أصداء وآراءأقلام الكتاب

أمـوت أو لا أمـوت هـنا هـي القـضـية !!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسي

 

أمـوت أو لا أمـوت هـنا هـي القـضـية !!..

 

أخذ يتأمل شهادة البكالوريوس المعلقة في صدر  الغرفة ..

أخذ يمسح زجاجها بقطعة قماش صغيرة وضعها خصيصا لهذا الغرض ..

طوال ثلاث سنوات واضب كل صباح على تلميع واجهة شهادته ..

بكالوريوس في تقنية المعلومات .. بتقدير جيد جدا ..

أكْمَلَت اليوم 5 سنوات بالتمام على هذا الجدار ..

فجأة صرخ عليها : “ألم تَمَلّي من الوقوف .. متى ستسقطين وتتكسّرين وتموتين” .. بصق عليها ..

ثم ضحك ضحكته الهستيرية المعتادة..

فدخلت عليه أمه بسرعة فهي تفزع كلما سمعت هذه الضحكة الهستيرية المرعبة..

فقالت : تعوذ من ابليس يا فيصل .. سيفرجها ربك..

نظر إلى صورته مع صديقَيْه الحميمَيْن متكئة على طاولة القراءة .. هذه الطاولة التي انحنى عليها سنوات ليحصل على تلك الورقة الرخيصة  المعلقة في صدر الغرفة..

4 سنوات من الألم مضافاً إليها 5 سنوات من  الإنتظار والإحتراق  مقابل ورقة لا قيمة لها .

مرة أخرى تأمل صورته التي تجمعه بصديقَيْه الحميمَيْن مازن وإبراهيم، صديقي الطفولة الذين التحقا بجهاز الشرطة بعد ثانويتهما مباشرة .. بينما قرر هو المواصلة .. لقد كان طموحاً حالماً ومثابراً..

لقد اختصرا الطريق كثيراً .. وهاهما الآن كل منهما يملك بيتاً وطفلاً وسيارةً وفِراشاً دافئاً..

خرج من غرفته قاصداً الخروج من البيت..

قالت له أمه : الخير جاي يا ولدي لا تيأس..

قبلها فوق رأسها وهمس لها : نعم الخير جاي يا أمي .. سأذهب لأنتظره على الشارع !!..

منذ خمس سنوات وهو يركض إلى العاصمة ..

يقرع مختلف الأبواب  الزجاجية  والخشبية   ..

وجلس طوبلاً ينتظر فوق أرآئك الإستقبال الجلدية الفارهة..

كل موظفي دائرة العمل يعرفونه أكثر من مديرهم ومسؤولهم..

نام في المساجد .. وطلب صدقات طعام من أصحاب المطاعم .. ووقف الساعات ينتظر على الشوارع كعمود إنارة صَدِئ منطفئ  منسياً منذ سنوات .

لذلك وصل إلى قرار خطير ومثير (كما عشت بطريقة مثيرة، لابد أن تكون نهايتي بطريقة مثيرة .. يجب أن أنهي حياتي بمغامرة فريدة) !!..

كان فيصل يملك قارباً صغيراً كان يستخدمه لكسب رزقه في مواسم الصيد ووفرته .. ولكن غالبا كانت تخرج شباكه فارغة كفراغ هذا العالم..

لقد انعدمت مواسم الصيد، وضاعت بركة البحر، وشَحَّت الأسماك، وخاصم الخيرُ  الناس..

قرر فيصل أن يكون هذا القارب هو قاربه إلى الموت ووسيلته إلى الانتهاء، وطريقه إلى الفناء والوداع..

لم يخبر أحداً بخطته ولم يطلع صديقاً على نواياه، فجهز خطته دون  أن يلاحظ أحد من أسرته شيئاً من سلوكه..

كان يضاحكهم وقلبه يغلي .. ويمازحهم وروحه تحترق .. ويجالسهم وفؤاده ينتفض..

التفكير بالموت ليس أمراً بسيطاً..

الذهاب إلى الموت ليس قراراً عادياً بالمرة..

نهض قبيل الشروق .. صلى الفجر ..  سمع أمه تتلو وتتمتم أذكار الصباح  كعادتها ..

إسترق السمع لدعائها (اللهم وفق فيصل وارزقه عملاً وبيتا  وزوجة) ..

دخل عليها قبل أن تنهي أذكارها حضنها .. قبل رأسها .. شمّ رائحتها شمّةً طويلة كادت تنقطع فيها أنفاسه..

دخل غرفته وحمل أغراضه المخبأة منذ أيام..

ركب دراجته البخارية القديمة الصَّدِئَة بعد أن وضع في صندوقها البلاستيكي الخلفي كل احتياجاته دون أن ينسى بنزين القارب .. فقد اشترى منه ما يكفيه ليأخذه إلى منتصف المحيط ويقذف به في غيابة البحر..

إنطلق إلى الشاطئ حيث قاربه الصغير ينتظره بصمت ووجل..

أوقف دراجته قريباً من القارب وأنزل كيساً يحوي كل أغراضه ..

ثبت صندوق البنزين في مكانه وأوصله بماكينة القارب..

أبعد دراجته بعيداً عن الشاطئ وتركها كيفما اتفق دون اكتراث..

فهو على يقين بأنه لن يلتقي بها مرة أخرى، ولن يركبها ثانية  لكنه منحها نظرة وداع أخيرة كرفيقة عمر تستحق الوداع..

أنزل قاربه الخفيف إلى البحر بكل ثقة وهدوء..

قفز على ظهر القارب بكل خفة وجمال..

أدار ماكينة القارب .. وأبحر بسَكينةٍ وخشوع .. وانطلق مباشرة إلى أعماق المحيط  الواسع كنسمة هواء خفيفة باردة..

إنطلق قاصداً نقطةً بعيدةً وأعماقاً مظلمةً وأمواجاً عاتيةً وتياراتٍ سحيقة..

إختفى فيصل وقاربه عن الأنظار .. وذاب بين الضباب والسراب..

في المساء وبعد العشاء سألت الأم بناتها : ألم يصل فيصل ؟؟

قالت البنت الكبرى : لا يا أمي، أنا قلقة عليه فمنذ أيام وهو يتصرف بغرابة !!..

قالت البنت الأخرى : هذه أول مرة يخرج فيها فيصل من الفجر ولا يعود عند الغداء منذ عرف البحر وصادقه..

ترك فيصل الفطور والغداء .. والعشاء .. وترك الفطور الثاني  والغداء والعشاء ولم يأتِ في الفطور الثالث والغداء والعشاء..

بعد تسعة أيام أخذ الناس في القرية يتداولون خبراً مفاده : بأن إحدى سفن الصيد الكبيرة سحبت قارباً صغيراً من وسط المحيط بدون صياد بدون ربان وبدون إنسان .. ولم يجدوا في القارب سوى هاتفاً صغيراً، وعلبة بسكويت فارغة، وقميصاً يحمل بين أدرانه رائحة شاب جميل .. وفي جيب القميص قطعة ورقية مكتوب عليها : بكالوريوس في تقنية المعلومات بتقدير جيد جداً …!!!

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى