـريـة حـق مطـلـق ؟!..

 

لم يقل أحد منا أننا نتمتع بديمقراطية جيدة، وحريات واسعة، بل كان الجدل في سورية بعد تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم عام 2000، يدور حول أولوية الاقتصاد على مسألة الحريات السياسية، باعتبار أنه لابد من رفع مستوى حياة المواطنين ودخلهم قبل الانفتاح السياسي التدريجي، إضافة إلى أن تجربة ما سمي آنذاك بالمنتديات كانت تجربة فاشلة، ذلك أن كثيرين ممن امتطوا صهوة المعارضة بدؤوا معارضتهم بالسب والشتم، وليظهروا للأسف، جديتهم للسفارات الأوروبية والأميركية في أن يكونوا بيادق جاهزة للاستخدام حين الطلب، وهم أنفسهم الذين شكلوا ما سمي لاحقاً منصات معارضة، استخدمت ضد الدولة السورية، وأظهروا سفالة ما بعدها سفالة في التآمر على بلدهم مع قطر والسعودية وتركيا وأميركا وأوروبا، تحت عنوان «الحرية السياسية» والكرامة ومطالب السوريين المحقة، وعلى الرغم من أنهم حصلوا على دعم كبير من أقوى دول العالم وأغناها، وسخرت لهم كل الإمكانات، وتم تطعيمهم بأسماء وشخصيات تم شراء ذممها من داخل بنية الحزب الحاكم والحكومة، لكن دون فائدة تذكر، لأن هؤلاء لم يكونوا حملة قضية ولا مظالم، بل كانوا مجرد أدوات للأسف، بيد قوى خارجية ضد أمن بلدهم وشعبهم، وساهموا بتدمير البنى التحتية، وبسب وشتم كل من وقف مع بلده وشعبه وجيشه ورئيسه، ومع ذلك انكشفوا أخيراً وتم رميهم إلى حاوية القمامة بأيدي مشغليهم.

بعد هذه التجربة المرة والمؤلمة والمدمرة، يحق لنا أن نطرح السؤال على أنفسنا وغيرنا: هل الحرية السياسية حق مطلق لا حدود له؟ وهل الحرية السياسية تعني فيما تعنيه الحق بالتآمر على وحدة البلاد، وتدمير المسلمات الوطنية، والدعوة للفتنة، وتحطيم مؤسسات الدولة، ودعم كل أنواع الإرهاب؟ بالطبع لا!

في سويسرا مثلاً أيد السويسريون في 9 شباط 2020 بأغلبية حاسمة، اقتراحاً بإضافة نص لقانون العقوبات بجرم التمييز ضد الشاذين جنسياً، يعتبرها جريمة وليست مسألة رأي، وترى الباحثة السويسرية يانينا ويلب من المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية، أن حرية التعبير مثلاً حق أساسي، لكنه ليس حقاً مطلقاً، وتقول إن وسائل الإعلام السويسرية لا تخضع للتدخلات التحريرية أو الحكومية، لكنها مطالبة مع ذلك بالالتزام بقانون العقوبات الذي يحظر الخطاب العنصري أو المعادي للسامية، أو المعادي للشاذين جنسياً، وإذا كانت هذه مسلمات السويسريين الوطنية، وعلى صحافتهم وسياسييهم، وقنوات تلفزتهم الالتزام بها، بغض النظر عن مدى قناعتنا بها، لكن لماذا هم يعتبرون أن هناك قيوداً على حرية التعبير يضبطها قانون العقوبات، ويُعتبر المخالفون له مجرمين تجب محاسبتهم، ولا يحق لنا في بلداننا أن نحمي مسلماتنا الوطنية مثل المس بالوحدة الوطنية، أو اعتماد خطاب مذهبي طائفي والتحريض على الفتنة، أو خطاب عنصري إثني، والتعامل مع العدو الصهيوني، والتجسس ضد الأمن القومي للبلاد، والآداب العامة وغيرها الكثير من القضايا التي لا تدخل ضمن إطار حريات التعبير، أو الحريات السياسية.

مع بداية الحرب على سورية عامي 2011 – 2012 كانت الاتهامات الموجهة للحكومة السورية أنها لا تسمح للصحافة الغربية ومراسليها بالدخول، ومواكبة الأحداث، ونقل صورة حقيقية حسب زعمهم، ولأنني التقيت بالكثيرين منهم من بريطانيين وأميركيين وطليان وإسبان وفرنسيين، دخلوا بموافقة السلطات السورية، لكن قلائل جداً من كتبوا بصورة موضوعية، لأن المطلوب آنذاك تثبيت الرواية الغربية المضللة فقط، وأتذكر أنني سألت إحدى الصحفيات الغربيات التي زارت آنذاك أحد المناطق الساخنة في ريف دمشق هل بإمكانك أن تنشري بصورة موضوعية ما رأيته بأم عينك؟ فأجابتني: كي أكون صادقة، لا أستطيع! فعاودت السؤال مرة: هذا يعني أنك ستكتبين وفقاً لما يريده من يدفع لك راتبك! قالت: نعم! قلت: إذا أين الحرية في التعبير التي تحدثونا عنها؟

في حالة روسيا، وبعد البدء بالعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، أصبح الغربيون مثار تندر في قضية حرية التعبير، إذ لم يبقوا مجالاً يعتب عليهم من الاقتصاد والإعلام، حتى الثقافة والفن والرياضة، والأدب العالمي، وحروف اللغة الروسية، وأظهروا غريزة وكراهية في طريقة التعامل مع الروس، كما أظهروها ضد السوريين قبل عقد من الزمن، وهو ما يعيد طرح السؤال مرة أخرى : هل الحرية حق مطلق ؟ بالطبع لا.

ها هو المواطن الأميركي، وبعد أحداث 11 أيلول 2001 تخلى عن كثير من الحريات من أجل الحفاظ على الأمن، فأمن المجتمع قبل الحرية، هكذا أقنعوه من خلال إقرار تشريع عرف بـ«قانون المواطنة»، والذي لو صدر في أي من بلداننا لاتُهمنا من قبل بيوتات الحرية المزعومة في الغرب، بالاستبدادية والديكتاتورية والشمولية، وغيرها من الكلمات التي مللنا سماعها لكثرة تكرارها، وكذبهم بشأنها ما بين النظرية والتطبيق.

خذوا هذا التحدي الجديد مثلاً مع سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى على صناعة الرأي العام، والهندسة الاجتماعية، هل ينبغي لهذه الشركات أن تكون مسؤولة عن التحكم في الخطاب غير المقبول، ومن الذي يحدد أن هذا الخطاب مقبول أو غير مقبول ووفقاً لأي قيم أو مسلمات!

فإذا انتقدت الشذوذ الجنسي فسوف يعتبرون ذلك جريمة بالنسبة لهم! وإذا هاجمت السياسة الاستيطانية والاحتلال الصهيوني ستعتبر معادياً للسامية! وإذا أظهرت دعمك للمقاومة ضد الاحتلال والهيمنة فسوف تعتبر داعماً للإرهاب وفقاً لمعاييرهم، على الرغم من أن حق المقاومة ضد الاحتلال هو حق أساسي للشعوب معترف به دولياً، كما هو الحال بالنسبة لحق التعبير أو الحرية السياسية! إذا من يحدد المسلمات والمعايير؟

في كانون الأول 2015 نشر الصحفي البريطاني هاري دافيس في «الغارديان» تحقيقاً تحدث فيه عن أن شركة «كامبريدج أناليتيكا» قامت بالجمع غير المشروع لبيانات المستخدمين في فيسبوك، وعملت لمصلحة السيناتور الأميركي تيد كروز عبر استخدام حسابات ملايين الأشخاص، وآنذاك رفضت فيسبوك التعليق على هذا التحقيق الصحفي، لكن الصحفية كارول كادوالادر تمكنت في آذار 2018 من خلال تعرفها على الموظف السابق في هذه الشركة وهو كريستوفر ويلي، من فضح دورها في قضية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، أي إن الشركة لعبت دوراً في إقناع الرأي العام بأهمية الخروج من الاتحاد، والسؤال هنا: أيضاً عن أي حرية سياسية يجري الحديث عنها، في ظل هذا التغول لشركات التكنولوجيا الكبرى العملاقة في صناعة الرأي العام والتلاعب به.

موظف شركة «كامبريدج أناليتيكا» كريستوفر ويلي الذي كشف الطرق المشبوهة لعمل هذه الشركات صرح في تشرين الأول 2019 لمحطة «سي إن بي سي» أن الولايات المتحدة تسير في اتجاه الصين ذاته، التـي تتهمها بالاستبدادية، والفرق فقط حسب ويلي أننا نسمح للشركات الخاصة بتحويل الرأي العام إلى اليسار أو اليمين، أو الوسط، وعبر عن قلقه بشأن تأثير شركات التواصل الاجتماعي بسبب الحجم الهائل من البيانات التي تجمعها!

ليتخيل القارئ الكريم أن شركة «كامبريدج أناليتيكا» التي اتهمت بالحصول على بيانات مستخدمي فيسبوك بشكل غير قانوني من خلال تطبيق تابع لجهة خارجية، بلغ عدد البيانات التي تستخدمها لـ87 مليون شخص، ولم يقتصر الأمر على الأشخاص بل على أصدقائهم في فيسبوك.

الموظف السابق في الشركة البريطانية طالب بلوائح وتشريعات مماثلة لتلك التي تفرض على مؤسسات المياه والكهرباء وغيرها الكثير نظراً لأهميتها بالنسبة لحياة الناس.

ما أريد الوصول إليه هو القول :

* إن الحرية ليست مطلقة كما فهمها البعض لدينا، بل يجب ضبطها بأنظمة وقوانين كما الحال في كل دول العالم.

* الحرية تعني المسؤولية ولا تعني الفوضى أو الخداع أو الكذب أو التجسس أو تدمير المجتمعات.

* الحرية السياسية لا تعني التعدي على المسلمات الوطنية، وهذا موضوع قانوني وليس سياسياً، كما نفهمه، وكما أوضحه الرئيس الأسد في حديثه لقناة «آر تي» في حزيران 2022.

* من حق أي شخص أن يعارض الرئيس أو الحكومة، أو الحزب الحاكم، لكن ليس من حقه أن يمس المسلمات الوطنية أو أن يشتم أو يسخر أو يصطاد في الماء العكر، لأن في ذلك جرائم يعاقب عليها القانون وليس الرئيس. والمعارضة لا يكفي أن تقدم لنا توصيفاً ونقداً، بل برامجاً وحلولاً، وتشمر عن زنودها معنا لنعيد بناء وطننا بشكل أجمل وأحلى، وعدم الاتفاق مع الرئيس أو الحزب الحاكم أو الحكومة في السياسات والبرامج لا يعني أبداً أن يكون المواطن قليل الأدب والوجدان والانتماء والوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى