أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

وإذا الطفولة انتهكت !!..

يـوسـف الـبـادي

 

وإذا الطفولة انتهكت !!..

 

مذيع من أمام المحكمة يقرأ الخبر التالي :

صدر حكم من محكمة الاستئناف في مسقط في قضية مصرفية لأكثر من جاني قضت بغرامات مالية، وصلت لأكثر من خمسين ألف ريال عماني، وفترات سجن تصل لأكثر من عشر سنوات، وقضت المحكمة بمصادرة ممتلكات لهم ومحلات تجارية، وحرمانهم من الوظائف العامة في الدولة.

وفي محكمة في ولاية صحار صدر حكم قضائي في قضية لإكراه طفل، وحمله على إرسال صور ومقاطع جنسية، وكان المتهم قد أوهم طفل أنه فتاة، وتمكن من إقناعه أن يرسل صورة عارية ومقاطع جنسية، وهدّده بعدها بنشر صوره إن لم يرسل مزيداً من الصور المتعرّي فيها.

صدر الحكم بسجن المتهم سنة واحدة، وغرامة مالية ينفذ منها ألف ريال عماني، ومصادرة هاتف المتهم.

* * * * *

بس ؟!!..

هكذا استغربت الزوجة وهي تشاهد وزوجها التقرير أعلاه، مستنكرة الحكم في قضية الطفل، واستحقاق المتهم عقوبة أكثر من هذه، ووافقها زوجها مسايرة، وقال : “لكن الأمر لا يعنينا”، واقترح مشاهدة فيلم مثير، واستبدل القناة بأخرى للمشاهدة.

استأذن طفلهما بعد أن سمع نغمة رسالة وصلته، بينما دعته الأم لإكمال السهرة معهما، لكنه اعتذر وقال : “إنه يشعر بالنعاس” .. وراح يتمثل النعاس، وأوصته أمه بدهان شعره ليزداد وسامة، وذكرته بغسل أسنانه.

دخل الطفل إلى غرفته، تاركاً أباه مستلقياً يشاهد الفيلم، وأمه تحضن يداها هاتفها شغفاً، وتبادل القصص شاشته.

* * * * *

بعد أن أغلق الطفل على نفسه الباب، ارتمى على الفراش خائفاً من فحوَى الرسالة هذه المرة، والتي تعوّد أن تأتيه من شخص مجهول على حسابه في أحد وسائل التواصل.

لم يرد الطفل عليه التحية، بل وجّه إليه السؤال بصيغة الغاضب، لكنه المرتعد خوفاً وراء الشاشة؛ فسأله : “ماذا تريد ؟! إني تعبت !!” .. وراح يجهش بالبكاء وراء الشاشة.

رد عليه المرسل بأنه يتمنى مشاهدة جماله كل مرة، وأنه شغل تفكيره، واستعاض بصوره عن كل شيء.

تذكر الطفل حكم المحكمة .. ونفّذ فكرته بإرسال تهديد له بأنه سيخبر المحكمة عنه، فرد عليه الغريب في الهاتف ببرود المطمئن : “سأعود إليك بعد فترة غير طويلة من سجني، وحينها سأنشر صورك”، وأقسم له أنه سيوزع الصور على أصدقائه في المدرسة، وأن زميله – الذي أخبره عنه في أول تواصل بينهما حين كان يشكو إليه، والذي يحاول التحرش به بين الفينة والأخرى – ستكون أول الصور معه.

استرسل جسد الطفل الصغير يرتجف خوفاً، ويداه الغارقتان في أحرف الهاتف تستغيث بلا .. تتوسل إليه ألا يفعل، ولا ..  بأنه ضعيف، ولا .. بأنه وحيد، ولا أخرى ترجوه أن يرحمه، ورضخت أصابعه تكتب للمرسل بأنه سيفعل ما يريد.

وباتت يداه تلتقط ما يطلبه المرسل من صور ، بأوضاع يأمره أن يفعلها، ومكالمة فيديو لأكثر من ساعة اختار المرسل سيناريو الحديث فيها، وشكل الأفعال، ولحظات خلع ملابسه، وأضاء الزوايا، وشكل تعابير وجهه.

كان الطفل يطلب بين صورة وأخرى أن تكون الأخيرة، لكن الصورة الأخيرة حددها المرسل بشروطه، والطفل يتوسل له بأن المحادثة حين تنتهي ألا يراسله، بعد أن أعطاه كل ما يريد، فرد عليه أنه سيفعل، ولن ينشر الصور، أو يعطيها لزميله، و أن ما يجري بينهما هو سر لن يعرفه أحد ، لكنه سيتواصل معه في الأيام القادمة لمرة واحدة ، وعليه في تلك المرة أن يرسل إليه رقم هاتف أخته التي تكبره سنة واحدة، وأن يلتقط لها صوراً عليه أن يرسلها إليه، بأشكال وأوضاع مختلفة وصفها له.

وراح الطفل وهو تمُلى عليه طلبات المرسل يشحن هاتفه قبل أن ينفد، يرتجف قلبه خوفاً من غضب المرسل، تسكب عينيه الدمع، وصمت بكائه الخائف أن يسمعه أحد.

‫2 تعليقات

  1. مقال اكثر من رائع ومشوق جدا المفردات المستخدمة عميقة جدا والقارىء مايمل وهو يقراء المقال كلمة ابداع قليلة في حق هذا المقال من تقدم الى تقدم بإذن الله

    1. الف شكرا .. كل التقدير و العرفان
      اتمنى اكون بقدر المسؤولية ، و ان يوفق الله قلمي ان يسلك الاسطر المستقيمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى