أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

هل تقود زياره نانسي بيلوسي لتايوان لحرب عالميه ثالثه ؟؟..

وافـي الجـرادي

صحفي ومحلل استراتيجي يمني

 

هل تقود زياره نانسي بيلوسي لتايوان لحرب عالميه ثالثه ؟؟..

 

رغم زيارة الكثير من المسؤولين الأمريكيين لتايوان من قبل؛ إلا أن زيارة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي أثارت ضجة واسعة، وانتقادات لاذعة وتهديدات باستخدام القوة العسكرية؛ رداً على الزيارة من قبل الصين التي تعتبر تايوان واحدة من جزرها وأراضيها لكنها تتمتع بحكم ذاتي.

مفاد الزيارة هي أن امريكا تحاول إيصال رسائل عدة منها؛ الدعم والإسناد لتايوان بعد بروز مخاوف من أن الصين قد تخوض عملية عسكرية لضم الجزيرة على غرار ما يجري في أوكرانيا من ضم روسيا لمقاطعات في الشرق والجنوب الأوكراني، وتحاول أمريكا إقحام الصين في حرب استنزاف تُقوّض قدراتها وتحد من التوسع في مشاريعها الخارجية، وإنهاكها من الداخل؛ لكن التصوّر والنهج الأمريكي ربما لم يكن مبنياً على المنطق أبداً، فهو يلعب في ساحة خطرة صداها حرب غواصات وبوارج وصواريخ طويلة المدى، وقصف بالطيران ليس في بيئة حلفائها فقط بل في عقر دارها أيضاً.

يراقب كل سكان العالم وباهتمام كبير وبالغ موعد إطلاق شرارة الحرب العالمية الثالثة؛ بعد أن فشلت الحرب الروسية الأوكرانية في إيقادها فعلياً .. أي حرب صينية تايوانية قادمة لا تشمل الطرفين فحسب، ولم تكن كما يعتقد البعض في حدود جغرافيا الصين الشعبية والجزيرة التابعة لها تايوان، بل ستتعدى ذلك لتشمل مراكز تمركز القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في آسيا، وربما تطال مدناً أمريكية، وقواعدها المنتشرة حول العالم.

نحن أمام صراع لأكبر قوتين في العالم؛ لكن إحداهما وهي الصين وإن ترجمت عملياً تهديداتها بشن حملات عسكرية على تايوان رداً على زيارة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الامريكي لتايبيه (عاصمة تايوان)، هنا ينبغي التأكيد بأن أحلام الولايات المتحدة الأمريكية باتباع استراتيجية الحرب الباردة ضد الصين مجرد “حبر على ورق” وحلم من أحلام اليقظة، وأن الأمور ستتجه أبعد مما يتصوّره الأمريكان وإن كانوا الأقوى عسكرياً؛ فالصين وبما تمتلكه من صواريخ طويلة المدى وغواصات وأقمار صناعية قادرة على تغيير قواعد الحرب ولصالحها؛ ليس من الصعب القول بأنّ الأمريكيين كان من المفترض بهم أن يستوعبوا الدروس من الحرب الروسية الأوكرانية، ومدى الفشل الكبير، إلى جانب الهزائم المتتالية التي تلحق بهم، وتقلل من دورهم كمتفرد ومهيمن على الساحة الدولية، إلى جانب انكشاف فقاعة أمريكا بالتعهد بحماية حلفائها والتدخل عسكريا.

بحكم المتغيرات الدولية، وانخفاض هيمنة أمريكا والغرب على العالم، واتساع نطاق تصدع العلاقات الأمريكية مع حلفائها في الشرق الأوسط، وتراجع نمو الاقتصاد الأمريكي واستمرارية تأثره بجائحة كورونا وبأزمة الطاقة؛ كان من الأجدى للإدارة الأمريكية أن تسعى للتهدئة مع الصين، وألا تجعل من جزيرة تايوان كمن يُطلق النار على قدميه ويتسبب في إنهاء وجوده؛ أم أن الأمر لا يروق للولايات المتحدة إلا بالاستمرار في نهج الكبرياء والاستعلاء وبلافتات الديمقراطية وحقوق الأنسان؟!!.

لطالما تعهدت أمريكا لكثير من حلفائها حول العالم بحمايتهم، وانتهاج سياسة الردع العسكري لأي تهديدات تطالهم؛ لكنّها في الغالب لم تفِ بوعودها وتعهداتها، ولنا في الحرب الروسية الأوكرانية مثالاً واضحاً، فقبل أن تجتاح القوات الروسية الأراضي الأوكرانية في الـ 24 من فبراير الماضي تعهّد بايدن بردع أي عمل عسكري روسي على أوكرانيا، وأنه سيقف إلى جانب الشعب الأوكراني في مواجهة الروس، وشجّع الأوكرانيين والرئيس زيلينسكي على مواجهة روسيا، بينما كان بمقدور الرئيس الأوكراني وبخطاب مُتلّفز يتعهد فيه بعدم الانضمام إلى الناتو أن ينهي كل ما تمر به بلاده اليوم من دمار هائل، وتكاليف بشرية ضخمة، ومعاناة وتشرد لا يطاق، لكن ذلك لم يحدث فقد تركت أمريكا الأوكرانيين يواجهون الموت، ومن لم يمت فمصيره النزوح قسراً، وتحولت تعهداتها ووعودها لمجرد أكذوبة رددها من يطعن حلفاءه في الظهر (أمريكا)!!.

وبالعوده إلى تايوان الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي والمنفصله عن الصين الشعبية؛ رغم أنها جزء لا يتجزأ من الصين فقد تتحوّل هذه الجزيرة الصغيرة والمهمة اقتصادياً إلى شرارة لحرب عالمية ثالثة، وهو ما تريده أمريكا، ولم تدرك بعد أن اللعب على وتر استراتيجية الحروب الباردة أمر صعب في بيئة تتراكم على ثراها مخزونات الأسلحة الفتاكة والنووية، وفي عالم بات يتكشف له يوماً بعد آخر قساوتها وتكبرها وتعنتها عليه، وإجباره على الطاعه وإلا التخوين والحرب والتجويع.

لقد جسّدت زيارة نانسي بيلوسي ورفاقها من المستشارين والقادة العسكريين بالأمس إلى تايوان رغم التحذيرات والتهديدات الصينية مدى التخبط والتهور الأمريكي، ويؤكدون النهج على ارتكاب الأخطاء الاستراتيجية التي ستكون هذه المرة كارثية من الصعب جداً لملمة تبعاتها وخسائرها على العالم أجمع، وأسلوب كهذا ينم عن كتابة الولايات المتحدة لآخر فصول هيمنتها التاريخية، وحقبتها الاستعمارية البغيضة.

وإن أعلنت وزارة الدفاع الصينية على شن حملات عسكرية محدودة على تايوان؛ فمن الصعب أن نضع الاحتمالات بأن تكون هذه الحملات ذات طابع جغرافي محدد، وأن القواعد العسكرية الأمريكية في تايوان وعلى امتداد بحر الصين الجنوبي ستكون بعيدة عن المواجهة.

لقد وصل العداء الصيني الأمريكي إلى حدٍ كبير أضعاف أضعاف العداء الروسي الأمريكي ما يجعل من المواجهه أمراً حتمياً.

ستستفيد الصين كثيراً من مجريات الحرب الروسية الأوكرانية، خاصةً مع استمرار فشل الولايات المتحدة والغرب من إلحاق الهزيمة بروسيا، وانعكاس الحرب هناك وارتداداتها السلبية على اقتصاداتهما، وعلى مدى تماسكهما وتحالفاتهما.

لقد كشفت الحرب وهن النظام العالمي بقيادة امريكا وهشاشته وأن الولايات المتحدة؛ ليس كما تروّجه وتسوّقه للعالم بل إمكانيات قصقصة نفوذها، وخارطة انتشارها بحاجة إلى ثبات وعزيمة وإصرار ومواجهة، ومما لا شك فيه أنها تركت بصمات قاتمة على حكومات وشعوب حلفائها، وهذا عامل مهم ومساعد على إمكانيه تخلي الحلفاء وبسهولة عنها، وتغيير خارطة التحالفات وبدون كُلف.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى