أصداءأقلام الكتاب

هـل تـصـبـح “إسـرائـيـل” عـضـواً رسـمـيـاً في الجامعة العـربـيـة ؟!!..

           *  الكاتـب/ نـواف الـزرو

باحث خبير في الصراع العربي الإسرائيلي

 

هـل تـصـبـح “إسـرائـيـل” عـضـواً رسـمـيـاً في الجامعة العـربـيـة ؟!!..

(وثيقة “الطوق الأمني الاستراتيجي” الأمريكية – الصهيونية تحدثت عن تحويل الجامعة العربية إلى هيئة شرق أوسطية تضم إسرائيل كعضو رئيسي فيها). 

المؤشرات المتراكمة على المستوى الرسمي العربي تذهب بنا إلى ذلك التساؤل الاستنكاري أعلاه، فـ”إسرائيل” أصبحت الغائب الحاضر عمليًا في أعمال وقرارات الجامعة العربية، وبالتالي فإن العنوان أعلاه ليس مبالغًا فيه على الإطلاق، ولا يأتي من باب التطرف والمزايدة، بل إن واقع الحال والمواقف والقرارات التي اتخذتها الجامعة على مدى العقدين الماضيين تجاه قضايا عربية كلها تشير إلى انقلاب دور الجامعة؛ من دور عربي إلى دور لا يخدم سوى المخططات الأمريكية – الصهيونية، لتتوج الجامعة هذا الدور بأسوأ موقف في تاريخها، فقد تجاوز موقف الجامعة العربية الأخير – الأربعاء 09 /9/2020 – تجاه مشروع القرار الفلسطيني الذي تضمن بندا واحدًا فقط : “إدانة التطبيع مع العدو الإسرائيلي” تجاوز كل التوقعات السوداوية تجاه الجامعة، لتسجل بذلك حالة “فك ارتباط” علني ولأول مرة في تاريخها بينها وبين القضية الفلسطينية والشعب العربي الفلسطيني كجزء لا يتجزأ من الأمة، بل هناك من تنبأ بان تتحول الجامعة “من العربية إلى العبرية”!! .. فهل هناك أكثر سوداوية وظلامية من ذلك ؟! حتى في أسوأ الأحوال العربية لم يتوقع أحدًا بأن تدافع الجامعة علانية عن الإنفتاح والتطبيع مع العدو على حساب القضية الفلسطينية التي كانت على مدى نحو أكثر من سبعين عامًا؛ القضية المركزية للجامعة!.

وليس ذلك فحسب، فوفق معطيات تطورات المشهد السياسي العربي، وفي جوهره هذا التهافت التطبيعي العربي المنفلت بلا سقف أو حدود وطنية أو عروبية أو أخلاقية مع الكيان الصهيوني الإرهابي، فقد باتت الأنظار العربية تذهب بعيدًا في ظل زحمة من الأسئلة الكبيرة المتعلقة بالقضية الفلسطينية ومستقبل الصراع العربي الصهيوني، بل إن بعض التساؤلات أخذت تتحدث عن إمكانية أن تصبح “إسرائيل” عضواً في الجامعة العربية، في ظل تخلي معظم العرب الرسميين عن القضية وعن الشعب الفلسطيني، وهذه التساؤلات لن تكون غريبة أو مستهجنة لو عدنا إلى الوراء واسترجعنا أهم الوثائق المتعلقة بالغزو الأمريكي للعراق. فعلى أرضية الاستراتيجيتين الأمريكية الصهيونية والأهداف المشتركة بينهما، تابعنا خلال الأعوام الماضية شمولية التنسيق الاستراتيجي بين الإدارات الأمريكية الصقرية المتصهينة وبين المؤسسة الحاكمة في الكيان الصهيوني، ما أسفر عن خطة مشتركة بينهما مضمونها إعادة ترسيم المنطقة العربية والشرق أوسطية. وفي هذا الصدد تحديداً كانت مصادر سياسية رفيعة المستوى بالقاهرة كشفت عن تفاصيل المخطط الأمريكي الإسرائيلي لإقامة دولة “إسرائيل الكبرى” في المنطقة خلال الفترة القادمة، وأكدت المصادر أن هذه الخطة “تم الاتفاق على جوهرها العام بين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أيهود باراك والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون عندما تم الإعداد لمباحثات كامب ديفيد الثانية، وأن تنفيذ الخطة كان سيجري في أعقاب التوقيع على مضمون الاتفاق الذي رفضه الرئيس عرفات، بما يفضي إلى السعي من أجل إدخال “إسرائيل” في منظومة الأمن العربية، وكذلك توقيع اتفاقات كبرى للتعاون الاقتصادي بين “إسرائيل” والدول العربية، وإقامة علاقات متكاملة معها (نقلاً عن صحيفة العرب اليوم الأردنية / عَـمّان 5/5/2002).

وذكرت المصادر أن “الرئيس الأمريكي جورج بوش تبنى هذا المخطط؛ إلا أنه اقتنع لاحقاً بوجهه نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون الذي رأى أن تنفيذه لن يتم إلا عبر القوة العسكرية، بحيث لا تنتهي المسألة عند حدود إقامة “إسرائيل الكبرى”، وإنما لا بد من إعادة رسم المنطقة كلها على أسس جديدة، وأن ذلك ضروري لمكافحة ما يسميه “الإرهاب” في المنطقة، وقد أيد الرئيس بوش مذكرة شارون التي تقدم بها في أول لقاء جمع بينهما، حيث طلب الرئيس الأمريكي من مستشاريه دراسة هذه المذكرة المهمة”. وقد أخذت مذكرة شارون اهتماماً كبيراً من الإدارة الأمريكية بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر، حيث بدا الرئيس بوش مقتنعاً بأن “إسرائيل” هي الحليف الاستراتيجي الأكثر ملائمة في هذه المنطقة لمقاومة ما يسميه بالجماعات الإرهابية.

ووفق تلك الخطة / الوثيقة الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة المشار إليها، والتي اشتملت المرحلة الأولى منها على تحقيق هدفين كبيرين : تدمير وغزو العراق من قبل الولايات المتحدة مباشرة، وتدمير ما يزعم أنها “البِنى التحتية للإرهاب الفلسطيني – حملة السور الواقي -” على يد شارون والجيش الإسرائيلي مباشرة، فإن المرحلة الثانية لتلك الخطة / الوثيقة التي أطلق عليها إسم “الطوق الأمني الاستراتيجي”، أكثر شمولية ووضوحاً إستراتيجياً، وأشد خطورة على العراق وفلسطين وأمتنا كلها من محيطها إلى خليجها.

فالمرحلة الثانية “الطوق …” هو طوق لن يقتصر على أمريكا والكيان الإسرائيلي، ولكن بمشاركة الدول العربية التي يعتمد عليها كحليف تقليدي، وقد أوضح شارون للرئيس بوش “أنه سيواجه صعوبة في اقناع الدول العربية بعد القيام بهذين العملين المشار إليهما (ضرب أمريكا للعراق – ضرب إسرائيل “للمنظمات الإرهابية”، حسب وصفه) بالدخول في هذا الطوق الأمني، وأنه يقترح أن تكون هناك فترة جديدة يطلق عليها “ترميم العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والدول العربية”، وفي هذه الفترة “تبدأ الإدارة الأمريكية بطرح مجموعات كبيرة من اتفاقيات التعاون الاقتصادي والعسكري، بهدف حث هذه الدول على القبول بالفكرة.

وبعد نجاح هذه المرحلة سيتم التسويق الأمريكي للدور الإسرائيلي في المنطقة، بأن تدعو واشنطن صراحة إلى أهمية التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري والاستراتيجي بين العرب و”إسرائيل”، وفي هذا الشأن هناك مقترح طرحه شارون يقضي بتطوير فكرة مؤتمرات الشرق الأوسط أو التعاون الاقتصادي الإقليمي، بحيث يتم انعقاد هذا المؤتمر مرتين في العام؛ الأول يكون حرًا، يشارك فيه ممثلون عن الحكومات بصفاتهم الشخصية والعملية، ومن خلال هذه المؤتمرات ستتمكن إسرائيل من النفاذ الحقيقي داخل الأسواق العربية، وستسيطر تكنولوجياً على حركة هذه الأسواق وتفاعلاتها، وبالتالي سيزيد من وزنها وتأثيرها، ووفقاً لخطوط الرسم البيانية التي قدمها شارون، فإن معدل النفوذ الإسرائيلي في المنطقة يجب أن يتزايد بنسبة تصل من 30 – 40% في عام 2006، ثم يزيد إلى أكثر من 70% عام 2010 و 80% في عام 2015 “، ومن أبرز البنود التي جرى الإتفاق عليها في إطار الخطة الجديدة هي :

1- تحويل الجامعة العربية إلى هيئة تعبر عن اتحاد دول منطقة الشرق الأوسط، وتضم إلى جانب الدول العربية كلًا من إسرائيل وتركيا على أن تشارك الولايات المتحدة في هذه الهيئة بصفة مراقب “الهيئة الإقليمية للشرق الأوسط “، وما ينطبق على جامعة الدول العربية ينطبق على كافة مؤسسات التعاون العربي، وفي مقدمتها هيئات التعاون الاقتصادي العربي والهيئات الثقافية. وتعتقد أمريكا و”إسرائيل” “أن تنفيذ هذه المهمة سيستغرق من 10 – 15 سنة، (وذلك منذ العام 2003)، وفي هذه الفترة يجب تهيئة المنطقة للقبول بحلقات التعاون الجديدة.

2- أن تحقيق هذا الهدف مرتبط بتحقيق عدد كبير من الخطوات الأخرى أهمها إسقاط النظم العربية المعادية في المنطقة، وفي الأمد القصير، فإن هذه الخطوة (مرتبطة بإسقاط النظام العراقي وقد تم ذلك، لأن القضاء على مصادر قوة وتهديد) هذا النظام ستتيح تخفيض قوة النفوذ السياسي للدول العربية، أما في الأمد البعيد، فإن النظم المعادية ستشمل أيضاً سوريا ولبنان و ليبيا وإيران؛ لأن المرحلة القادمة سيكون شعارها إنشاء نظم معتدلة في كل دول المنطقة بدون استثناء”.

أما بالنسبة للدولة العبرية والصراع مع الفلسطينيين والتداعيات المحتملة على هذا الصراع برمته، فقد ألقت تلك الخطة / الوثيقة بالغة الخطورة والوضوح الضوء الساطع على الأطماع والأهداف والحصاد الإسرائيلي المرجو والمبيت على صعيد القضية الفلسطينية، فقد جاء فيها مثلاً: “حتى تكون “إسرائيل” دولة قوية وذات تأثير قوي في المنطقة، فإن حدودها الجغرافية يجب أن تتسع وأن يزيد عدد المهاجرين اليهود لديها، وأن أفضل خيار مرحلي لذلك هو ضم أراضي مناطق الحكم الذاتي إلى دولة “إسرائيل” وضم أجزاء كبيرة منها، بحيث يحشر الفلسطينيون في مدينة أو اثنتين وأن تكون لهم دولة في داخل حدود جغرافية ضيقة وقاصرة، ليس بمقدورها تهديد الأمن الإسرائيلي”.

ورأى شارون أن إحدى الأدوات المقترحة لتنفيذ هذه الخطة هو طرد الفلسطينيين من المدن الكبرى في الضفة الغربية، وذلك بإتباع العديد من سياسات القتل والإبادة والمداهمات والحصار والتفريغ والترحيل الاجباري وامتداد سياسة الاعتقال لتضم آلاف السكان، وأن هذه الخطط لها ما يبررها؛ لأن “إسرائيل” تريد إنشاء حقول تكنولوجية متخصصة في داخل هذه المناطق، وأن هذه الحقول التكنولوجية ستعمل على بلورة شرق أوسط جديد، وكذلك العمل على تحقيق تقدم اقتصادي، كما أن طبيعة هذه المناطق الجديدة ستكون مناطق حرة، تعتمد بالأساس على التكنولوجيا الأمريكية”.

ووفقًا للخطة الإسرائيلية المعروضة التي كشف عنها أيضاً الوزير الإسرائيلي السابق “إفرايم سنيه” وكذلك المستشار السياسي لشارون “زني إيلون”، فإن “الحكومة الإسرائيلية قد قررت ضم 50% من الأراضي الفلسطينية الحالية إلى “إسرائيل”، وأن هذه الأراضي ستتم اضافتها تدريجياً إلى “إسرائيل-المنطقة-ج-“، وقد أكدت الأحداث ذلك بحملات المصادرات والاستيطان التهويدي التي تجري حالياً في الضفة الغربية لصالح دولة الاحتلال.

على أرضية تلك الخطط والأهداف الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة، وحيث إن العدوان الأمريكي – البريطاني قد تم، وغزو واحتلال وتدمير وتقسيم العراق بات اليوم أمراً واقعاً، فقد بدأت تخرج إلى العلن أيضاً بصورة سافرة تلك الأطماع والأهداف الصهيونية / الإسرائيلية، وبدأت أبعاد الحصاد والمكاسب الاستراتيجية والتكتيكية الإسرائيلية تتبين وتتراكم وتمتد على مساحة الشرق الأوسط كله، وتبدأ من بغداد عملياً لتمر عبر فلسطين لتصل الى ليبيا وإيران…!.

وتعزيزاً لما جاء موثقاً حول الحصاد الاستراتيجي الإسرائيلي واستراتيجية “الطوق الأمني الإسرائيلي” و”انهيار الجبهة الشرقية”، فقد ازدحمت الأجندة السياسية الإسرائيلية بكم كبير من التصريحات والتقديرات السياسية والعسكرية والاستراتيجية حول “انهيار الجبهة الشرقية” و”تفكك العالم العربي في مواجه إسرائيل”. وكان الجنرال احتياط “اروي ساغي” رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً في مقدمة جنرالات “إسرائيل” الذين تحدثوا عن التفكك العربي، حيث قال: “لم يعد هناك قومية عربية شاملة في مواجهة إسرائيل”، كما أعرب شمعون بيريز ثعلب السياسة الإسرائيلية عن اعتقاده بـ “أن رياح سلام جديدة تهب في الشرق الأوسط”، وذلك استناداً إلى “أن الغزو الأمريكي للعراق وإسقاط صدام حسين نسف خرافات كثيرة مثل وحدة الموقف العربي”، مضيفاً “لقد ثبت أنهم “العرب” منقسمون”. وربما تكون تصريحات موشيه يعلون رئيس الأركان ووزير الحرب سابقاً هي الأهم والأوضح والأخطر في هذا الصدد، حيث أعلن في مقابلة مع صحيفة يديعوت أحرونوت مؤكداً: “نحن لم نعد نتحدث عن عالم عربي، ولا عن وحدة عربية، وإنما يدور الحديث عن مصالح فئوية خاصة”، ثم ليأتي المحلل الاستراتيجي الإسرائيلي المعروف زئيف شيف ليؤكد بدوره على انهيار الجبهة الشرقية والائتلاف الحربي العربي قائلاً: “لا يوجد اليوم تحالف حربي ضد إسرائيل، ولا يوجد اليوم أي فرصة لإقامة جبهة شرقية ضدها.. كما يمكن الاستنتاج، بأن الوجود الجمعي العربي قد ضعف، وبالتالي لا غرو في أن التقدير الاستخباري الإسرائيلي المتجدد توصل إلى الاستنتاج بأن مجال المناورة لإسرائيل قد اتسع”.

واستناداً إلى كل هذه المعطيات الموثقة.. وإلى هذه الوثيقة الأمريكية الصهيونية التي يعززها هذا الانهيار العربي في الأمن القومي وفي المناعة القومية، فهل يا ترى تسير الأوضاع العربية باتجاه أن تتحول الجامعة العربية إلى “الهيئة الإقليمية للشرق الأوسط”؟! وهل تدخل “إسرائيل” عضوية الجامعة مثلاً ولكن ليس كعضو عادي كأي دولة عربية، بل عضو مهيمن ومسيطر تماماً على سياسات الجامعة من الآن فصاعداً؟! وكيف وما هي آليات التصدي من القوى العربية العروبية الحية في مواجهة هذه التطورات المرعبة التي تستهدف ليس فقط تصفية القضية الفلسطينية، وإنما تفكيك الأمة العربية إلى المزيد من الكيانات والدويلات الهشة التي لن يكون من شأنها سوى تعزيز هيمنة الكيان على المنطقة برمتها ؟!

 

 

 

للأمانة الأدبية :

* تم نشر المقال بموافقة الكاتب..

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن “أصـداء” ، بل تعبر عن آراء الكاتب..

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق