أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

وسائل التواصل الاجتماعي بين الإيجابية والسلبية..

الكاتبة/ رحمة بنت مبارك السلمانية

 

وسائل التواصل الاجتماعي بين الإيجابية والسلبية..

 

في ظل التطور السريع والتغييرات الكثيرة التي طرأت على الحياة في مختلف أنحاء العالم والتي أدت إلى ظهور اهتمامات أخرى، وأوجدت أساسيات لم تكن موجودة خلال العقود القليلة الماضية، وأنجبت ظواهر وممارسات تتوشح بعضها بالخفاء وتتعرى بعضها الآخر في العلن، فنحن نعيش في عالم يضج بالتقنيات والرقميات التي وفرت لنا العديد من الأجهزة التي سهلت علينا الكثير من مهام حياتنا اليومية، وقدمت لنا جملة من الاختصارات التي تتماشى وسرعة الحياة المعاصرة، إذ تمثل الأجهزة المحمولة كالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب الشخصية أكثر وأشهر التقنيات التي استحوذت على اهتمام البشر وغيرت الكثير من سلوكياتهم وعاداتهم في جميع بقاع الكرة الأرضية، في ظل وجود شبكات اتصالات عالمية عملاقة فائقة السرعة، حيث أضحت هي الأداة التي تحرك معظم مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي المعروفة لدى عامة الناس والتي باتت الشغل الشاغل للكثيرين منهم خاصة أولئك المهووسين بها.

تعتبر مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي بمختلف مسمياتها سلاح ذو حدين وعملة ذات وجهين أحدهما إيجابي والآخر سلبي، لذا يجب علينا التعامل معها بحذر ووعي تام واستغلالها الاستغلال الأمثل الذي يعود علينا بالفائدة ويجنبنا الخسائر والأضرار، على الرغم من أن هناك قوانين وُضعت من أجل تنظيم استخدام وسائل تقنية المعلومات بمختلف أشكالها لرفع مستوى الوعي والمسؤولية لدى مختلف شرائح المجتمع؛ حتى لا يقعوا فريسة أو ضحية من ضحايا وسائل التواصل الاجتماعي التي أضحت في تزايد مستمر، لكن كون هذه التطبيقات والمواقع تُستخدم من قِبل فئات عمرية متباينة في المستويات التعليمية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها، فإنه من الصعب التكهُّن ومعرفة مدى وعي هذه الفئات عند استخدامها لتلك المواقع والتطبيقات، بالرغم من ذلك تبقى مسألة التوعية بإيجابياتها ومحاسنها والتحذير من سلبياتها ومساوئها مسألة مهمة ومطلوبة في جميع الأحوال.

إن نظرنا إلى الجانب المشرق ومن ناحية إيجابية لوجدنا أن مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون سبباً من أسباب تقدّم وتحضّر أفراد المجتمع من خلال انفتاحهم على العالم واطلاعهم على الأحداث والتطورات التي تحدث في الحياة بشكل مستمر، كما ساهمت بعض مواقع التواصل الاجتماعي في محو الأمية الرقمية نوعاً ما، وعملت على إيجاد مجتمع متمكن ومثقف رقمياً يستطيع إدارة حساباته ومعاملاته واجتماعاته عبر للأجهزة، كما مكنت عامة الناس من الاطلاع على تجارب الآخرين من حولهم في الحياة ومنحتهم حرية التعبير عن الرأي وطرح القضايا العامة ومحاولة إيجاد حلول لها، وصقلت مواهبهم وهواياتهم وغذت إبداعاتهم وطورت تطلعاتهم، كما أسهمت في إبراز بعض الشخصيات الرائعة والمؤثرة التي تمكنت من التأثير على شرائح مختلفة في المجتمع، وذلك من خلال مبادراتها وأفكارها ومستويات ثقافتها وحفاظها على قيمها وأخلاقها واحترامها للدين والعادات والتقاليد ومن خلال ما تُقدّم من محتويات ثرية بالمعرفة ورسائل ملهمة وهادفة.

لقد ساهمت بعض مواقع التواصل الاجتماعي في نشر وتنمية الثقافة وتعزيز إبداعات المميزين والهواة في المجالات المختلفة كالأدب والفن والعلوم والأعمال التطوعية ونشرها للعامة للتعريف بها والاستفادة منها، كما قدمت خدمات تسويقية للمنتجات المختلفة والمواد الثقافية والبرامج العلمية، وكذلك التسويق الشخصي للكثير منهم بشكل لافت واستثنائي في بعض الأحيان، كما ساهمت في توفير فرص تسويقية جيدة لبعض التجار ولأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة والأعمال الحرة والمنتجات المنزلية، كما ساهمت بعض مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي في تسهيل وتطوير عملية التعليم ومنحها بعداً آخر، حيث تعرض العديد من الأنشطة والبرامج والدورات والوسائل التعليمية لمختلف المستويات، وتوفر مشاركة الكثير من التقارير العلمية والأبحاث والدراسات المختلفة للاطلاع عليها والاستفادة منها لا سيما لطلبة  المراحل المتقدمة من التعليم العام وطلبة التعليم الأكاديمي.

أما على الجانب الآخر فإن مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي لها الكثير من الجوانب السلبية التي لا يمكن إهمالها أو التغافل عنها، فهي من أهم المسببات لإهدار الوقت والتسويف وإهمال أو تأجيل المهام والأعمال اليومية إن لم يحدد وقت معين لاستخدامها؛ لأن الكثير من مستخدميها يقضون ساعات طويلة يومياً في تصفّح تلك المواقع والتطبيقات، وأحياناً في إضاعة الوقت في دردشات ونقاشات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فيضيع اليوم هباءً منثوراً، كما أن المبالغة في استخدام هذه المواقع والتطبيقات يؤدي إلى إدمانها الذي بدوره يفضي إلى الإخلال بأسلوب الحياة الصحي ويكون سبباً في ظهور الكثير من المشاكل الصحية مثل ضعف النظر وتشويش الرؤية والصداع وآلام الرقبة والعمود الفقري والأرق والاكتئاب والأمراض النفسية والعصبية، وكذلك ظهور المشاكل الاجتماعية والزوجية كالعنف الأسري والخيانة والطلاق وغيرها الكثير.

إن من أسوأ الجوانب السلبية لمواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي أنها أصبحت أحد العوامل المساعدة على فقدان الهوية الشخصية بسبب بعض مشاهير التواصل الاجتماعي الذين يدّعون المثالية ويميلون للنرجسية من خلال نشرهم لتفاصيل حياتهم اليومية للعامة، واستعراض مظاهرهم وتعرية ذواتهم بكل ثقة، والتباهي بالهدايا والعطايا لنيل أكبر قدر من المتابعين والمعجبين لهثاً خلف الشهرة والمادة، بينما يعيشون الفوضى والتناقضات، كما يدّعون أنهم مدونون وهم في الواقع لا يدونون شيئاً البتة، ولا يقدمون أي محتوى هادف أو مفيد بل يبرعون في النقاشات العقيمة وينشرون السخافات ويبثون الهراء والتفاهات، ويتبنون بعض السلوكيات أو العادات المخالفة لعاداتنا والمنافية لتقاليدنا الإسلامية، إذ أن ولع الكثير من الناس بأسلوب حياتهم والسعي لتقليدهم والاقتداء بهم الأمر الذي أدى إلى ظهور نسخ بشرية مكررة وطمس الهوية الخاصة التي تميز كل شخص عن غيره، مما يزيد نهم الفضوليين ويشجع المتطفلين على التطفل على حياة الآخرين بكل أريحية وبدون مراعاة للخصوصية، وتوفر مساحة واسعة لأولئك الذين يجدون فيها نوع من التسلية من خلال التحايل والتلاعب على الغير ونشر الرذيلة والانحراف، وأيضاً انتهاك حقوق الملكية الفكرية من خلال نسب العمل أو الإنتاج أو الابتكار لأشخاص آخرين غير المالكين الحقيقيين للعمل المنتج.

كما أن بعض مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي ذات دور كبير في التأثير يشكل سلبي على اللغة العربية من خلال هضم قوتها وتعميق ركاكتها حيث أصبحت تلك التطبيقات بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ تستخدم الغالبية العظمى من الناس اللغة العامية لكتابة الدردشات عبر التطبيقات المختلفة عوضاً عن اللغة العربية الفصحى الجميلة التي بالغ البعض في تشويهها وتلطيخها بالوحل، بل أوجد مستخدمو بعض هذه المواقع والتطبيقات لغة خاصة بهم تحوي مزيجاً من المفردات المعربة أو خليطاً من المفردات العربية والإنجليزية، كما تنصّل آخرون منها نهائياً ولجأوا للغات أخرى يبرعون فيها متباهين بتنصّلهم الصريح ومتجاهلين أن لغتهم الأم هي الأحرى بالفخر والتباهي بها.

أيضاً من ضمن الجوانب السلبية لمواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي تأثيرها على الأجيال المعاصرة وخاصة على الأطفال من هم في سن المدرسة والمراهقين، حيث غيّرت اهتماماتهم وحوّلت طبيعتهم وقللت ممارستهم للأنشطة البدنية والذهنية، ودمّرت ألعابهم اليدوية التقليدية وقيّدت حركاتهم الكثيرة وأخمّدت تفاعلاتهم العفوية ودنّست براءتهم النقية وبددت طفولتهم الرائعة وسمّمت أفكارهم اللامعة ورقمنت مخيلاتهم الواسعة، إذ أصبحت أحد الأسباب المؤدية إلى تدني مستويات التحصيل الدراسي والانطواء والعزلة والبعد عن التجمعات العائلية، وإنشاء صداقات مع أشخاص مجهولي الهوية (أصدقاء افتراضيين)، وأحد العوامل المتسببة في تدني الأخلاق والسلوكيات وانحطاط القيم والعادات والبعد عن الدين والسعي خلف الماديات، كما أنها أصبحت أداة سريعة لتداول الشائعات ونشر معلومات خاطئة وعارية من الصحة في بعض الأحيان، خاصة تلك التي تصدر من مصادر غير موثوقة أو جهات مجهولة الهوية، كما أنها تمثل بيئة خصبة للجرائم الإلكترونية، فقد ساهمت في زيادة تعرض البالغين والمراهقين على حد سواء لعمليات الاحتيال والابتزاز والتحرش والتنمر الإلكتروني والسب والقذف، مما كان لها أثر كبير في دفعهم لسوء التصرف كارتكاب جرائم السرقة وتعاطي المخدرات والعنف والمثلية والإلحاد والانتحار وغيرها من الجرائم.

ليس هناك شيء كامل في الحياة فالكمال لله وحده ولا شيء يخلو من العيوب وإن بدا كذلك من الوهلة الأولى، فالحياة بطبيعتها لا تخلو من الصعوبات والعثرات والتناقضات التي غالباً ما تكون سبباً في إكسابنا كم هائل من الخبرات، التي تمكننا من التعامل مع المشكلات المختلفة بشكل إيجابي مستقبلاً ومحاولة إيجاد الحلول المعقولة وبالمناسبة لها، وإن الحياة تمنحنا دروساً مهمة نتعلم منها في نهاية المطاف، وأن هناك سنوات سمان ستأتي بعد العجاف، رغم أنها وسائل للتواصل الاجتماعي الافتراضي إلا أنها في الواقع الحقيقي وللأسف الشديد في أحيان كثيرة قد أبعدت القريب والحبيب، وقرّبت البعيد والغريب، فكم من علاقات جميلة دُمرت وانتهت، وأوصال قوية قُطّعت، وبيوت متماسكة هُدّمت بسبب المزعومة المدعوة وسائل التواصل الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى