أصداء وآراءأقلام الكتاب

السياسة الخارجية الأمريكية .. الإتفاق النووي الإيراني !!..

الكاتـبة/  د . كـريمـة الحفـنـاوي

 

السياسة الخارجية الأمريكية .. الإتفاق النووي الإيراني !!..

 

علمتنا الأحداث وعلمنا التاريخ أنه من قلب الفوضى تنشأ بوادر الاستقرار، وانه عند نشأة فراغ إقليمى فى منطقة حيوية من مناطق العالم (كالشرق الأوسط مثلاً)، فإن هذا الفراغ لايستمر طويلاً، وسرعان ما تنجذب إلى الإقليم دولة أو عدة دول لتملأ الفراغ وتحل محل الدولة المنسحبة.

وصف العديد من باحثي النظام الدولى حكم ترامب للولايات المتحدة الأمريكية بأنها (مرحلة سيولة دولية)، نتيجة لسياسات ترامب التى اعتمدت على عدم الالتزام بالمعاهدات الدولية والتخفف من الالتزامات الدولية نحو العالم، مما أحدث شرخاً وصدعاً فى العلاقات الدولية وأثر على معظم دول العالم.

بعد إعلان فوز جو بايدن فى انتخابات الرئاسة الأمريكية، ينتظر المجتمع الدولى أن يفى بتعهداته الانتخابية بعودة الولايات المتحدة الامريكية للانضمام مرة أخرى للاتفاقيات والمعاهدات الدولية التى انسحبت منها فى عهد الرئيس دونالد ترامب، والذى طبَّق سياسة “أمريكا أولا” بالانسحاب الممنهج من هذه الاتفاقيات، والتى بدأت بالانسحاب من اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادى والتى تمثل 40% من الاقتصاد العالمى بقيمة 11 تريليون دولار، وبعدها الانسحاب من اتفاقية  تغيرالمناخ التى وقعتها أمريكا عام 2015، تلاها الانسحاب من منظمة اليونسكو بتبرير أن المنظمة منحازة للفلسطينيين على حساب ما يُسمّى بـِ”إسرائيل” واحتجاجاً على قرار منح فلسطين عضوية كاملة بالمنظمة، وبعدها انسحبت أمريكا فى مايو 2018 من الاتفاق النووى الأمريكى الذى تم إبرامه مع إيران و5 دول أخرى (روسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين)، بزعم انتهاك إيران للاتفاق النووى وذلك بالرغم من تأكيد وكالة الطاقة الذرية حينذاك بالتزام إيران ببنود الاتفاق النووى، كما انسحبت أمريكا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

تماشيا مع سياسة أمريكا المدافعة عن أمن ومصالح الكيان الصهيونى انسحبت من البروتوكول الاختيارى بشأن حل النزاعات، الملحق بمعاهدة فيينا، وذلك بعد ان لجأت فلسطين لمحكمة العدل الدولية لتقديم شكوى ضد الولايات المتحدة بشأن اعتراف الأخيرة بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ومن أبرز الانسحابات معاهدة القوى النووية المتوسطة فى فبراير 2019 التى أبرمتها أمريكا مع الاتحاد السوفيتى عام 1987، وتحظر المعاهدة وضع صواريخ متوسطة وقصيرة المدى بين 500 و 5500 كيلو متر، وبالطبع هذا الانسحاب يزيد من مخاطر اشتعال الحروب.

ومن الجدير بالذكر أن من حق رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الجديد، إلغاء قرار الانسحاب من الاتفاقيات والمعاهدات التى انسحب منها ترامب.

استمر ترامب فى انتهاج سياسة العقوبات الاقتصادية ضد العديد من الدول، أبرزها إيران وروسيا وفنزويلا، التى حاول ترامب دعم إنقلاب يمينى تابع لأمريكا ضد الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، وعندما فشل الانقلاب أمام صمود الشعب الفنزويلى ضرب ترامب حصاراً اقتصادياً، من أجل تجويع الشعب فى محاولة يائسة لتمرير مخططه فى دعم اليمين فى أمريكا اللاتينية التى يعتبرها الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية.

حاول ترامب وقف صعود القطب الصينى بإعلان حرب تجارية مع جمهورية الصين الشعبية، ومحاربة شركات التكنولوجيا المتقدمة الصينية، وواجهت الصين ذلك بانتهاج سياسة مثيلة فى التجارة بل واستطاعت مد يد العون لجميع دول العالم، وفق سياسة المنفعة المتبادلة والحفاظ على سيادة الدول، وتعاونت مع كل الدول لمواجهة الفيروس القاتل كوفيد 19 المستجد وفق سياسة رباطة المصير المشترك للإنسانية.

لقد استمرت السياسات الترامبية الأمريكية فى تأجيج الحروب والصراعات فى منطقة (الشرق الأوسط)، فى ليبيا وسوريا والعراق. كما تخطّت كل الشرائع الدولية فى انحيازها التام للكيان الصهيونى، وتشجيعة على قيام الدويلة اليهودية وعاصمتها القدس الأبدية، مع التوسّع فى بناء المستوطنات، بل وضم المرتفعات السورية المحتلة (الجولان)، وأيضاً ضم الأراضى الفلسطينية المحتلة فى الضفة الغربية، وضم غور الأردن، وتهديد نتنياهو الأردن باحتلاله، علناً وبكل وقاحة، وهذا على حساب الشعب الفلسطينى وحساب قيام الدولة الفلسطينية.

وفى الأيام الأخيرة، وبعد ظهور نتائج الانتخابات الأمريكية بخسارة ترامب فى ولاية رئاسية ثانية، ونجاح الرئيس جو بايدن، صعَّد ترامب من سياساته تجاه إيران وهدّد بشن الحرب عليها بضربة لمفاعلها النووى وظهرت بوادر اشتعال حرب واسعة على المنطقة، ولاحت شواهد تؤيد هذه الخطة ومنها قيام ترامب بعمليات تغيير واسعة وغير مسبوقة داخل وزارة الدفاع الأمريكية بدأت بإقالة مارك أسبر وزير الدفاع السابق (الذى كان قد رفض إدخال الجيش الأمريكى فى مواجهة مع المتظاهرين فى المدن الأمريكية بعد مقتل جورج فلويد المواطن الأمريكى من أصول إفريقية على يد الشرطى الأبيض)، وحل محله كريستوفر ميللر وزير الدفاع بالوكالة. هذا بجانب صدور قرارات لسحب القوات الأمريكية من (الشرق الأوسط) من العراق وأفغانستان حتى لاتطالها الأذرع العسكرية لإيران إذا مااندلعت حرب فى المنطقة.

ولكن، فى الأيام الأخيرة، قرّر ترامب وقف المضى قدماً فى تنفيذ الضربة، بعدما حذر مجلس الأمن القومى الأمريكى، ونائب الرئيس مايك بنس ورئيس هيئة الأركان المشتركة حذروا ترامب من أن توجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية يمكن أن يتصاعد بسهولة لصراع كبير، يطال أمن المصالح الأمريكية فى المنطقة ويطال أمن إسرائيل.

ومن الجدير بالذكر، أن سياسة ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووى الإيرانى مُنيت بالفشل، نتيجة لعدم استجابة الدول الأوربية الموقعة على الاتفاق للانسحاب من جهة، ومن جهة أخرى نتيجة محاولة تلك الدول الالتفاف على قرارات العقوبات وإنشاء آليات جديدة للتعامل مع إيران. وفى الشهور الثلاثة الماضية منيت سياسة أمريكا – ترامب ضد إيران بالمزيد من الفشل بعدما رفض مجلس الأمن الدولى الاقتراح الأمريكى بمد العقوبات الدولية الاقتصادية والعسكرية على إيران، بعد إنتهائها فى 18 أكتوبر 2020، وأيضاً رفض تفعيل آلية “سناب باك” والتى تقضى بحظر تصدير واستيراد الأسلحة لإيران لإخلالها بالاتفاق النووى.

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى ماجاء فى جريدة (الأهرام) المصرية 20 يوليو 2020، للدكتور حسن أبو طالب عن الاتفاق الإيرانى الصينى والذى كشفت بنوده جريدة (نيويورك تايمز)، باعتباره توثيق العلاقات بين حضارتين وثقافتين آسيويتين، وهذا الاتفاق يعتبر “وثيقة شراكة بين دولتى الصين وإيران لدعم الاقتصاد الإيرانى والقدرات العسكرية من خلال استثمارات تقدر بـ 400 مليار دولار، تشمل مجالات الطاقة والاتصالات الحديثة والصناعات العسكرية والبُنية الأساسية الحديثة، مقابل حصول الصين على نفط بأقل من أسعاره العالمية بنسبة 35%، مع مَوقِع قَدَم يوظّف للأغراض العسكرية على الخليج العربى”.

إن التقارب والتعاون بين الصين وإيران يدل على فشل سياسة العقوبات الأمريكية المطبقة ضد بلديهما.

إن دول أوروبا، وعلى رأسها فرنسا، تأمل فى إعادة الحياة للاتفاق النووى الذى تعتبره أوروبا صمّام أمان لمنع الانتشار النووى فى المنطقة. ولقد أجمع عدد من أبرز الخبراء الأمريكيين والأوروبيين (فى حديثهم للصحفية منال لطفى بجريدة “الأهرام” المصرية فى عدد 30 أكتوبر 2020، قبيل الإنتخابات الأمريكية)، أجمعوا على أهمية العودة للإتفاق النووى الإيرانى، ومنهم بربارا سلافين مديرة برنامج مبادرة مستقبل إيران فى المجلس الأطلنطى بواشنطن، حيث قالت “أعتقد أن العودة للاتفاق النووى مع إيران ستكون معقدة ولكن ليست مستحيلة”، وأضافت “بايدن سيعود للاتفاق النووى الإيرانى شريطة أن تفعل إيران ذلك أيضاً، بمعنى أن توقف انتهاكتها لبنود الاتفاق خاصة رفع معدلات تخصيب اليورانيوم”. 

لقد أعلن بايدن أثناء حملته الانتخابية، عن أنه مستعد للعودة إلى الاتفاق النووى الإيرانى، وبالرغم من ذلك حصد أصوات عدد ضخم من أصوات يهود أمريكا، بمعنى أن هناك وجهة نظر ترى أن سياسة بايدن تجاه إيران ربما تخدم “إسرائيل”، بتقوية جناح الإصلاحيين فى إيران، وبالتالى تسهم فى ترشيد السلوك الإقليمى الإيرانى.

يأمل العالم وينتظر من الرئيس الجديد إعادة النظر فى السياسات الخارجية والعمل على استيعاب مايجرى فى العالم من متغيرات.

هل سيكون جو بايدن الأمل فى عودة الدور الأمريكى المُتّزن، الذى يمكن أن يعتمد عليه الحلفاء فى الداخل والخارج؟

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى