أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

واسـطـة العُـقْـد..

طـلال بن حمـد الربيـعي

 

واسـطـة العُـقْـد..

 

تعد المدرسة الوحدة الأكثر أهمية في النظام التعليمي ، والمسئولة مسئولية مباشرة عن سلامة مخرجاته ، فهي واسطة العقد في هذا النظام ، إذا علمنا أن المخرجات التعليمية هي إحدى أدوات قياس أداء المدرسة ، ومؤشر على تحقيقها للمعايير التربوية المطلوبة في بيئتها التعليمية فمسؤولياتها كبيرة ومتعددة في ظل سعي المؤسسات التربوية في تحقيق التربية المتكاملة والذي اصبح مطلباً ملحاً في عصرنا الحاضر ، فالتربية تشمل الاهتمام بالجانب الفكري والنفسي والاجتماعي، لذلك لم تعد المدرسة مقتصرة على تعليم القراءة والكتابة والمعارف العامة فقط، بل اتسعت مجالاتها لتشمل النمو الاجتماعي والثقافي والفكري من خلال إكساب الطلبة عاداتٍ وتقاليد وقيمٍ جديدًة.

فالمدرسة وفق مبدأ التربية المتكاملة تعتبر الأساس الذي يعتمد عليه المجتمع والدولة في تحقيق الأهداف والتطلعات في إعداد الأجيال للحياة والمستقبل؛ ومن أجل إتمام هذا البناء بنجاح، فإنها تحتاج إلى الإدارة الكفؤة التي يفترض أن يتم اختيارها وانتقاؤها من الميدان بعناية فائقة تكون على قدر من المسؤولية، وذات شخصية قيادية قادرة على إدارة العملية التعليمية من أجل تحقيق الأهداف بأسهل الطرق وأقل التكاليف، فمدير المدرسة يلعب الدور الأساسي في قيادة الجهود وتوجيهها الوجهة الصحيحة، ويعمل على توحيد القوى وبذل الطاقات من أجل الارتقاء بالعاملين معه وبطلبته من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، وهنا قد يتسأل الكثيرون لماذا يكون هذا التركيز على مدير المدرسة…؟؟ وهذا التساؤل إجابته نابعة منه فعندما نقول مدير مدرسة فمعنى ذلك أنه مسؤول عن هذا الصرح التعليمي، والمنظم والمخطط لهذا البناء الذي يضم في جنباته مجتمعاً مصغراً بمختلف مشاربه وتوجهاته وأفكاره ، فهو بحاجة لإدارة محورية فعالة ذات أداء جيد تعمل على تأمين بيئة مدرسية مريحة وجاذبة لكل العاملين فيه ، تحقق في الوقت نفسه المتطلبات والأهداف التي تنشدها المؤسسة التعليمية والمجتمع والدولة بشكل عام.

مما لا شك فيه فإن نجاح الإدارة المدرسية يعتمد اعتماداً وثيقاً على مدى التعاون بين مدير المدرسة وبين العاملين في المدرسة، والمديرية التعليمية، والمجتمع المحلي؛ فالمدرسة جزء من المجتمع المحيط بكامل مكوناته ومؤسساته الحكومية وغير الحكومية، ومؤسساته المدنية والعلمية .. فحتمية التواصل مع هذا المجتمع يحتمها الدور المنوط بالمدرسة كما ذكرنا سالفا، إلا أنه وللأسف الشديد فإن كثيراً من المدارس تُعاني من فقدان الإتصال بين المدرسة والمجتمع ، فمن خلال تتبعي لمواقع حسابات الكثير من مدارسنا على وسائل التواصل الاجتماعي وجدت غياب دور المجتمع المحلي عن كثير من مناشط وفعاليات واجتماعات المدرسة، وهنا تقع مسؤولية كبيرة لمدراء المدارس إذ عليهم واجب ربط المدرسة بالمجتمع المحلي ؛ ليس من خلال مجلس أولياء الامور الذي يفترض أن يكون فاعلاً كذلك وليس مجرد شكل بل أيضا من خلال مشاريع مشتركة معه ، وهذا من شأنه أن يوجد نوعاً من التفاعل المتبادل والإيجابي بين المدرسة والمجتمع المحلي مع ضرورة إنشاء قناة اتصال مع أولياء أمور الطلبة للقضايا الإيجابية وليس السلبية فقط ، مما يشجعهم على زيارة المدرسة دورياً ، وهذا الأمر يؤدي إلى توافر فرص وتفاعل خلّاق بينهم وبين المدرسة؛ كذلك للمدرسة دور مهم جدا في توعية وتبصير أفراد المجتمع في أن حق أبنائهم في التعلم حق مشروع ، وإن إهمال هذا الحق أو التقصير فيه له تبعات توثر على مستقبل هؤلاء الأبناء؛ فهم أمانة في أعناق الجميع ، وقد كفلت جميع الأنظمة والقوانين حقهم في العيش والتعليم والصحة.

لذا أجد أنه حان الوقت لتحمل الجميع المسؤولية ، وأن يكون أولياء الأمور على دراية بواقع وأهمية متابعة ابنائهم.

رغم التحديات والعقبات يبقى التعليم هو الهدف الرئيسي ولا ننسى هنا العبارة الخالدة لجلالة السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله عندما قال مطلع سبعينات القرن الماضي : (سنعلم أبناءنا ولو في ظل الشجر) تتردد في أذهاننا هذه المقولة التي أصبحت طريقاً تتلمسه الأجيال جيلاً بعد جيل في أهمية طلب العلم والإصرار على التعلُّم ، وكذلك ما أكد عليه جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله في خطابه في الثالث والعشرين من فبراير 2020م على مواصلة ومركزية الاهتمام بالتعليم ، وجعْــلِه في سُلَّم الأولويات الوطنية خلال المرحلة القادمة ؛ فقال : “إن الاهتمام بقطاع التعليم
بمختلف أنواعه ومستوياته ، وتوفير البيئة الداعمة والمحفّزة للبحث العلمي والابتكار سوف يكون في سُلَّم أولوياتنا الوطنية ، وسنُمِدَّه بكافة أسباب التمكين ؛ باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة”.

كل هذه المنطلقات تجعلنا أمام مسؤولية وطنية غاية في الأهمية ، ولندرك جيداً أن هذه المرحلة لا تخلو من العقبات والصعوبات والتحديات التي تتطلب تكاتف الجميع مع المدرسة لتجاوزها ، لا سيما أن المدرسة هي جزء من منظومة الدولة ، وتسعى جاهدة وفق الإمكانات المتاحة لتوفير بيئة تعليمية جاذبة ومناسبة.

وفي الختام نقول التعليم هو جواز السفر للمستقبل ، فإن الغد ينتمي لأولئك الذين يُعِدّون له اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى