أصداء وآراءأقلام الكتاب

قـراءة في كـتاب الدكتـور/ عـلي الـوردي .. “منـطـق ابن خـلـدون : فـي ضـوء حضارته وشـخصـيـته”..

الكاتب/ فـهـد بن سالـم الجهـوري

almnsi2020@gmail.com

 

 

قـراءة في كـتاب الدكتـور/ عـلي الـوردي ..

“منـطـق ابن خـلـدون : فـي ضـوء حضارته وشـخصـيـته”..

 

مما لا شك فيه أن ابن خلدون هو من أهم علماء علم الاجتماع الذي سبق بنظريته المسهبة في هذا الجانب الكثير من العلماء الغربيين الذين دخلوا بهذا العلم العميق من بعده بسنوات طويلة، ومن المعروف أن الراحل الدكتور علي الوردي رائد علم الاجتماع الحديث تأثر مثل غيره بمنهج ابن خلدون ومقدمته المعروفة، وفي كتابه هذا الذي بين أيدينا والمعنون ب(منطق ابن خلدون: في ضوء حضارته وشخصيته) يحلل الوردي منهاج ابن خلدون في جوانب يتفق معها و يختلف في ضوء تطور علم الاجتماع الحديث وخضوعه لأدوات بحث ومقارنات جديدة، يأخذك الكتاب في رحلة فكرية عميقة بالأفكار الفلسفية والمجتمعية التي كان القاسم المشترك بها ابن خلدون.

فابن خلدون كان من الثائرين على المنطق الاستنباطي القديم لدى الإغريق، وأتى من بعده آخرون حذو حذوه في نقد المنطق الاستنباطي، والمنطق الاستنباطي ينتهي بالنتيجة الكلية للفكرة بشكل عام دون البحث عن تفاصيل الفكرة أو الأسس القائمة عليها أو إمكانية حدوثها من عدمها في ضوء المتغيرات العلمية، ولشرح فكرة المنطق الاستنباطي أدرج هنا بعض الأمثلة لتبسيط هذا المنطق القديم،

(1) كل إنسان فان … … … (مقدمة كبرى).

(2) فهد إنسان … … … (مقدمة صغرى).

(3) إذن فهد فان … … … (نتيجة).

مثال آخر :

من يفرق الأمة يجب قتله … … … (مقدمة كبرى)

الحسين فرق الأمة … … … … (مقدمة صغرى)

إذن الحسين يجب قتله … … … (نتيجة)

وكذلك يوجد رأي آخر من الممكن وضعه هنا :

من يخرج على إمام جائر ويُقتل فهو سيد الشهداء … (مقدمة كبرى).

الحسين خرج على إمام جائر و قُتل … …. (مقدمة صغرى)

إذن الحسين سيد الشهداء … … … (نتيجة)

ويذكر الوردي هنا قصة جده المعروف بنزعته المنطقية الاستنباطية القديمة حيث يقول ما نصه :

(قيل له ذات يوم إن الإفرنج إخترعوا عربة تطير في الهواء وهي مصنوعة من الخشب والحديد و اسمها (طيارة)، فقال : إن هذا أمر غير معقول بتاتاً، ثم التفت إلى مطرقة كانت مطروحة بالقرب منه، وكأنه أراد أن يجعل منها مقدمة لقياسه المنطقي، فقال : (هذه مطرقة مصنوعة من الخشب والحديد، فهل من الممكن أن تطير ؟!!)، فقال الحاضرون : لا، وصدّقوا بقوله.

وما هي إلا سنوات معدودة حتى كانت الحرب العالمية الأولى وحلقت في سماء بغداد طائرة ترمي الناس بالقنابل. عند هذا أخذ جدي ينظر في السماء وهو حائر لا يدري ما يقول!!.

ورغم أن ابن خلدون قدم الكثير بنظريته في علم الاجتماع، إلا أن التطوير كان قدراً محتوماً في ظل أدوات البحث والتجريب الحديثة، فيظهر مسمى علم الاجتماع الحديث والذي يُنسب إلى الفرنسي اوجست كونت، وخلاصة نظرية كونت كما يشرحها الوردي أن الفكر البشري مر بثلاث مراحل من التطور التاريخي، هي المرحلة الدينية والمرحلة الميتافيزيقية والمرحلة الوضعية.

ففي المرحلة الأولى يحاول الفكر تعليل الأمور بنسبتها إلى قوة مريدة خارجة عنها كالآلهة أو الجن أو الشياطين، وهذا النمط من التعليل هو الذي كان سائداً في جميع الشعوب البدائية وأكثر الشعوب القديمة، ولا يزال أثره باقياً على درجات متفاوتة في بعض الشعوب الحديثة، فإذا نشبت حرب طاحنة مثلاً قال الناس في تعليلها إن الله أراد نشوبها؛ لكي يعاقبهم على ذنوبهم، وإذا نال أحدهم توفيقاً مفاجئاً في حياته، قالوا : إن ذلك نتيجة طلسم قوي حصل عليه، أو إنه من تأثير الدار الجديدة التي انتقل إليها…

أما في المرحلة التالية، وهي المرحلة الميتافيزيقية، فالناس يحاولون تعليل الأمور بنسبتها إلى قوة مبهمة غير مشخصة، وهذه المرحلة تُعد خطوة تقدمية بالنسبة إلى المرحلة السابقة لها، إذ هي فتحت أذهان الناس نحو التحري عن القوى التي تسير الأمور من داخلها لا من خارجها، وهذه هي أول محاولة لدراسة القوانين التي يجري عليها الكون بمختلف ظواهره، ولكنها على أي حال محاولة قاصرة، إذ هي تعتمد على الاستنباط المنطقي والتفكير التجريدي، وهذا هو ما فعله فلاسفة الإغريق القدماء، و قلدهم فيه معظم الفلاسفة المتأخرين حتى عهد قريب، فهم إذا رأوا ظاهرة تجري على نمط رتيب مرة بعد مرة، قالوا إن ذلك من جراء قوة كامنة في الظاهرة تؤثر فيها دائماً على شكل واحد. وهم قد يعمدون في ذلك إلى التعميم السريع، حيث يجعلون تأثير تلك القوة من الضرورات العقلية التي لا يجوز أن يتجادل فيها اثنان.

وتأتي أخيراً المرحلة الثالثة وهي المرحلة الوضعية العلمية، التي تعتمد على الاستقراء والتجريب وتحاول التغلغل فيها وراء الظاهرة، لكي تكتشف العوامل الواقعية التي أدت إلى إحداثها، وفي هذه المرحلة لا يجوز للباحث أن يقيم بحثه على أساس منطقي تجريدي، إنما يجب عليه أن يتخلص مقدماً من كل تعميم سابق ثم يأخذ بالبحث وهو خالي الذهن، حيث يسير به كيفما تسير به التجربة والدراسة الواقعية.

كذلك أجدني أتفق مع الوردي في انتقاده لابن خلدون فيما يتعلق بالزراعة، فابن خلدون في مقدمته يعتبر الفلاحين ومهنة الفلاحة بشكل عام، هي مهنة الأذلاء قبل أن يعود الوردي ويعلل رأي ابن خلدون في هذا الجانب بتأثره بالحياة الإقطاعية بمجتمعه الذي عايشه بالمغرب، إلا أنني هنا أجد تعليل الوردي ضعيفاً في تبرير ما ذهب إليه ابن خلدون في الزراعة، فالإنسان منذ اكتشاف الحضارات القديمة ارتبط قيامه وتمدنه بارتباطه بالأرض وما يزرع، وتعليل الوردي بأن ابن خلدون ذهب فيما ذهب بهذا الموضوع بسبب حياته التي عاشها، والمرتبطة بالإقطاع في المغرب تعليل غير مقبول، لأن مفكراً مثل ابن خلدون سبق الكثيرين في نظريته الاجتماعية، مهمته هو وغيره من مفكرين في علم الاجتماع النزول للواقع البشري و دراسته بالأدوات المتوفرة كيف ما كانت.

إن المواضيع التي اخترتها و تحدثت عنها أعلاه لا تغنيك بتاتاً عن قراءة هذا الكتاب، الذي أعتبره كتاباً شاملاً، يحتوي العشرات من المواضيع العميقة التي تتحدث عن حياة ابن خلدون وشخصيته ونظريته التي ما زالت تثير الكثير من الجدل، إن ما قدمه الدكتور علي الوردي في هذا الكتاب العميق، هو اختصار لكل ما يخص ابن خلدون ومقدمته التي بعد قراءة هذا الكتاب قد تتغير لديك بعض المفاهيم السابقة، وقد لا تحتاج إلى العودة لها ولو بعد حين…

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى