أصداء وآراءأقلام الكتاب

إكتشف ذاتَك لما بعد التّقاعد..

الكاتبة/ د . رضية بنت سليمان الحبسية

Radhiyaalhabsi@gmail.com

 

إكتشف ذاتَك لما بعد التّقاعد..

 

قد يتبادر إلى ذهن قارئ العنوان تساؤلات، منها : أيُعقل اكتشاف الذّات لما بعد التّقاعد؟! أو ما الجدوى بعد انقضاء زمن ؟

ألا يُعدّ ذلك فعلًا متأخرًا ؟ أفي العمر مُتّسعٌ لاكتشاف الذّات مُجددًا ؟.

إنّ الهدف الأساس من طرح هذا المقال، لا يتنافى مع ما تضمنته تلكم التّساؤلات، وفي ذات المقام، فإنّ اكتشاف الذّات لا يرتبط بمرحلة عمريّة، أو محطة وظيفيّة، بل هي عملية مراجعة وتقييم للذّات بين الفينة والأخرى، ومرحلة ما بعد التّقاعد إحدى تلك المحطات الحياتيّة التي يصل إليها الفرد، بعيدًا عن سنوات العمل التي قضاها، أو عمره الحقيقي الذي بلغه.

فتخطيط الفرد لمستقبله حكمة، وتفكير عقلاني لواقع كائن؛ إيمانًا بقدراته لتحقيق الأجود؛ إستمرارًا للنمو والتّطور، ما دامت الحياة مستمرة.

إنّ الرغبة الدفينة في النّفس البشرية للوصول إلى السعادة وتحقيق الاستقرار النّفسي، باعث لاكتشاف الذّات، وتجديد قراءتها المتفحصة لمعارفها ومهاراتها المتراكمة، التي اكتسبتها مع تعاقب الأيام والسنين. بالإضافة إلى سبر أغوار إمكاناتها وقدراتها الكامنة، التي لم تُفَعّلها في مواقف بذاتها، أو لم تتح لها الفُرص المواتية لإطلاقها، وهنا أُشير إلى قول ستيف جوبز مؤسس شركة آبل حول أهمية اكتشاف الذّات : “يحتل عملك جزءاً كبيراً من حياتك، والسبيل الوحيد لتكون راضيًا هو أن تفعل حقًا ما تعتقد أنه عمل عظيم، والطريقة الوحيدة للقيام بعمل عظيم، هو أن تحب ما تفعله، وإذا لم تجد ما تحبه، واصل البحث ولا تستسلم” .. بمعنى أنّ عملية البحث عن الأجمل والأجدر غير مقرون بأزمان أو أحوال، أو مواقف، بل عملية ومنهجية منطقية لمواصلة السير بكل روح حماسية وخُطى واثقة.

تتمثل إدارة الذّات في قدرة الفرد على توجيه مشاعره وأفكاره وإمكانياته نحو الأهداف التي يصبو إلى تحقيقها، وعلى اعتبار أنّ الأهداف متجددة وفارضة لنفسها، مادام الإنسان باقٍ، اتّسَعَت أو قَصُرَت، تقلّصت أو تضخمّت، فالفيصل واقعيًّا، أنْ يكون للإنسان هدفٌ في الحياة، شعورٌ داخليٌّ بجمالها.

وأهميةُ إشباع رغباتها، تتولّد نتيجة الإندماج المجتمعي، واتساع الامتزاج الإنساني، ومن هذا المنطلق، فإنّ الفرد يستطيع أن يفهم ذاته المتطورة، ويديرها بإتقان، من خلال التّفكير السّليم، والتخطيط القويم لمرحلة ما بعد التّقاعد، واستثمار خبراته المكتسبة والمتنوعة في مجالات متباينة : ذاتية، مهنية، إجتماعية، إدارية ومالية.

يقول المخترع توماس أديسون ”أنا لم أفشل، أنا فقط اكتشفت عشرة آلاف طريقة غير ناجحة” .. إنّ هذه المقولة الشهيرة ترسم للمتأمل ملامح الأمل لتحقيق النّجاح، برغم حالات وخبرات غير موفقة سابقة، بغض النظر عن مجال المحاولات أو طبيعة الغايات.

فالتّفاؤل سمة تُسعف المناضل للوصول إلى هدفه ومبتغاه، وإنْ تراكمت عليه صروف الحياة، أو غدت حياته في أثوابٍ رثَّتْ هيئته، فإنّ الثّقة بالنّفس أُولى الأسس لاكتشاف مكنونات الذّات، بأنّ صاحبها يمتلك الكثير، ومازال لديه المزيد.

إنّ حياة المرء هي نتاج لما تصوغها أفكاره، كما إنّ جميع أفكارنا، سواء كانت بسيطة أو أفكارًا مجردة، هي نتيجة إشارات كهربائية تسير في شبكة الدماغ، وما تُمثّله عملية التفكير هي عملية تحويل المدخلات إلى نتائج بوساطة الدماغ، عليه، فإنْ ترسخّت لدى الفرد المتقاعد أو المُقبل على التّقاعد قناعة مفادها : مازلتُ معطاءً، قادراً على تغيير وجهتي واهتماماتي، لذا فإنّ العقل الباطن يستجيب لتلك المنبهات،  ويترجمها إلى واقع وسلوكيات، تتمثل في حب التّجديد، وشغف العمل، ممزوجة بروح المغامرة والإقدام، الأمر الذي سيبدأ معه صاحبه بتحديد أهدافه المستقبلية، وآليات تطوير مهاراته ومعارفه الضمنية، وتحديث سيرته الذاتية، مغلفة بقوة الصبر والإصرار؛ لإثبات الذّات في مرحلة لاحقة من مراحل أيامه المتقدمة.

إنّ اكتشاف الذّات عملية إيجابية، تبدأ بمعرفة الذّات جيدًا، ولا تأتي تلك المعرفة مع التقادم في العمر، إنّما عن طريق التّصالح معها والوعي التّام لما يقوم به الفرد، لذا فإنّ على الشخص المتقاعد أو المخطط له، تغيير طريقة تفكيره؛ لتتغيّر معه حياته الجديدة. إذ يُمثل التّفكير الإيجابي بداية الطريق لإطلاق الطاقات الإبداعية، من خلال ممارسة التّأمل الذاتي في المهارات والإمكانات التي يحتفظ بها الفرد ويتفرد بها، وبالتالي سيتحرر عقله من الأفكار السوداوية، والأمر يتوجب معه شحن بطاريته، وتجديد عزيمته، وصولًا لحياة ملؤها النشاطات، ومضاعفة الإنجازات.

إنّ ما يعتقده الإنسان من آراء، يجد له مرعىً خصبًا داخل عقله، لذا فإنّ على المخطط للتّقاعد رَيَّ فكره بعدد من الممارسات، وذلك بتعزيز الطاقات المحركة والمحفّزة لمجابهة المحبطات والمثبطات، كأن يثق في قدراته، وأن يتعرف على فِراسته، وبالإيجابيّين يحيط نفسه، ويرسم مخططاً نشطاً ومرناً لحياته، ويأخذ النماذج الناجحة قدوةً لأهدافه، والاستعانة بناصح حاذق في توجهاته ومواجهة تحدياته.

أخيرًا : إنّ النّجاح الحقيقي في الحياة، هو أن نعيش ذواتنا، سواء تقدّم بنا العمر أو تأخر، تبدلت الظروف أو استقرت، هنا تكمن أهمية التّقييم المستمر للمواهب والهوايات، ووضع التدابير المُحْكَمَة لاستغلالها، خاصة في مرحلة ما بعد التّقاعد، فالتطوير المقنّن في أسلوب ونمط الحياة، حماية للفرد من جمود الأفكار، وروتين الأيام، ورتابة السنين.

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى