أصداءأقلام الكتاب

وفـاء مـن الـدرجة الرفـيـعـة..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسي

 

وفـاء مـن الـدرجة الرفـيـعـة..

 

هناك مواقف إنسانية تجبرك على التوقف أمامها .. والخشوع بين يديها..

وأحيانا تضطر الى السجود فوق قدميها..

إنها مواقف البشر الذين ارتفعوا بأنفسهم إلى الأعلى ولامست أرواحهم السحاب .. فغسلتها بالنور والبياض..

إنها مواقف المروءة والوفاء والصدق والحب..

والتي يقابلها مواقف النذالة والخيانة والرذالة..

وفي هذا الزمن الأعرج الأعوج تذهلك مواقف النقاء والسمو .. إنه كبقعة بيضاء ناصعة البياض في قماش شديد الحلكة والسواد..

إنها كلمعان نجم في سماء شاسعة مكفهرة بالظلام..

قبل أيام كنت أتابع برنامج في البي بي سي..

عرضوا قصة عجيبة .. حكاية تهز المشاعر .. وتلهب الوجدان ..

أضطررت أن أقف من مقعدي وأنحني أمام التلفاز إحتراما لبطلة القصة  ..

وابني الصغير مندهش من تصرفي .. ودون أن يعي ما أفعل وكنت اسمعه يتمتم في نفسه : ماذا يفعل أبي المجنون !!..

إنها قصة من فلسطين..

فلسطين النضال و القوة والإصرار..

فلسطين العناد والسهاد والأرق والوجع والألم والتمسك بالأرض حتى الموت والفناء..

لذلك لم أندهش من هذه القصة فهي ليست غريبة على شعب سطر ومازال يسطر ملاحم في الوفاء وروائع في الحب والتضحيات والبناء والبقاء والرثاء..

سأنقش لكم هذه القصة الرائعة التي أجبرت قلمي على الكتابة .. ودفعت قريحتي على التسطير..

فتاة  فلسطينية جميلة  ذلك الجمال الفلسطيني الممزوج بالشموخ والرسوخ والأنفة ..

ذلك الجمال الفلسطيني الملغم بالغرور والسرور .. والمعبأ بالثبات والعنفوان..

ذلك الجمال العابق بالنور والألق ونكهة الزيتون..

فتاة فلسطينية ملامحها كيافا .. خدودها كعكا..

ولون عينيها كشتاء نابلس.. وفي جبهتها ألم غزة..

وفي صدرها تناهيد القدس ودموع الخليل..

فتاة متعلمة مثقفة أبت الزواج .. ورفضت كل العروض وآثرت الوقوف الطويل والإنتظار العصيب..

فحين تنتظر المرأة يتوقف الزمن لديها .. وتتلف عقارب ساعتها..

ففي فلسطين كل يناضل بطريقته الخاصة..

قررت هذه المناضلة إنتظار خطيبها المحكوم لثمانية عشر عاماً في السجون الإسرائيلية .. ضاربة عرض الحائط بالخوف والقلق، دافنة لهيب الغريزة تحت سريرها .. كاتمة رغبتها في أحشاء صدرها.. صامدة في وجه السنين الطويلة العجاف القادمة..

فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها .. تنتظر خطيبها ثمانية عشر عاما .. تنتظر لحظة خروجه من السجن .. وهي لا تعلم كيف سيخرج..

هل سيخرج حيا أم ميتا ؟؟!!..

وغالبا لا يخرج من السجون الإسرائيلية بعد ثمانية عشر عاماً سوى الأموات و أنصاف الأحياء..

إنها غير متيقنة  هل سيخرج خطيبها وقلبه تحمل ذات المشاعر التي دخل بها..

فالسجن كالبحر .. الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود..

ثمانية عشر عاماً من الأرق والهم والتفكير والمعاناة والحزن والبكاء  ..

كل شهر يمضي يجرف معه شباب العمر ورحيق الحياة وبلسمها..

كل شهر ينتهي يقضي على خلايا الصحة ومكانيزمات الهمة وأنزيمات الرغبة والنشاط..

216 شهرا كاملاً وهي تنتظر خطيبها محتفظة له بحبها وصدقها ووفاءها .. وجمالها العنيد الذي يرفض الترهل والإندثار بفعل قوة الوفاء .. وصدق المشاعر ومناعة الصبر..

216 شهراً وهي تنتظر لحظة خروج خطيبها من معتقله لتبدأ معه الحياة .. وتتنفس بين يديه الوجود والصمود والعطاء..

ذهب عنها وعمرها ثلاثة وعشرين عاماً.. وعاد إليها وعمرها واحد وأربعون عاما..

اي حب هذا الذي  تحمله هذه المرأة الجميلة العظيمة الرائعة..

أي صدق تملكه هذه الأنثى الحنونة الشفوقة..

إنها تسجل ملحمة فلسطينية في الحب وصدق المشاعر والوفاء للحبيب.

إنها منهج فلسطيني من مناهج الحب والتضحية، والإرتباط والتمسك بالأرض والبشر مهما كان الثمن فادحا وغالياً..

شيء لا يصدق..

مالذي يجبر فتاة بذلك الجمال وتلك الكاريزما إنتظار خطيبها 18عاماً..

ما الذي يجبر  زهرة يانعة متفتحة من أن تحرم أوراقها من القطر والضوء والضياء..

إنها الحياة .. تعلمنا دروس الوفاء .. وقواعد الحب .. في زمن الخيانات والطعنات الغادرة..

إنها درس من دروس الصدق التي تؤكد لنا بأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يمكن أن يضرب أروع الأمثلة في الإرتباط والوفاء والصبر والإنتظار .. وتَحَمُّل الألم..

شكرا فلسطين .. دائما تضربي لنا نماذج رائعة في الكفاح والصبر..

وشكرا أيتها الفلسطينية الشامخة..

لقد ضربتي لنا مثلا في الوفاء .. ومنحتنا أملاً في الحياة .. وتفاؤلاً كاد أن يكون مفقوداً في البشر .. معدوماً من المشاعر..

شعب ينتج نساءً بهذه الصورة لا يمكن أن يُهْزَم .. ويستحيل أن يندثر أو يموت..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق