أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

هل انتهى زمن تسييس وعسكرة الغذاء العالمي؟!..

وافـي الـجـرادي

صحفي ومحلل استراتيجي يمني

 

هل انتهى زمن تسييس وعسكرة الغذاء العالمي؟!..

 

هناك حيث على طول سواحل البحر الأسود المتاخمة لأوكرانيا وبالقرب من موانئ التصدير للحبوب، لجأ الأوكرانيون إلى زراعة الآلاف من الألغام البحرية في محاولة منهم لصد الهجوم البحري الروسي، وللحيلولة دون وصول سفن البحرية العسكرية للموانئ الحيوية؛ التي من خلالها يتم شحن قرابة 45 مليون طن سنوياً من القمح والذرة وزيت دوّار الشمس للعالم، إذ أحكم الروس سيطرتهم على الموانئ هناك، ومنعوا أيضاً شحن الحبوب وتصديرها، وقيل إن ملايين الأطنان استولوا عليها وشحنوها إلى سوريا، وأيضاً أعاقوا تصدير الحبوب ولم يسمحوا للأوكرانيين أن يصدروا؛ كل ذلك لحسابات مفادها التأثير على المجتمع الدولي، ومقايضته؛ خاصةً وأنهم رأو في العقوبات المفروضه عليهم من قبل الغرب غير شرعية، وأنها ساهمت في معاناة العالم .. من هنا بدأ تسييس وعسكرة الغذاء العالمي، وخنق العالم غذائياً وتحديداً الدول الأفريقية والعربية المعتمدة كثيراً على الاستيراد.

كل من روسيا وأوكرانيا لعبتا دوراً أساسياً وهاماً في التسبب بأزمة الغذاء العالمي، وإن حاول كل واحد منهما تبرئة نفسه وإلصاق السبب بالآخر، جعلا الخصمين الروسي والأوكراني من البحر الأسود الاستراتيجي منطقة لقطع شريان حياه الكثير من دول العالم والمعتمده على واردات الغذاء الأوكراني، حيث على السواحل القريبة من الموانئ الأوكرانية تطفو عليها الآلاف من الألغام، وباتت مصدر قلق وخوف للكثير من سفن الشحن العالمية، خاصة بعد غرق السفينة هنت الأستونية التي ضربها لغم بحري في البحر الأسود قبل شهرين.

في سبيل التوصل الى حلول لأزمة الغذاء العالمي الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، اختتمت في مدينة اسطنبول التركية قبل أيام محادثات جمعت كلاً من تركيا وروسيا وأوكرانيا، وبمشاركة الأمم المتحدة؛ حيث تحاول تركيا وعبر الأمم المتحدة التوصل إلى إيجاد ممرات آمنة لشحن الحبوب من أوكرانيا والتخفيف من تبعات الأزمة الغذائية التي تضرب العالم على حدٍ سواء، حيث وبحسب ما تم من تفاهمات بين الأطراف؛ فإن 3 ممرات آمنة سيتم من خلالها نقل الحبوب وشحنها للأسواق العالمية، وسيشرف مركز عمليات في اسطنبول على حركة السفن المحملة بالحبوب من الموانئ الأوكرانية والتي تتكدس فيها قرابة 22 مليون طن من الحبوب.

تسهم كل من روسيا وأوكرانيا بدور اساسي ومهم في إمدادات الغذاء العالمي؛ حيث يمدان العالم بقرابة 30% من احتياجاته من القمح، ولهذا فقد كان للحرب الروسية الأوكرانية دورها في أزمة الغذاء العالمي، والتي تعاني منها معظم دول العالم، أكثر هذه الدول التي تعتمد على وارداتها من القمح من أوكرانيا؛ حيت تعتبر أوكرانيا رابع أكبر مصدر في العالم، حيث تستحوذ ما نسبته 12% من الناتج العالمي من القمح، و 15% من الناتج العالمي من الذره، و 50% من زيت دوّار الشمس.

إن ازمة الغذاء العالمي لواحدة من أخطر الأزمات تأثيراً وضرراً على الشعوب بما فيها الشعوب الفقيرة والتي تدفع ومنذ بذور الأزمة كلفة باهضه، وتهدد من وجودها على الأرض، وتعمّق من مأساتها ومعاناتها، كما هو حال دول القرن الأفريقي التي معظم سكانها بحاجة الى رغيف الخبز أكثر من أي وقت مضى، وأي نجاح يكتب في سبيل إنهاء هذه الأزمة والتخفيف من تداعياتها هو في الأساس يمنع معاناه الكثير من البلدان حول العالم، ويساعد على تخفيف التوترات الداخليه للبلدان، وعامل مساعد للاقتصادات والشعوب وعلى مستوى معيشتها، حيث أن دولا كالسنغال وكينيا وأندونوسيا وبريطانيا تسودها مظاهرات شعبية منددة بارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، فأزمة كهذه إن استمرت ستقود الى احتجاجات واسعه تطال الكثير من البلدان حول العالم منها العربية والأفريقية؛ حيث المتأثرين الأكثر بالأزمة.

هذه الأزمة كفيلة بزعزعه استقرار العالم، وسقوط الكثير من الزعامات والأنظمة، وتفشّي الفوضى والاضطرابات والمووت جوعاً، ولهذا فإن العمل على إنهاء أزمة الحبوب العالمية هي إنسانية أخلاقية في الأساس، ومن خلالها يتم الحفاظ على الاستقرار والأمن للشعوب، ودعم الاقتصاد العالمي، والحيلولة دون الوصول بالعالم إلى القاع.

في الحقيقة لا يمكن الحديث عن إنهاء أزمة الغذاء جذرياً، وأن أسعار الغذاء ستعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، طالما أن السواحل المتاخمة لأوكرانيا على البحر الأسود مزروعة بالألغام، ويتطلب إزالتها عده أسابيع (قد تستمر لـ 4 أشهر) فالألغام جزء كبير من المشكلة، وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً ليس بسبب منع إمدادات الغذاء من أوكرانيا فحسب، بل إن أزمة الطاقه تسببت في ارتفاع تكاليف الشحن البحري؛ فخلال شهري فبراير ومايو فقط ارتفعت تكاليف النقل المدفوعه على الحبوب بنسبة 60%، كما أن الألغام المزروعة تجعل من شركات الشحن تفرض تكاليف مرتفعة ما يعني أننا أمام فتره قد تستمر لـ 6 أشهر للوصول إلى إمدادات آمنة للحبوب.

الحرب الروسية في الأراضي الأوكرانية أيضاً لم تتسبب في إعاقة تصدير الحبوب فقط، بل إن إنتاج الأراضي الزراعية الأوكرانية من المنتجات الزراعية انخفض إلى قرابة 43 %، وهناك يتم حصد المساحات الزراعية بالقنابل والصواريخ، وعلى أثر ذلك فرّت الكثير من القوى العاملة من المزارع، ما يعني أن الإمدادات الغذائية القادمة من أوكرانيا ستقل، وسيفاقمها تزايد مخاطر التغيرات المناخية التي تضرب العالم وتحديداً اوروبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى