أصداءأقلام الكتاب

هكذا إتضحت ملامح السودان الجديد

 

ضـرغـام أبـو زيــد

صـحـفـي وكاتـب – الخـرطـوم

dirgham@yahoo.com

 

إذا كنا قد طالبنا مرارا وتكرارا عبر مقالات وتغريدات وتعليقات طالبنا الأحزاب السودانية بعددها ذاك المهول طالبناهم بالإندماج وصولا لثلاثة أحزاب على أكثر تقدير ، إلا إن ماقلناه وقتئذٍ لم يجد آذانا صاغية ، ذلك أنهم وجميعا يتطلعون للسلطة وللجلوس على الكرسي الملعون ، ورغم أن السعي للوصول لتلك الغاية هو حق مشروع ولاغبار عليه ، ولكننا نتحدث هنا عن فوضوية وجود أحزاب بذلك العدد ، ففيه تشتيت للقوى وتفريق حتمي بين أبناء الوطن في شعاب المصالح الذاتية لا الوطنية بالضرورة ، إلى أن جاءت الإحتجاجات الأخيرة لتكشف عوارات تلك الأحزاب ، ليتضح لنا جميعا أنها لاتملك من أمرها رشدا ، وأنها لاتملك أي رصيد جماهيري يذكر ، وأنها صفر ضخم على الشمال لا أكثر ولا أقل .

الإحتجاجات قادها (الشباب السوداني) هكذا يمكننا تلخيص الواقع ، وحتى من يسمون أنفسهم بـ (تجمع المهنيين) لا نحسب أنه قد قاد الحراك الأخير ، الأسباب الموضوعية والواقعية والمنطقية هي التي حركت الأحداث ، الشباب وجدوا أنفسهم في قارعات الطرق ، كل الأبواب كانت أمامهم موصدة ، كل الآمال التي يحلمون بتحقيقها رجاء وعشما في مستقبل مشرق لم تكن إلا حشفا ، كل تلك الإرهاصات كانت تلمع أمامهم هناك في متاهات الشوق النبيل وفي بحور السراب البعيدة وإذ هي تنادي بأن حي على الضياع ، كل الذين لفظتهم الجامعات ولا نقول تخرجوا فيها هم عطالى وبعضهم قد ضل صراحة سواء السبيل ، فعاقر المنكرات والمخدرات أو هي التي عاقرته لايهم ، وزاد الطين بله واقع إقتصادي معروف ولسنا بصدد وصفه وإعادة رسم سحناته التي لا تسر الناظرين .

لن ننسى أبدا مجموعات الشباب السوداني الذين وقعوا ضحايا للعصابات الليببية فساموهم سوء العذاب ضربا وسحلا وتعذيبا ، شاهدناهم في مقاطع فيديو تم تداولها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، عندها أيقنا بأن هؤلاء الشباب وهم فلذات الأكباد حقا ، آلوا على أنفسهم إجتياز الحدود السودانية الليبية هربا من المصير الأسود الذي ينتظرهم في حضن الوطن الذي ماعاد دافئا ، بل غدى ساما وحارقا وقاتلا ، رأوا في العذاب والهوان في الصحارى الليبيه أو على متن قوارب الموت في عرض المحيطات تتناوشهم أسماك القرش ويواجهون غضب الأمواج العاتيات أملا في الوصول لشواطئ إيطاليا ومنها لفراديس أوروبا الرحيبة ، أولئك الأعزاء هو الأعز في دنيانا نحن الأباء الأجلاء إفتراضا ، تركوه لأن الوطن لايستحق أن يُعاش فيه ، هكذا غدى ، ثم إنه قد بخسهم حقهم في الوجود على ترابه ، فتركوه ميممين وجوههم صوب وصدر الموت الحنون ، فهم وإن ماتوا غرقا أو سحلا أو غدرا فهذه هي الشهادة الحقه المفضية لجنات الله الرحيبة .

هذا المشهد بكل ضبابيته ، بكل دخانه ، بكل لهيبه وناره ، بكل عذاباته وآلامه ، بكل جراحاته النازفة من شرايين الحقيقة الساحقة والماحقة ، هي التي قادت الأحداث في شوارع المدن السودانية وليس تجمع المهنيين ذلك الكيان الواتسابي والفيسبوكي المفتقر للأسماء والشخوص التي من المفترض أنها تقود الأحداث جهرة لا خلف الأبواب الموصودة في عواصم أوروبا أو لنقل إنها تقود الأحداث فيما خلف دخان الضباب وهما وزعما .

المحصلة أن الأحداث قد رسمت لنا صورة واضحة لملامح السودان الجديد فيما بعد موت الأحزاب السودانية وتشييعها لمواثها الأخير الذي لاقيام بعده ، تفريقا مابين موت الإنسان الذي سيعقبه نشور آت لامحالة ، ومابين موتها الذي لانشور بعده أبدا .

 لقد قرر شباب السودان الإعلان للأمة السودانية الصابرة لاتزال ، إنتهاء العصر الطباشيري السوداني الكالح الملامح والقسمات ، والمتدثر بأسمال الحزبية وبالقبلية والطائفية والعشائرية والمناطقية ، وبداية عصر جديد عنوانه الدال عليه في الآفاق البعيدة والمقترنة هناك مع خط الأفق أو خط الإستواء هو ميلاد السودان المتحد والذي يقوده الشباب لا الكهول ، الشباب المؤمن بوطن واحد تسوده العدالة وحكم القانون ، ولا مكان فيه لمحسوبية أو عشائرية ، تلك الأفات والديدان التي أقعدت الوطن منذ إستقلاله العاثر عام 1956 .

التظاهرات لم تمجد قبيلة أو طائفة أو حزب ، كانت مطالب قومية سودانية مشروعة وذلك في إطارها المنطقي وقبل أن يحاول أصحاب الأجندة الخاصة إستغلالها لتمرير أهدافهم الشريرة التي تروم النيل من الوطن تدميرا وتمزيقا ، في إطار الخارطة الإقليمية المعدة سلفا والموجودة حاليا في خزائن الأعادي في واشنطن وتل أبيب والتي تشير إلى عدة أقطار مترنحة ومتفاوتة في المساحة ، ومتساوية في الضآلة ، ومتشبعة من قمة الرأس حتى أخمص القدمين بالمقت والكره لدويلات الجوار ، والتي كانت تمثل السودان القارة قبلا .

الآن في التو واللحظة فإن مانراه ماثلا أمامنا هو ميلاد (حزب الشباب السوداني) كحزب جديد نهض وسمق فوق رفات وجماجم أحزاب التيه السودانية التي أُبتلي بها الوطن طيلة عقود من الزمان قاسية ، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع في خطبة حجة الوداع أسس قيام دولة العدالة الإسلامية وعاصمتها المدينة المنورة فإنه قد أقامها بعد أن مزق دستور الجاهلية أمام الملأ وبضربة سيف واحدة .

أعلن بداية أن لا مكان للمحسوبية ذلك الفيروس الذي مزق أكباد شباب الوطن ، كان الفرمان الأول قاسيا على (آل عبد المطلب) وهم الأهل والعشيرة ، حدث ذلك عندما قال صلى الله عليه وسلم إن ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن (عبد المطلب) ، وأن دماء الجاهلية موضوعة وأول دم أبدا به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن (عبد المطلب) ، وكذلك قال المصطفى وأيم الله لو أن (فاطمة) بنت محمد سرقت لقطعت يدها ، إذن على تلك العمد قامت ياسادتي دولة العدالة وقبل أن نقول دولة الإسلام الأولى ، فإن لم تكن للعدالة تاج وصولجان وسلطان في حماها فلا هي مسلمة ولا سكانها مسلمون .

في سودان الإقطاعيات الطائفية والحزبية وسودان الأيدلوجيات الإسلامية زعما لا تطبيقا محمديا ، لم يتجرأ أحد منهم وهم دهاقنة المحسوبية التي أصابت شباب الوطن في مقتل  لم يتجرأ أحدهم على النأي الأبدي من الأقارب والزوجات والأبناء والأحفاد وإذ الأمر متعلق بقيادة دولة لابقيادة ضيعة ، فكانوا ولا يزالون كبراغيث تمتص رحيق دماء الشباب قبلا والكهول حاليا ، والشباب حاليا والكهول غدا ، هؤلاء هم ورثة ربا الجاهلية الموضوع بأمر رسول الله .

 إذن ما تمخض عنه هذا المخاض العسير والأليم هو حزب الشباب من خلال شعارهم المرفوع إسفيريا (تسقط بس) ، وحزب (الشهب) أو حزب (النجوم) هكذا أسميه ولهم الحق في الإحتفاظ بالإسم القديم ، وبه شباب أيضا تلك حقيقة ، وبشعاره المرفوع إسفيريا أيضا (تقعد بس) ، وما دون ذلك لا وجود لأي نوع من أنواع النمل ولا وجود حتى لدابة الأرض التي كانت ومابرحت تأكل منسأته حتى خر ، ودابة الأرض السودانية معروفة بالإسم وبالشكل وبالقسمات وقد نزلت الميدان مؤخرا تروم القيادة إختطافا من أيدي الشباب ، فكان أن انفض الشباب وتركوا الدابة وحيدة تلعق مرارة الهجران الأليم .

وبناء عليه فعلى كل حزب إختيار رئيسه الشاب ديمقراطيا من الآن وليكن على وزن الأثيوبي أبي أحمد أو لنقل أفضل منه علما وأدبا وتواضعا وعزة ، ويجب أن لا يزيد عمر الرئيس عن 40 عاما فقط ، وهو الذي سيغدو الرئيس السوداني المنتخب رقم (2) ، وليستعد الجميع لخوض انتخابات 2020 وتلك هي التي ستفضي لميلاد السودان الجديد على قيم المحبة أولا ، والعدالة ثانيا ، والديمقراطية ثالثا وأخيرا ، وبذلك فقط يمكننا أن نراهن على بزوغ نجم جديد وساطع وباهر ومبهر إذ بحكم إمكاناته وموارده هو الأغنى والأغلى في عموم إفريقيا القارة ..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق