أصداءأصداء العالمأقلام الكتاب

يتوقع مني أبي أن أفعل شيئاً عجز عن فعله !!..

الكاتب/ د . محمد بن ناصر الصوافي

باحث في المجال الأسري والتربوي

 

يتوقع مني أبي أن أفعل شيئاً عجز عن فعله..

 

على رصيف مواقف أحد اَلْمُجَمَّعَات التجارية الكبرى طار إلى مسمعي صوتُ طفلٍ يصيح ويصرخ، وقد ضج المكان بهذا الصوت، والعجيب من ذلك أنكَ تسمع صراخ الأب وهو يقول: “لا تبكِ لا تصرخ”، ولسان حال هذا الطفل المسكين يقول: “يتوقعُ مني أبي أن أفعلَ شيئاً عجز عن فعله”.

حينها خطر على بالي قول الشاعر :

مشى الطاووس يوماً باعوجاجٍ   …   فقلدَ شكلَ مشيته بنوه

فقال علام تختالون؟ قالوا   …   بدأت به ونحن مقلدوه

فخالف سيرك المعوج واعدل   …   فإنا إن عدلت معدلوه

أما تدري أبانا كل فرعٍ   …   يجاري بالخطى من أدبوه

وينشأ ناشئ الفتيان منا   …   على ما كان عوده أبوه

يسعى كل مربٍّ أن يكون قدوةً حسنةً لأبنائه، ولكن قد ينسى في خضم خوض معمعة هذه الحياة ذلك على حين غفلة، فتصدر منه سلوكيات يشاهدها الإبن فيتعلمها ويطبقها، فإن كانت خيراً، كان هذا المربي أنموذجًا حسنًا لأبنائه، وإن كان على النقيض كان أنموذجًا سيئًا لهم، لذا فعلى هذا المربي أن يكون واعياً لكل تصرف أو حديث يصدر عنه أمام أطفاله.

فالتربية عن طريق النمذجة أو القدوة أو التقليد من أهم وأمثل الطرق التي يستخدمها المربي الناجح في ترسيخ المبادئ والأخلاق والقيم في نفوس الناشئة، وفي قصة ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ وصلاته مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تأكيد على التربية بالقدوة في العبادة، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال      لا : بِتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الليل فتوضأ من شنٍّ معلقٍ وضوءاً خفيفًا، وقام يصلي، قال : فقمت فتوضأت نحواً مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فحولني فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله. ) رواه البخاري).

والسؤال الذي يطرح نفسه : كيف أكون أنموذجًا حسنًا لأبنائي؟؟ والجواب : إذا أردت أن تُحببهم في أي شيء، عليك أن تكون قدوتَهم أولًا، وستلاحظ أنهم يفعلون كل ما تريد بدون أن تأمرهم به، فكيف يستطيع أبٌ مدمن على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على جهازه المحمول ليلَ نهار؛ أن يقنع فلذت كبده بأهمية القراءة ودورها في تثقيفه وتهذيبه ؟!

وكيف يأمر مربٍّ إبنه على المسارعة لصلاة الجماعة، وهو لا يصلي البتة ؟! بل كيف ينصح أبٌ إبنه بالاشتغال بتطوير قدراته وتنمية إمكانياته وترك ذكر مساوئ العباد، وهو يخوض في أعراض بني آدم ويغتابهم مطلع كل شمس ومغربها ؟!.

ختاماً : عزيز المربي أنت أول من تغرس الأخلاقيات والسلوكيات والقيم في نفس إبنك بأفعالك قبل تحريك ما بين فكيك، هو أرضٌ خصبة للإستنبات وأنت أول الزارعين، بل وأول من يلقي البذور فيها، فاخترِ الزرع الذي تحب أن ترى عليه إبنك مستقبلاً، وتذكر قول المربي الأعظم، والقدوة الحسنة صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ”. (متفق عليه)، واستشعر قبل هذا كله قول الله سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق