أصداء وآراءأقلام الكتاب

وداعـاً أيـها الساحـر المـجـنـون !!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسي

 

 

وداعـاً أيـها الساحـر المـجـنـون !!..

 

 

أنا حقيقة من المعجبين بمارادونا .. معجب جداً ولكن ليس لدرجة السقوط..

صدقوني أنا أتابع مارادونا حين كان مارادونا لاعبا جميلاً ورشيقاً ولكن ليس درجة الهوس والغثاثة..

كل الإعلام العالمي يحتفي حزناً بلاعب كرة قدم، وكأننا نعيش في مدرجات ولا نعيش في كرة أرضية تعاني الكوارث والأهوال والعاهات والمجازر  والقهر والفواجع ..

منذ أن أعلنت الأرجنتين وفاة مارادونا على اعتبار أنه أسطورتها  وسائل الأعلام لم  تنم..

وكأن لم تنجب الملاعب غير مارادونا .. وكأن لم يسرق أحد الكرة بيده إلا مارادونا .. وكأن مارادونا هو آلهة كرة القدم الإغريقية..

تقول الجماهير الأرجنتينية أن مارادونا هو أسطورة الأرجنتين الوحيدة !!

هذا ليس كلامي ، هذا كلام كثير من المواطنين الأرجنتينين أثناء جنازة أسطورتهم..

قالوا : لولا مارادونا لما عرفت الأرجنتين !!..

إذن من حق الأرجنتين أن تُشَيّعَ جنازة أسطورتها .. لكن لماذا العالم يحزن معها بهذه الطريقة الهستيرية ؟؟!!..

مارادونا اصبح في لحظة واحدة أشهر من كل كُـتّاب أمريكا اللاتينية العظماء الذين كتبوا أجمل السطور للبشرية وخلدوها ..

أظن حتى الأرجنتينيّين لا يعرفون عمالقتهم كأمثال :

خورخي لويس بورخيس – إرنستو ساباتو ..

خوليو كورتاثر – ليوبولدو لوجونس ..

لأنهم يعرفون مارادونا فقط ، ولا أحد غير مارادونا !!..

مباراة واحدة لمارادونا تحرق كل كتب ومؤلفات أدباء الأرجنتين..

هدف واحد لمارادونا ينسف كل جهود أولئك العباقرة الذين أتحفوا العالم بأجمل الكتابات وأروع الأفكار..

يا لها من تفاهة بشرية لا يمكن وصفها..

حين انتصرت إنكلترا على الأرجنتين في العام 1982 إعتبرت الهزيمة مساوية لاحتلال جزر فوكلاند الأرجنتينية..

فجاء انتصار الأرجنتين في كأس العالم عام 1986 ، كأنه انتصار على بريطانيا العظمى ، واسترداد لكل شبر سرقه المستعمر الذي لا تغيب عن امبراطوريته الشمس .. أيعقل هذا ؟؟!!..

كيف وصل العالم إلى هذا المستوى من السخافة ؟؟!!..

باختصار  لأننا نعيش في  عالم بلا عقل .. عالم  بلا  وجدان..

عالم يحزن  على لاعب كرة قدم ، ولا يكترث بالعظماء وأنبياء الأدب والفكر والثقافة ، وملايين المعذبين في الأرض ،  المُهَجّرين  من أرضهم المحروقون في ديارهم !!..

مارادونا الساحر عاش ستين عاماً .. نصفها عاشها مُدْمِناً متمرّغاً في عالم الدخان الأزرق والنساء والخمور بأجود أنواعها..

إستمتع بحياته كلها دقيقة دقيقة..

ومات مُتْخماً بالنَّشوة غارقاً في المتعة..

إستقبله رؤساء وحكام دول ، وهو جاهل أحمق لا يعرف يكتب جملة صحيحة..

إستضافه “فيدل كاسترو” (أيقونة النضال العالمي) لأنه كان ينقش وشم صديقه “جيفارا” على يديه  وظهره ، فاستقبله استقبال الفاتحين ، وقَلَّده وسام المناضلين ، ومنحه فرصة نقاهة طويلة في  هافانا على نفقته الخاصة  للعلاج من الإدمان..

ولكنه عاد من كوبا أشد إدماناً .. وأشد صعلكةً وعُهْراً..

فالطبع يغلب على التَّطَبُّع .. ومن شب على شيء شاب عليه..

هنا تكمن صفاقة  العالم !!..

في الأرجنتين يموت سنويا 30 ألف إنسان بسبب الفقر والمرض والجوع ، في الوقت الذي كان مارادونا يتمتع في قصره ويخته وحديقته ولا يكترث بتلك الجثث التي تتجمد في شوارع “بوينس آيرس” وبجانب صناديق القمامة في مدينة  كوردويا أو مدينة روساريو..

مات كثير من عظماء الإنسانية وعمالقة العلم والفكر والأدب ، ولم يذكرهم أحد كما ذكر العالم  قدم  الساحر مارادونا !!..

مات بورخيس في العام 86 ، ومات ساباتو في العام 2011 ، ولم تخرج جنازتهما من القصر الرئاسي .. بينما خرجت جنازة الأسطورة مارادونا من القصر الرئاسي تجوب شوارع “بوينس آيرس” محفوفة بالزهور والدموع..

إنها كرة القدم .. الساحرة اللعينة المستديرة..

مارادونا الساحر بكته القلوب والصحف والنساء ، وهذا العالم الأحمق المجنون..

نعم أعترف بأن مارادونا أيقونة كروية .. وأسطورة ملاعب..

أعترف بأن مارادونا متعاطف مع القضية ، لأنه رفع علم فلسطين مرة واحدة في حياته ، أثناء زيارته للإمارات..

لكنه أيقونةٌ هشةٌ جداً ، أيقونةٌ باهتةٌ ، أيقونةٌ مهشّمةٌ ناقصةٌ للغاية..

الأيقونات غالباً تتصف بالجمال والإمتلاء في مختلف الجوانب .. لكن الساحر مارادونا أيقونةٌ هزيلةٌ جداً .. فمنذ العام 2000 وربما قبلها  وهو يعيش في فراغ روحي ، واضطراب نفسي ، وعبث سلوكي ، وحياة فوضوية لا مثيل لها..

صمت العالم ونسي مارادونا تماماً..

منذ العام 2004 إلا من بعض الصحافيين الذين يلاحقون عثرات المشاهير ويتتبعون عوراتهم..

لقد ترك العالم مارادونا يتخبط في ظلامه الحالك بين المخدرات والنساء ، وملاحقة قضايا الأبناء الكُثْـر الشرعيّين وغير الشرعيّين الذين لم يعترف سوى بخمسة منهم فقط !!..

وفجأة مات الأسطورة .. وقرعت الطبول الميتة ورقص العالم حول جثته..

هل كان مارادونا فيلسوفاً يؤمن بالعبث والفوضى ؟!!..

هل كان ناسكاً متعبداً يعبد أصنام الفوضى وآلهة النسيان ؟!!..

هل كان مارادونا مقرئاً .. يرتّل الإنجيل بأرجيلةٍ محشُوّةٍ بالحشيش ؟!!.

هذا الساحر الذي كان يتحكم بالكرة بطريقة مغناطيسية .. لم يتمكن من السيطرة على نفسه ، وانتهاج نهج سليم في حياته .. وإصلاح سلوكه..

فعاش مترنحاً لا يكاد يصحى من سكرةٍ  إلا ويعود إلى سكرةٍ  أخرى ، حتى انفجرت دماغه وتجلطت شرايينه أكثر من مرة .. ولم يتعلم كيف يعالج الخلل ، ويمنع الترنح ، ويكافح السقوط والزّلل !!..

إستطاع صاحب الفخذين الذهبيتين أن يحقق حلمه الكبير ، فانتقل بسرعة البرق من بيت الصفيح ، وعاش في قصر الرخام والحرير .. وفي الطريق المحشو بالزهور والأشواك ، ضل السبيل فغرق في الوحل وغاص في الحضيض..

فتاهَ في عالم لمال والترف والجنس بمرافقة عصابات الكامورا الإيطالية .. التي عبأت رصيده بالملايين ، ولوثت جسده بالجنس وأغرقت روحه بالحشيش والمخدرات ، فسقط ممزق الروح طريح السرير ، صريع الهوس والشخير..

عاش مارادونا كإمبراطور صيني مجنون .. ينهض في الصباح ليكسر كل تُحَفِهِ وأوانيهِ الثمينة ، ويُمزّق ستائر الحرير في نوبات العُهر والمُجون والجنون..

عاش مارادونا ولم يشفع له غيفارا العظيم رغم الحب والعشق والتاريخ المجيد..

عاش مارادونا ماجِناً باذِخاً كأكبر عربيد..

ومات ساذجاً مسكيناً كأفقر فقير ، ولم تعزيه عائلة إسكوبار ملك الكوكايين الذي أغدق عليه الملايين ، وأهداه ذهباً وبيتاً وعشرات الكيلو جرامات من  المسحوق الأبيض الثمين !!..

ولم يرافقه وسام فيدل كاسترو ولا سيجارته ولا عناقه القديم ولا ديكتاتوريته العتيدة..

مات مارادونا بعد أن تمزقت روحه بين عشاقه الأمراء المجرمين والصالحين والقدّيسين وكل الفاسقين الأحرار..

مات مارادونا كأسطورة إغريقية .. وانتهى كصنم هندوسي تُحْرَقُ تحت قدميه الأبخرة والأحذية فتشتعل النيران..

وربما أجمل وأغرب ما في حياة مارادونا هو ذلك التناقض العميق الصارخ .. شهرةٌ وصلت إلى النجوم حتى عانقت الكواكب ، وسقوطٌ مُدَوٍّ في الحصى والتراب ، فارتطم بالقاع والحضيض !!..

هكذا عاش مارادونا .. وهكذا رحل من عالم لا تستسيغه الملائكة ، من كوكب تعشقه العفاريت والشياطين..

ومع ذلك أنا مضطر أن أقول :  وداعا أيها الساحر المجنون !!..

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى