أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

وظـيـفة بلا راتـب وبلا تقـاعـد !!..

 

وظـيـفة بلا راتـب وبلا تقـاعـد !!..

 

حين تختار الأنثى أن تكون أماً هو ليس بأمرٍ هينٍ، وحين تختار أن تكون زوجة مثالية أو زوجة ناجحة، هو بحد ذاته تحدي لن تستطيع اجتيازه بسهولة أي إمرأة، ما لم تُحكّم عقلها في بعض الأمور التي لا مجال فيها للعاطفة، فعندما تقرر المرأة أن تكون أماً يجب عليها أن تتهيأ لتحمّل أعراض الحمل والوحام وما يصاحبه من آثار وآلام، وأن تكون على استعداد تام لمواجهة آلام المخاض وتبعاته، وأن تتهيأ لإرضاع الطفل وإطعامه، وأن تتحمّل بكاء الطفل واضطراباته، والسهر معه والعناية به في كل حالاته، وأن تراقب طوال اليوم حركاته وسكناته، وأن تباشر مهامها اليومية (المعتادة) بهمة ونشاط، وأن تُعد أجندة لتهيئة الطفل للفطام، وتعليمه الاعتماد على نفسه في أشياء كثيرة، كتناول الطعام وارتداء الملابس واستخدام الحمام وتعويده على النوم في سريره.

لا أحد يعمل بلا مقابل إلا الأم، في الواقع هي تعمل أضعاف ساعات عمل شريكها الرجل الذي ينتهي عمله منتصف النهار، والذي قد يقضي ثلثها أو نصفها أحياناً في شرب الشاي والقهوة وقراءة الصحف اليومية، وإلقاء التحية على فلان والثرثرة مع علّان، وإجراء مكالمات هاتفية لا جدوى لها سوى إضاعة الوقت، وتناول الفطور الذي قد يطول لأكثر من ساعة، وقضاء بعض الوقت في التجوال بين الدوائر والأقسام لزيارة صديق أو مقابلة جماعة، وقضاء بعض المصالح الشخصية، وذلك ليس تعميماً على الجميع فبالطبع هناك استثناءات كثيرة.

وظيفة الأمومة هي وظيفة بلا راتب وبلا بدلات أو مكافئات وبلا إجازات وبلا تقاعد أو استقالة، في الواقع هي وظيفة أبدية غير محددة بساعات ولا تحكمها سنوات خدمة معينة، فمهامها غير محدودة بل كثيرة ومتشعبة، وتتفاوت بين الإعداد والتنظيم والتنظيف والغسيل والكي والترتيب والطهي، والعناية بالأطفال وتربيتهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، ومتابعة دروسهم، وإعدادهم ليصبحوا رجال المستقبل، فالأم هي الملامة الأولى في حال ضعف مستوى ابنها الدراسي أو تعثره دراسياً بغض النظر عن مستوى تعليمها، وفي حال بدر منه أي سلوك أو تصرف خاطئ أو خُلق سيء، ستكون هي الشمّاعة التي تُعلَّق عليها كل أخطائه وانتكاساته وإخفاقاته وعيوبه وسيئاته.

الأم هي الأمان والحنان والسكينة رغم أنها تحمل هَم أبنائها من الصغر حتى الكبر، ولا يمكنها أن تتخلى عن أمومتها ولو للحظة، فحتى عندما يكبر أبنائها ويتزوجون ويستقلون في بيوتهم، يظلون في عينيها صغارها الذين تحبهم، وتشتاق إليهم وتتلهف لرؤيتهم وسماع أصواتهم، وتشعر بفرحهم وحزنهم، تستشعر أمنهم وخوفهم، ويسعدها حضورهم ويقلقها غيابهم، وتأنس بقربهم وتضجر بِبُعدهم، ويؤلمها مرضهم وشقائهم وتتعافى بتعافيهم وشفائهم، وستظل تدفع ضرائب كثيرة في حياتها شاءت أم أبت وستتحمل قدرها لكونها أم، وستبقى تقدم تضحيات عظيمة تضاهي عظمتها دون طمع في الحصول على مقابل.

الأم دائماً على استعداد بأن تتنازل عن أحلامها وأعظم أمنياتها من أجل فلذات كبدها، وأن تؤخر احتياجاتها وقد تلغيها من أجلهم، وتفضل أن تجوع في سبيل إشباعهم، وهي على استعداد أن تربي أبنائها وأحفادها بكل حب وحنان دون ملل أو ضجر، وأن تقضي طوال عمرها وهي تعمل على إسعاد من هم حولها، وهي قادرة على استيعاب طبيعة أبنائها في جميع مراحلهم العمرية، ومتمكن من تحليل شخصياتهم، فهي تستطيع فهم رضيع بسهولة، كما يمكنها مسايرة نفسية مراهق وإدراك تفكير شاب، فهي تملك خبرات وقدرات لا تُعادلها أعلى الشهادات، إنها غريزة الأمومة التي تفيض بأسمى مشاعر الإنسانية، ولذلك قيل “الجنة تحت أقدام الأمهات”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى