أصداء وآراء

وَهْـبـه متفـوّقاً عـلـى أدرعـي!!..

الكاتـب/ عـلـي شـنـدب
باحـث ومحلّل سـياسي – لبـنان

 

وَهْـبـه متفـوّقاً عـلـى أدرعـي!!..

 

فيما الأنظار مشدودة الى المواجهة في فلسطين. ترنو الى المجزرة المتمادية التي ينفذها الاحتلال الاسرائيلي بحق الفلسطينيين قضية وشعبا، شيوخا ونساءً وأطفالا، وهم يلفظون أنفاسهم دون أن يلفظوا كرامتهم وتأكيد حقهم التاريخي والانساني في فلسطين وعاصمتها القدس الشريف. أطل علينا وزير خارجية الصدفة القوية في لبنان “شربل وهبه” بمواقف عنصرية خطيرة متناسلة من الحظيرة التي ينتمي إليها محرّضا ضد الدول العربية والخليجية، متجاسرا في التطاول على البدو وهم أهل الأرض المنغرسين فيها منذ أن خلقت الجغرافيا والحاملين لمشاعلها الروحية والإيمانية والحضارية والإنسانية والتنموية.

لساعات طويلة حاولت فك شيفرة خلفية أطروحة العنصرية التي تقيّأها وهبه، وفشلت. وبعد إمعان النظر اكتشفت ببساطة أن ما تقيأه هذا الدَّعي وإضافة للأمراض النفسية التي تكتنفه ومن أجلسه في كرسي الخارجية، وللأذى النفسي الذي أصاب به الشعب اللبناني المكوّن في شرائح وازنة منه من عشائر وقبائل عربية عريقة تناسلت طبيعيا من ذات القبائل العربية التي حوّلت الصحراء الى أرض خضراء، في الوقت الذي حوّل فيه عبقري دبلوماسية العهد المستقوي والحظيرة التي ينسدل منها لبنان الأخضر الى يباب يابس.

لقد غطت أخبار المواجهات في فلسطين على أخبار لبنان المفجوع بمنظومة الفساد والمال والسلطة والسلاح التي ينتمي إليها وهبه، غطت على أخبار الانهيار الاقتصادي والمالي، وغطت على أخبار الجوع، وغطت على خروج لبنان من الخدمة بفعل تحوله الى ما بعد الدولة الفاشلة، وغطت على مآلات التحقيق بانفجار مرفأ بيروت، كما غطت على مآلات التحقيق بشحنات الكابتغون إلى السعودية وغيرها وعبر المرفأ المفجوع، كما غطت على محنة تشكيل الحكومة وتعطيلها، وغطت على موت المبادرة الماكرونية وعقوبات الثأر الفرنسية واستطرادا الاوروبية بحق المعطلين الفاسدين لتشكيل الحكومة، وأخيرا وليس آخرا غطت على إذلال المواطنين أمام محطات الوقود وعلى أخبار خروج مئات الصيدليات من الخدمة وفقدان الدواء.

نعم، لقد غطت أخبار فلسطين على كل هذا، وتحولت الأنشطة اللبنانية ضد منظومة الفساد والمال والسلطة والسلاح الى أنشطة تضامنية مع الشعب الفلسطيني والقدس، لكن فرية وعنصرية وبجاحة وزير خارجية لبنان شربل وهبه غطت على كل ما تقدم ذكره أعلاه.

وما عشرات آلاف التغريدات والبيانات الغاضبة والشاجبة لما اقترفه لسان لبنان الخارجي إلّا تعبيرا عن حجم المأساة العنصرية التي ينتمي اليها وهبه والتي تشكل تيارا سياسيا حاكما لدولة لبنان ما بعد الفاشلة.

وفي سياق البحث عن تفسير لقاذورات شربل وهبه والمستفيد منها، تبين أن اسرائيل وحدها المستفيدة من العنصرية التي تقيأها رئيس الدبلوعنصرية اللبنانية، وبصنيعته هذه تفوق حتى على أفيخاي أدرعي.

وخلال الأيام الأولى للمواجهات في فلسطين سبق لنتنياهو القول : “إن الرأي العام العربي هو العقبة أمام توسيع دائرة السلام” وفق منظوره. هذه هي الشيفرة إذن، وقد تجحّظ حتى للعميان كيفية تطوّع وهبه المدروس لتوجيه الرأي العام العربي وليس اللبناني فقط عما يقترفه الاحتلال الاسرائيلي بحق الفلسطينيّين وإلهائه بمعركة جانبية عن تلك التي تؤرّق نتنياهو.

المسألة ليست غباء مزمن تعانيه مدرسة شربل وهبه، إنما مسألة عنصرية متعالية مقيتة لطالما بخّ سمومها وعبر منصة الخارجية إياها ملهم شربل وهبه في الدبلوعنصرية اللبنانية إياها، وطبعا لا نقصد هنا صلاح ستيتيه وطارق متري وفؤاد بطرس أو غسان تويني وشارل مالك والذين من قماشتهم.

المسألة ليست غباء، فحرف نظر الرأي العام عن قضية ما، يكون بخلق قضايا جانبية إلهائية عن القضية الأساس؛ هذا بالضبط ما فعله شربل وهبه الذي صمت دهرا ونطق عنصرية وأمراضا نفسية مستعصية حتى على أبوقراط وابن سينا.

لم يعد السؤال ملحا وضروريا حول الأسباب الجوهرية لإفلاس العهد القوي وتلاشيه، كما لم يعد السؤال ملحا حول الإصرار والإمعان في محاولة إعادة عقارب التاريخ الى الوراء.

وللدلالة على عبقرية الفشل التي ينتمي إليها وهبه وتدرج في مقاعدها لرتبة وزير، بدت رسالة رئيس الجمهورية ميشال عون لمجلس النواب حول محنة تشكيل الحكومة في توقيتها وكأنها تهدف لحرف الأنظار عن الجريمة التي اقترفها مستشاره ووزير خارجيته، ويبدو أن “حرف الانظار” باختلاق القضايا الإلهائية، هي خطة عمل العهد القوي الوحيدة.

مع هذا فإن جريمة بحجم التي اقترفها وهبه، لا يمكن تأجيل مناقشتها سيما وأنها تدخل في سياق فضح المجزرة المتمادية في فلسطين المحتلة، وقد بيّنت نتائج وقائع هذه الايام، أن سقطة مستشار عون ووزير خارجيته تأتي في السياق التخادمي مع ما يشتكي منه نتنياهو.

لهذا فاستقالة وهبه المستقيل أصلا وخروجه من الخدمة، ليست العقوبة المتناسبة مع حجم الجريمة التي اقترفها؛ فعنصريته ليست من بنات أفكاره، إنها من بنات أفكار التيار الذي ينتمي إليه، ولهذا فالمحاسبة ينبغي أن تكون بهذا الحجم والمقدار الأخلاقي والسياسي، لا أن يتحول المستعفي من تصريف الأعمال الخارجية الى كبش فداء بديلا عن تلك الأفعى التي تبخ سمومها أينما وكلما اقتدرت ذات اليمين وذات الشمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى