أصداءأقلام الكتاب

هكذا كان الموقف في سماوات الخرطوم

 

الحراك الشعبي في السودان أفرز الكثير من المعطيات المهمة على الأرض، بداية كان السجال يدور محموما على وسائل التواصل الإجتماعي المفتوحة على مصراعيها كما نعلم لكل الأهواء، لكل الأنواء، كانت نوافذ السودان الوطن تستقبل الأعاصير المنطلقة من عواصم أوروبا وأميركا ومن بقية عواصم الدنيا، وكان الذباب الإلكتروني يحوم في سماوات العاصمة الخرطوم حتى غطى ضوء الشمس، وكان طنينه يصم الآذان نهارا وليلا، الهدف كان قد تم تحديده بجلاء في عواصم عالمية، وهو ضرورة إقتلاع النظام وبأي ثمن كان، وبدون تحديد وتوضيح لماهية الخطوة القادمة وهنا تكمن الكارثة.

كان المناخ العام ملائما لهطول هذا النوع من (المطر) ولا نقول هذا النوع من (الغيث)، إذ شتان مابين المطر والغيث كما تعلمون، كان المواطن العادي والمستهدف بكل هذا الصخب، وهو في نهاية المطاف الضحية الذي سيدفع الثمن غاليا عند إنفلات الجنون من عقاله، وعندما يتم الإجهاز على الوطن، فالمواطن هو الذي سيعاني الأمرين عندما يجد نفسه مشردا لاجئا طريدا في معسكرات الإيواء بدول الجوار، عندها فإنه لن يعلم أحيّ هو أم قضى نحبه؟ وهو الآن تحت التراب.. إحساس مرّ بطبيعة الحال عندما يسأل الحيّ نفسه أميّت أنا أن أم أنا في مرحلة عذاب القبر؟ هي إذن النقطة الوهّاجة التي لاشئ بعدها يستحق الذكر أو التقديس.

لقد وجد المواطن نفسه عمليا وواقعيا محاصرا وطعينا ولايستطيع توفير قوت يومه وقوت أسرته، والطامة الكبرى إذا مرض هو أو أحد أبنائه، لذلك لطالما كنت أغرد دائما مناشدا كل الرفاق في الوطن بـ (رجاء لاتمرضوا)، لأنكم وإن فعلتم فستذهبون للمستشفيات، وفي المستشفيات إن لم يكن معكم مال كاف فستموتون هكذا ببساطة، فالدولة رفعت يدها منذ سنين من توفير العلاج بالمجان في مستشفياتها الحكومية متواضعة المستوى، وصيدليات المستشفيات خاوية على عروشها من أي أدوية مجانية تذكر، وماتبقى من فتات الأدوية فعليك دفع المال لقاءه، ببساطة متناهية من لا يملك ثمن العلاج فالموت مصيره، إشارة إلى أنني لم أذكر المستشفيات الخاصة لابخير ولا بشر، وفي ذلك إشارة واضحة وغمز صريح لواقع الحال المرير.

وفي المقابل فإن القيمة الشرائية لما بأيدي الناس من جنيهات قليلة تتراجع على الدوام، وراتب المعلم كقياس فقط بإعتباره الأعلى والأسمى مرتبة إجتماعية لايكفيه ليومين، ثم إستطاع الدولار الأميركي إلتهام الجنيه السوداني في وجبة فطور واحدة، ثم كانت كارثة إنعدام الخبز، وشح المواد البترولية، وكان منظرا مألوفا أن تجد صفوفا طويلة للمركبات أمام طلمبات (محطات) الوقود، كلها وجميعها هي العوامل التي أشعلت جذوة الغضب في النفوس، وهو غضب مشروع ومقبول ولاغبار فيه أو عليه، وهكذا خرج الناس للشوارع ليعبروا عن هذا الغضب وقد فاض ثم تدفق على الطرقات هتافا ودموعا ونحيبا.

في هذه اللحظة وجد أصحاب الغرض والهوى، وزعماء الطوائف وأعداء الوطن من المنعمين وأصحاب الوجوه الوسيمة أو تلك التي وسمتها النعمة، ولم يتضوروا بالطبع جوعا مع المواطنين وهم في الأصل يتقلّبون في النعيم في فنادق عواصم أوروبا وأميركا، وجدوا السانحة مواتية للإنقضاض على الوطن ولا نقول الإنقضاض على النظام ، وإذ هم لا يفرقون مابين الوطن والنظام، بل هم يرون بأن النظام هو نفسه الوطن، وأن تدميره يمثل قمة الوطنية المفرغة من أي معنى وجوهر.

وتم إشعال الحريق، ما تم حرقه وتدميره وسحقه في بضعة أيام كان مهولا وفادحا، مصارف، شركات، ممتلكات خاصة وعامة، سيارات خاصة لمواطنين كادحين أحرقت أمام أعينهم بغيا وطغيانا وظلما مبينا، حدث ما حدث باسم الثورة، وباسم تغيير النظام، وكان المد الأهوج كالإعصار يمضي لتدمير كل مايجده أمامه لايلوي على شيء، وكله تم باسم الثورة، ثورة الجياع عندما يدمرون القليل الذي يملكونه، الكثير من البسطاء كانوا يعتقدون أن الذي تم تدميره هو ملك للحكومة، هم لايعلمون بأن الحكومة لاتملك شيئا من هذا الذي دُمر، لن يصدقون بالتأكيد إذا ما قيل لهم بأن ماتم تدميره هو ملك خالص لهم، وإنهم هم من قاموا بشرائه ذات يوم، ولاستيعاب هذه الحقيقة سيحتاج الأمر لأيام وليالي من السير الطويل في دورب الشرح الممل لعقول غشيها طوفان الجهل فاغرقها في ظلام دامس.

هم لا يعلمون بأنهم وبعد أن حرقوا ودمروا وسحقوا فسينقلب السحر على الساحر غدا عندما يجدون المزيد من ضنك العيش يحيط بهم من كل جانب، وسيدفعون المزيد من الأموال لتعويض ماتم تدميره على هيئة المزيد من الضرائب، والمزيد من ارتفاع الأسعار، والمزيد من الجبابات، والمزيد من نقاط الجمع القسري للأموال وحتى على قارعات الطرق.

ثم نعود لطنين الذباب الإلكتروني والذي ما انفك يصم الآذان في الخرطوم، ذلك بأن الكيثر من الناس يعتقدون بأن النقد الأليم للنظام يتأتى فقط عبر إختيار أقذع الألفاط وقعا على النفوس الآمنة، والخادشة للحياء العام بغير تحفظ، هم لايعلمون حكما بأن هناك فرق مابين النقد البناء ومابين الوضاعة، ثم هم لايعلون بأن أقسى وأقصى عبارات الغضب من الممكن إيصالها للطرف الآخر بغير فحش وبغير بذاءة، فأنا كنت ولا أزال دائم النقد للنظام ولسياساته المالية والإقتصادية والإجتماعية، ولكنني والجميع يعلم بأنني لم أستخدم كلمة واحدة يكمن وصفها بالبذيئة أو الفاحشة، ولم أتعرض بالتشهير أو التجريح لأي فرد من عوائل رجال الحكومة، ومن ثم لم أتعرض يوما لإستجواب أو لتحقيق من جهاز الأمن والمخابرات الوطني، وفي هذا السياق فقد إتصلت بي زميلة وصديقة صحفية بإحدى الصحف السودانية تشكو لي من قسوة جهاز الأمن على صحيفتها، قلت لها لأنكم لاتعرفون كيف تكتبون، قلت لها اللغة العربية من أغنى اللغات على وجه الأرض، وفيها البلاغات والإستعارات والكنايات، كلها أدوات رائعة وكافية لإيصال رسائل النقد بأدب جم وبوقع حسن، ولكنكم لم تغوصوا بعيدا وعميقا في بحار هذه اللغة الساحرة، للحصول على كنوزها البعيدة المستلقية هناك في الأعماق، عندها سيحتار جهاز الأمن فيكم.

وإذا كنت وعندما أكتب أستخدم لغتي البعيدة عن الوضاعة فإنني وتلك حقيقة لم أفعل ذلك إعتباطا، فعلت ذلك لأنني عملت صحفيا وكاتبا بسلطنة عُمان العزيزة، وبصحيفة الوطن تحديدا، وكانت زاويتي اليومية (شراع) تبحر ليلا نهارا وقد وصل صيتها لكل موانيء الدنيا، ثم أعطيت كل شبابي لسلطنة عُمان بغير ندم ، ومن هناك تعلمت الأدب في القول وفي النقد وفي التعبير، ليس في عُمان فحش ولابذاءة ولاوضاعة ولا تطرف، لا في القول ولا في الكتابة، ولا في الهمس ولا في الجهر، تلك من أفضال سلطنة عُمان علينا وعلى الناس.

ضرغام أبوزيد

صحفي وكاتب _ السودان

 

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق