أصداء وآراءأقلام الكتاب

لم يبـقَ لترامـب سوى الإنتـقام !!..

الكاتب/ د . محمـد السعـيـد إدريـس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

لم يبـقَ لترامـب سوى الإنتـقام !!..

 

إستنفد الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب كل الفرص الممكنة وغير الممكنة القانونية وغير القانونية لرفض نتائج الولايات التي أخذت تصدمه الواحدة تلو الأخرى وتؤكد فوز المرشح الديمقراطي المنافس جون بايدن بالرئاسة.

إستخدم فريق ترامب خيار الطعن أمام المحاكم في النتائج ودفع المشرعين في الولايات لرفض النتائج التي يعلنها حكام ولاياتهم خاصة بعد الإعلان عن فوز جون بايدن بالولايات الخمس التي عرفت بتأييدها تاريخياً للجمهوريين وهى أريزونا وجورجيا وبنسيلفانيا وميتشجن إضافة إلى ويسكونسن وبذلك بلغت حصيلة بايدن في “المجمع الانتخابي” للولايات 306 صوتاً تزيد كثيراً عن المطلوب دستورياً للفوز بالرئاسة وهو 270 صوتاً فى حين تجمدت حصيلة ترامب عند 232 صوتاً في المجمع الانتخابي.

ولقد اضطرت حملته إلى سحب طعنها في نتائج ولاية أريزونا بعد أن أصبح الفارق كبيراً بين ترامب والمرشح الديمقراطي وهو فارق لا يسمح للمسئولين في الولاية بالاستجابة لمطلب حملة ترامب بإعادة الفرز وفى السياق نفسه انسحب محامو ترامب من تمثيله في الطعون المرفوعة ضد نتائج انتخابات ولاية بنسيلفانيا وقالوا (الجمعة 13/11/2020) أن “هذه الخطوة جاءت بعد خلافات حول جدوى الطعون”، بعد تعزيز بايدن انتصاره في نفس اليوم الجمعة الفائت بفوزه بولاية جورجيا، وبعد تأكيدات السلطات الانتخابية الأمريكية نفى وجود أدلة على فقدان أصوات أو تعديلها، أو على وجود عيوب فى الأنظمة الانتخابية خلال الانتخابات الرئاسية، وأن انتخابات الرئاسة يوم 3 نوفمبر الجاري “كانت الأكثر أماناً في التاريخ الأمريكي” حسب وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية التابعة لوزارة الأمن الداخلي، التي أضافت أنه “لا توجد أدلة على أن أي نظام انتخابي حذف أو فقد أصواتاً أو عدلها أو تم اختراقها بأي شكل من الأشكال” على نحو ما تروج حملة ترامب ومحاموه.

السؤال المهم الذى يفرض نفسه بعد هذا كله هو ما عساه ترامب أن يفعل كي يبقى نفسه حاكماً للأمريكيين من البيت الأبيض؟ وبوضوح أكثر ماذا يمكن أن يحدث إذا لم يتنازل ترامب ويقبل طواعية بنقل السلطة سلمياً إلى الرئيس المنتخب جون بايدن ؟

السؤال يكتسب أهميته لأسباب كثيرة إذا عرفنا أن يوم 8 ديسمبر المقبل هو الموعد النهائي للانتهاء من جميع المنازعات الانتخابية (مثل عمليات إعادة الفرز والطعون في المحاكم) وأن يوم 14 ديسمبر المقبل هو موعد اجتماع ما يسمى بـ “الهيئة الانتخابية” أي ممثلي كل الولايات في المجمع الانتخابي، للإدلاء بأصواتهم بشأن منصب الرئيس، أي هو اليوم الرسمي دستورياً للإعلان عن اسم الرئيس الجديد والذى من المقرر أن يتسلم عمله رسمياً ظهر يوم 20 يناير المقبل وهو الموعد النهائي لانتهاء ولاية الرئيس دونالد ترامب .

من أبرز هذه الأسباب أن الرئيس دونالد ترامب لم يظهر أي بادرة حسن نية لتسليم السلطة سلمياً، والمشكلة أن أسرته تدعمه في ذلك وأغلبية الحزب الجمهوري تؤيد هذا الموقف، وجماهيره التي انتخبته مستعدة للتورط في “سيناريو الفوضى”، أي النزول للشارع لرفض نتائج الانتخابات.

فقد غرد ابنه دونالد ترامب جونيور عقب إعلان النتيجة يوم 7 نوفمبر الجاري مطالباً والده بـ “خوض حرب شاملة بشأن هذه الانتخابات” وقال “أفضل شيء لمستقبل أمريكا هو أن يخوض دونالد ترامب حرباً شاملة بشأن هذه الانتخابات لفضح جميع عمليات التزوير والغش”، في ذات الوقت رفضت إميلي ميرفي التي بيدها مفاتيح نقل السلطة في البيت الأبيض إلى الرئيس المنتخب جون بايدن بأوامر من الرئيس دونالد ترامب، حيث رفضت التوقيع على خطاب يسمح لفريق بايدن الانتقالي بدء العمل رسمياً والوصول إلى الوكالات الفيدرالية والصناديق الانتقالية، لم يتوقف الأمر على ذلك بل امتد إلى منع إمداد جون بايدن بالإحاطات الاستخباراتية، رغم كل ما يمكن أن يتسبب فيه ذلك من أضرار بالأمن القومي الأمريكي حسب شهادة كبار المسئولين السابقين بالأمن القومي، وتطور الأمر يوم السبت الفائت (14/11/2020) بإيعاز من ترامب لمؤيديه بالتظاهر في “مليونية رفض” لنتائج الانتخابات، هذه التظاهرة التي وصفت بـ “المليونية” رغم أن عددها لم يتجاوز عشرات الآلاف رفعت شعار “اجعلوا أمريكا عظيمة من جديد”، وقد تكون مقدمة لمليونيات أخرى كثيرة يراهن فيها على الـ 71 مليون ناخب الذين انتخبوه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إجراء هدفه “تمكين الشعب من أن يقول كلمته” و”تجاوز الأطر الدستورية والانتخابات ونتائجها”، ما يعنى إدخال الولايات المتحدة في دوامة غير مسبوقة من عدم الاستقرار على نحو ما حدث في تظاهرة أمس الأول الأحد في واشنطن بالقرب من البيت الأبيض التي نظمها مؤيدو ترامب ووقعت خلالها صدامات مع متظاهرين آخرين مؤيدين لجون بايدن  وهو ما حذر منه جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق لدونالد ترامب فى حديث مع شبكة “سي إن إن” الإخبارية (الأحد 15/11/2020) بقوله : إن دونالد ترامب بتصرفاته الأخيرة “قد يسبب ضرراً كبيراً للأمن القومي”، معرباً عن مخاوفه من أنه “لن يرحل بهدوء” بعد خسارته الانتخابات الرئاسية.

فمع كل يوم يمر يقدم دونالد ترامب تأكيدات عملية تقول أنه “لن يرحل” وأنه “إذا أجبر على الرحيل فإن الثمن سيكون فادحاً”، وأن هذا الثمن ربما يتجاوز كل الخطر الذى يتهدد الداخل الأمريكي والانقسام الحاد الذى قد ينعكس سلبياً على الاستقرار السياسي والاجتماعي، إلى العربدة في الخارج ضد المصالح الأمريكية، ولعل هذا ما يفسر دوافع ترامب للقيام بعمليات تطهير غير مسبوقة في وزارة الدفاع الأمريكية لفرض مسئولين يدينون له بالولاء ويأتمرون بأوامره، استعداداً للتورط في عمل عسكري خارجي يرجح أغلب المراقبين أنه قد يكون ضد إيران لقلب الطاولة كلها في وجه الرئيس المنتخب جون بايدن الذى كان قد ألمح إلى أنه سيعمل على مراجعة الموقف الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني والعقوبات المفروضة على إيران.

بدأت هذه الإجراءات بإقالة مارك أسبر وزير الدفاع، الذى كان قد رفض إدخال الجيش الأمريكي في مواجهة مع المتظاهرين في المدن الأمريكية بعد مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد (أسود البشرة) على يد شرطي أمريكي (أبيض البشرة)، وأحل مكانه كريستوفر ميلر، وزيراً للدفاع بالوكالة، المعروف بولائه لترامب. وكان أسبر المقال قد سبق له التحذير من وجود شخص في مكانه “لا يقول لترامب إلا نعم”. كما عين ترامب ثلاثة مسئولين آخرين في مناصب بارزة بالبنتاجون منهم الجنرال المتقاعد أنطوني تانا في منصب القائم بأعمال وزير الدفاع للشئون السياسية بدلاً من جيمس أندرسون الذى أجبر على الاستقالة، كما عين عيزرا كوهين لمنصب نائب الوزير لشئون الاستخبارات خلفاً لجوزيف كيرنان، وعين كاشي باثيل لمنصب كبير الموظفين فى مكتب وزير الدفاع بالوكالة. والمعروف أن الجنرال أنطوني تانا يعد من أشد المعادين للإسلام ويصفه بـ “الديانة الأكثر قمعاً” كما وصف الرئيس السابق باراك أوباما بأنه “زعيم إرهابي قام باحتواء إيران لتقوم بسحق إسرائيل”، كما هاجم خلفية أصول أوباما الأفريقية واتهمه بأنه “مسلم”.

مسئولون أمريكيون سابقون في الأمن القومي أبدوا قلقهم ومخاوفهم من تداعيات عملية التطهير تلك التي أجراها ترامب بوزارة الدفاع وحذروا من إمكانية توجيه ترامب ضربة عسكرية لإيرن على نحو ما حذر كورى شاك الذي خدم في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش وتقلد أيضاً مناصب رفيعة في البنتاجون. 

وقال شاك : إن عدداً من الأشخاص الجادين في مجال الأمن القومي “قلقون حقاً من أن تطهير ترامب لوزارة الدفاع يضع أشخاصاً أكثر مرونة من أجل أن ينهى إدارته بضجة”. وبدوره حذر نيكولاس بيرنز الذي عمل وكيلاً لوزارة الخارجية وتقلد العديد من المناصب الرفيعة من أن “خبراء السياسة الخارجية قلقون من توجيه ضربة استباقية ضد إيران”.

هذه التحذيرات تدعمها مؤشرات مهمة منها صدور بيانات من الإدارة الأمريكية تتحدث عن سحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط وهى خطوة ربما تهيئ المجال لشن الحرب على إيران دون تمكين الأخيرة من الانتقام من القوات الأمريكية في المنطقة، ومنها أيضاً الجولة التي يقوم بها هذا الأسبوع مايك بومبيو وزير الخارجية في بعض دول المنطقة، التي يتوقع البعض أن يكون هدفها تعبئة الدول الحليفة في المنطقة وتحشيدها من أجل هذه الحرب.

لكن يبقى السؤال هل مازال في مقدور دونالد ترامب الانتقام وهل سيقبل الجيش الأمريكي خوض مثل هذه المغامرات سواء كانت في الداخل الأمريكي ضد معارضين لترامب أو خارج الولايات المتحدة ؟ هذا هو التحدي، أو بالأحرى، الخطر الذي يتهدد الولايات المتحدة..

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى