أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

هـل جربتـم الكتابة لأبنائكـم ؟!..

 

هـل جربتـم الكتابة لأبنائكـم ؟!..

 

غالبا ما نتهم الحياة بأنها هي من حرمتنا من البوح لبعضنا .. ولم تمنحنا فرصة التعبير عن أمتنانا لأبنائنا.

نتهمها زورا وبهتانا بأنها منعتنا من أن نقول لهم عبارة جميلة في ليلة هادئة .. أو كلمة رشيقة في يوم بارد .. ساكن.

نتصادف معهم في أرجاء البيت وجنباته .. ونتصادم بهم على مداخله ومخارجه دون أن نقول لبعضنا “مرحبا أيها الحبيب” ، “وأهلا أيها الجميل”.

نمارس مشاعرنا بصمت .. ونزرع عواطفنا بفتور .. ونسقيها بوجل .. ونقطفها بحياء ..

إنها مشاعر مكبوتة في صناديق رقيقة من الدم والأحشاء ؛ تتأرجح في جوانحنا و تترجرج  في صدورنا .. وترقص في أعماقنا حتى الموت.

البارحة شعرت برغبة شرسة عنيفة عارمة جارفة لكتابة رسالة إلى ابني البكر.

رسالة حب .. رسالة عشق .. رسالة امتنان .. رسالة اشتهاء  رسالة اعتذار .. رسالة شكر .. رسالة غناء و عناق.

إنها رسالة تجمع في داخلها كل مشاعري المزدحمة في صدري.

وتطلق سراح كل أحاسيسي الفائرة المكتظة في وجداني.

إنها رسالة عرفان و امتنان وشكر لابني البكر الذي أشعل الأبوّة في صدري .. وأيقظ الحياة في داخلي.

لديّ قلمٌ جميل..

وأوراق كُثر..

وعاطفة أبوية ناضجة صاخبة متفجرة..

لذلك سأكتب له بعضاً من السطور لم يطعمها من قبل.

وسأهديه باقة من الكلمات لم يذقها سابقا.

*****

إبني العزيز يزيد :

أُعذرني كثيرا على تقصيري العظيم .. فلم يسعني العمر الماضي الذي ذهب هباء ، وانسلّ من بين يديّ ومن خلفي دون أن أدركه .. فقد كنت ألهث في هذا الوطن الغالي لأجلك ولأجل إخوتك.

فاعذرني لأنني لم يسعني أن أقول لك هذا الكلام في وقته المناسب ، وزمنه الصحيح ، ولحظته المواتية..  نحن للأسف لم نتربَّ على التعبير عن مشاعرنا !!.

ولم نتعلم البوح بما في صدورنا !!.

ولم نحصل على تصريح الكشف بما في قلوبنا !!.

إننا مجتمعات تعيش على الكتمان .. وتستعذب الكبت والحرمان !!.

مجتمعات خجولة جداً درجة الخوف!!.

صموتة كتومة درجة الموت!!.

ولكن .. لا أقول بأنه قد فات الأوان .. وإنما دائما هناك فرصة أخيرة تهديها لنا الحياة للتصحيح..  والرجوع .. والتوبة .. والغفران.

دائما هناك فرصة أخيرة للتَّطَهُّر .. والتوبة والاغتسال والصلاة.

دائما هناك فرصة أخيرة للبوح .. والاعتراف بالحب ، وكتابة المشاعر وإثبات العرفان.

إبني العزيز :

يجب ألّا نغادر الحياة وفي قلوبنا كلمة جميلة لم نقلها لمن يستحقها.

يحب ألّا نودّع أحبتنا دون أن نهديهم ما زرعوه في قلوبنا.

جريمة كبيرة أن تغادر الحياة وفي أعماقك بوح رقيق لذيذ لم يسمعه صاحبه.

إبني العزيز :

حين رأيتك في ساعاتك الأولى من دخولك لهذا العالم كنت أنا في مثل عمرك تماما .. كنت أخطو خطواتي الأولى في الخامسة والعشرين ..

كنت شاباً مليئاً بالحياة ..  معبأً بالقوة .. مكتنزاً بالأمل ، ومرتدياً الطموح .. متوشِّحاً الجمال .. ومرتدياً الرجولة.

فجئت أنت .. لتملأ عالمي بهجة ورغبة .. ونشوة وصخبا وفرحا ومغامرة.

إبني العزيز :

أتذكر كل لحظاتك الأولى في سريرك الصغير وأنت ترفرف بذراعيك كفرخٍ ضئيل أنيقٍ يعانق الهواء .. ويضاحك النسمات.

كبرت أمام عيني دقيقة دقيقة.

نبتت أوراقك ورقة ورقة ، وتفرعت أغصانك غصنا غصنا ، وظهر ريشك ريشة ريشة يوما بعد يوم.

ولا أذكر بأنني فَوَّتُّ يوما من طفولتك الأولى دون عناق .. أو ضمة .. او قبلات حرّى.

كنت بجانبك ، كنت بجوارك أشحن الحياة في داخلك.

وكنت في داخلي تغرس الأبوة والحنان في فؤادي.

كنت بالنسبة لي ليس مجرد الابن الأول الذي يحمل اسمي ويؤكد أحقيتي في البقاء والنماء والاستمرار.

وإنما كنت روحا نادرة باهرة دخلت روحي .. فرفرفت بداخلي وهي حبلى بالحياة .. فملأت عمري أغاريد وزخارف .. وأغانٍ .. وضحكات.

إبني العزيز :

أعترف لك .. بأنك كنت إبناً عجيباً .. إبناً رائعاً.

كنت ساكناً هادئاً كنهرٍ جميلٍ متصالح مع السماء..  متناغم مع الأرض .. متآلف مع الكائنات.

لا تعصف به الريح .. ولا تحرك مياهه الأمطار والهزات.

إبني العزيز :

من عجائبك أنك لم تشعرني أبدا بهمّ الأبناء .. ولا بثقل مسؤولية الآباء.

لقد حملت عني عبء الطريق .. وقلق المصير .. ومؤونة الرفيق.

فربيت نفسك بنفسك .. وصنعت نفسك من تلقاء نفسك.

لم تحتاج إلى جهود مضنية لتكبر.

ولم تكلفني أموالاً طائلة لتعلو وتنضج.

ولدت رجلا قبل أوانك .. وأضحيت شيخا قبل قرارك.

فكان حريٌّ بي أن افتخر برجاحة عقلك.

وكان لزاما عليّ أن أفتخر بدماثة خُلقك.

لم تكلفني تربيتك سوى عاطفة جياشة .. وحبٌّ دفّاق.

ولم أدفع لأجلك سوى أملاً صادقاً .. وغاية نبيلة.

إبني العزيز :

أنت شهادتي التي كنت ألهث خلفها عبر السنين.

وأنت مرتبتي التي سعيت وراءها طوال الطريق.

ربما تكون أنت الشيء الوحيد الجميل في حياتي.

أو بمعنى أصح أنت بذرة الجمال الأولى في بستان الحياة خاصتي. رغم وجود انواع أخرى من جماليات الدنيا.

ولكن بحق أنت أجملها.

بل لعلك أنت الدفقة الوحيدة التي منحت الروح نشوتها .. ونشاطها .. وحياتها.

بل أؤكد بأنك الشريان الوحيد السالك بين الأوردة المتعطلة .. والشرايين المغلقة.

إبني العزيز :

سامحني مسامحة الصالحين ؛ لأنني لم أقل لك هذا الكلام في وقته المناسب .. ولم أسكبه عليك في زمنه المفترض.

فكما قلت لك .. تربيتنا كانت تربية غريبة .. وتعاملنا مع بعضنا له قوانينه العجيبة!.

وكما قال الشاعر الجاهلي :

وينشأ ناشئ الفتيان منّا .. على ما كان عودهُ أبوه.

وهكذا كنت معك .. قلبي ممتلئ بالحب والعبير .. ولساني عاجز عن البوح والتعبير !..

كنت أتمنى لو قضيت معك كل لحظة من حياتي ، واستمتعت بقربك بكل دقيقة من عمري.

كنت أتمنى لو قضينا ساعات عديدة أعلمك التجويد .. ونتدارس الترتيل.

كنت اتمنى لو قضينا وقتا أطول في قراءة السُّنَّة وفهم الشريعة.

كنت أتمنى لو شاركتني كل ورقة قرأتها من أوراق فكتور هيجو وغوته وعمونيل كانت ودستوفسكي.

كنت أتمنى لو مشيت معي في جمهورية أفلاطون .. ومدينة الفارابي .. ومنهج الغزالي .. وطرقات المشائين .. وسفسطة السفسطائيّين.

كنت أتمنى لو دخلت معي عالم دستوفسكي .. وتولستوي .. وابن الفارض وابن طفيل.

كنت أتمنى لو جلست معي نحلل كل قصة كتبها تشيخوف .. وكل عبارة قالها لمبارت .. وهيجل .. وطه حسين والطيب صالح.

كنت اتمنى لو ناقشتني في كل قصيدة خطها المتنبي .. ورسمها محمود درويش .. ونقشها نزار قباني .. وخاطها محمد الماغوط.

كنت أتمنى لو عارضتني فيما كتبه ماركس .. وما قاله جون لوك.. وما صرح به فرويد.

كنت أتمنى لو جادلتني فيما قاله عبدالرحمن منيف .. وغسان كنفاني .. ونصر الله إبراهيم .. ومحمود شكري  وعبده خال .

كنت اتمنى لو سهرنا بعض الليالي لنقرأ ثلاثية أحلام مستغانمي .. وأسطورة إيزابيلا الليندي .. ونتجول في ثلاثية نجيب محفوظ وخفافيشه الغريبة.

ولكن للأسف .. فالحياة لا توافق على التصاق العلاقات وثباتها ،

ولا تستسيغ التحام الأرواح ببعضها.

إنها تعترض على تماسك القلوب .. وربط المشاعر.

فمن شيم الحياة أن تُفَكِّك .. وتُعَطِّل .. وتُفَرِّق .. وتُمَزِّق 

ولكن من شيم الإنسان أن يُحب .. ويعشق .. ويغرم .. ويبوح .. ويرسم عواطفه بألوان زاهية في الصدور.

وينحتها في الأرواح درجة الخلود.

فحبي لك خالدٌ .. وعشقي لك باقٍ ما بقت الأرواح.

إبني العزيز

أعذرني لأنني لم أكن ثرياً ، ولم أملك مالاً وفيراً ، ولا منصباً رفيعاً لكي أحقق لك مستقبلاً مشرقاً  ، وغَداً  واعداً.

أعذرني بكل مشاعرك الأنيقة الرقيقة لأنني لم أتمكن من مساعدتك في الحصول على الوظيفة التي كنت تتمناها ، والتي تتناسب مع تخصصك وقدراتك وطموحك.

أقسم لك بكل الأيْمان الغلاظ ؛ لقد حاولت مرارا وتكرارا ، وتكرارا ومرارا لانتشالك من وظيفتك التعسة الحالية ، ولكني عجزت تماما.

فلم أتقرب في هذا الوطن الجميل من “هامور” ليساعدك  ويخدمك ، ولم أتعرف  على ” قرش” لينتشلك ويرفعك.

وليس لي علاقة مطلقا بأولئك المتربعين القمة ، المتحكمين  في اللقمة.

ولا أملك القدرات النفسية والمواهب الجسدية للتّذلّل والانبطاح والإنحناء والتوسل وتقبيل الأيادي.

إبني العزيز

شُقَّ طريقَك بنفسك في هذه الأرض الجافة القاسية ؛ فهذا هو نصيبك.

واعبر هذا النهر الملئ بالتماسيح بمفردك ؛ فهذا هو قدرك.

وسأدعو الله مبتهلا متمنيا راجيا لك أن تصل إلى مرادك وتحقق غايتك.

حفظك الله أيها الابن البار ..

وسدد خطاك ..

ومتعك الرحمن بكل ما تُحب وتعشق .. وتتمنى وترجو…

 

……………….

والدك المُحِب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى