أصداء وآراءأقلام الكتاب

القـذّافـيـون ورصاصات ستـيـفانـي وليامـز !!..

الكاتـب/ عـلـي شـنـدب

 

القـذّافـيـون ورصاصات ستـيـفانـي وليامـز !!..

 

كلمات أشبه بطلقات الرصاص، تلك التي أطلقتها ستيفاني وليامز خلال الاجتماع الافتراضي الثالث للجولة الثانية لملتقى الحوار السياسي الليبي الأربعاء الماضي. وقد بدت وليامز في خطابها التحذيري وكأنها تقتبس من خطاب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون التقريعي لمنظومة المال والسلطة والسلاح، التي أثقلت كاهل لبنان بالفساد وبالمحاصصات السياسية والطائفية، ما دفع الاقتصاد اللبناني لمزيد من التداعي والى انهيار خطير للوضع المالي والنقدي. وهو الانهيار الذي يهدّد لبنان بالزوال كما كرر ماكرون ووزير خارجيته جان إيف لودريان.

فخطاب ماكرون اللبناني، يتطابق مع ما رشقت به ستيفاني وليامز، أعضاء “ملتقى الحوار السياسي الليبي” بقولها “هناك فاعلون أجانب يتصرفون في ظل إفلات تام من العقاب. وهنالك جهات فاعلة محلية تنخرط في فساد مستشر واستغلال للمناصب لتحقيق منافع شخصية، وهناك سوء إدارة في الدولة، فيما يتزايد انعدام المساءلة ومشاكل حقوق الإنسان على أساس يومي، حيث تصلنا تقارير عن عمليات اختطاف واحتجاز تعسفي واغتيالات على أيدي التشكيلات المسلحة في جميع أنحاء البلاد”.

طلقة وليامز الأولى، كانت وبلهجة ليبية تحذيرية بعنوان “ديروا بالكم” فـ “في بلادكم 10 قواعد عسكرية تشغلها بشكل جزئي أو كلي قوات أجنبية. وفي بلادكم يوجد 20 ألف من القوات الأجنبية وأو المرتزقة، وهذا انتهاك مروّع للسيادة الليبية، وقد ترون أن هؤلاء الأجانب موجودون هنا كضيوف، لكنهم الآن يحتلون منزلكم. وهذا انتهاك صارخ لحظر الأسلحة، وهم من يتسببون في تدفق السلاح إلى بلادكم، وبلادكم ليست بحاجة إلى مزيد من الأسلحة، ووجودهم في ليبيا ليس لمصلحتكم، بل هم في ليبيا لمصلحتهم”.

ثاني طلقات وليامز، تمثلت بتكرار تحذيرها من تدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية وتوقعها وجود 1.3 مليون ليبي بحاجة لمساعدة إنسانية خلال الشهر المقبل، خصوصا في ظل نقص السيولة والانخفاض الحاد في القدرة  الشرائية للدينار الليبي. ويترافق ذلك مع تفاقم أزمة جائحة كورونا، ولديكم الآن ما يقرب من 94 ألف حالة في ليبيا، ونعتقد أن العدد الفعلي أعلى من ذلك، وهناك نقصاً رهيباً في اختبارات الفيروس  في البلاد.

طلقة وليامز الثالثة، حول معضلة الكهرباء وانقطاعاتها الطويلة بسبب الفساد الفظيع وسوء الإدارة في جميع أنحاء البلاد، فمن أصل 27 محطة تعمل 13 محطة كهربائية فقط، وذلك بسبب الانقسامات في المؤسسات، وبسبب وباء الفساد وهذه الطبقة من الفاسدين  المصمّمين على البقاء في السلطة.

رابع طلقات وليامز، فتشديدها على أن في ليبيا أزمة حكم، وأفضل طريقة لمعالجة أزمة الحكم هي توحيد مؤسّساتكم، توحيد مصرفكم المركزي الذي يحتاج إلى عقد اجتماع مجلس إدارته لمعالجة أزمة سعر الصرف على الفور. وأن الحوار السياسي أفضى الى تحديد موعد للانتخابات، ومن الضروري إخضاع جميع المؤسسات المسؤولة عن إجراء الانتخابات إلى المساءلة.

طلقة وليامز الأخيرة التي استهلت واختتمت بها صلياتها الحارقة، فكانت “الوقت ليس في صالحكم”. وهي ذات العبارة التي سبق وكرّرها ماكرون والمجتمع العربي والدولي لساسة جمهورية الأشلاء اللبنانية.

فالفساد والمحاصصة وتقاسم السلطة، ونهب المال العام، وتغول الميليشيا على الدولة، أوبئة تفتك بجسد كل بلد تجتاحه سلطة موازية، وفي هذا يتشابه الوضع في ليبيا حد التطابق مع الأوضاع في لبنان والعراق.

بدون شك، فإن ستيفاني وليامز المبعوثة الأممية حاليا، والديبلوماسية الأميركية سابقا، تعرف أن الطبقة السياسية التي تدينها اليوم، هي نفسها الطبقة التي حملتها أساطيل الناتو عام 2011 الى حكم ليبيا والتحكم فيها وبمواردها. كما تعرف أن ما يجري في ليبيا هو نتاج سياسات وقرارات المنظمة والدولة اللتان مثلتهما وتمثلهما في ليبيا. وهي السياسات والقرارات الدولية التي أدّت الى تقويض الدولة الليبية وتسليمها للميليشيات التي كانت جيش الناتو البري عام 2011، وهي نفسها الميليشيات التي دخلت على متن الدبابات الأميركية الى العراق عام 2003 في تخادم خطير للغاية مع ميليشيات مسلحة وصمت بالإرهاب، ما ينسف إدعاءات الغرب بمحاربة هذا الارهاب.

توازيا مع مضبطة اتهام ستيفاني وليامز، وطلقاتها الحارقة بحق الطبقة السياسية المتنفذة في كل ليبيا. فقد كان مثيرا للاهتمام، قرار لجنة الجزاءات بمجلس الأمن الدولي القاضي بالرفع المؤقت لحظر السفر على ثلاثة أشخاص من أسرة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وهم زوجته صفية فركاش البرعصي، وابنته عائشة، وابنه البكر محمد.

وقد اعتبرت بعض المواقع المقربة من أسرة القذافي أن حكومة الوفاق حاولت كغيرها من الحكومات السابقة إعاقة وعرقلة هذه الجهود، أكدت أن الدور الحاسم في هذا القرار يعود للمبعوثة الأممّية بالإنابة ستيفاني ويليامز التي بذلت جهودا مضنية مع لجنة العقوبات الدولية الخاصة بليبيا لرفع الحظر.

وفي ظل الكلام عن قرب تسليم ستيفاني وليامز دفة البعثة الأممية في ليبيا للبلغاري نيكولاي ملادينوف، لتعود الى مواقعها السابقة في الخارجية الاميركية. فقد بدت جهود وليامز تجاه أسرة القذّافي بمثابة رماية بالذخيرة الحية.

وفيما أعلنت وزارة العدل بحكومة الوفاق ترحيبها وامتنانها لقرار لجنة الجزاءات بمجلس الامن حول رفع منع السفر المؤقت عن القذافيين الثلاثة. لفتت عدم ممانعتها من الرفع الكلي لاسم حرم القذافي صفية فركاش. في حين أن بيان وزراة خارجية الوفاق برئاسة محمد سيالا (الوزير السابق في النظام السابق ايضا) طالب لجنة الجزاءات بمجلس الأمن بالنظر مجدداً في الطلب المقدم لها، ليكون الإعفاء من تدابير حظر السفر مستقبلاً بشكل كامل للمواطنين الثلاث.

ورغم أن قرار رفع الحظر لم يشمل أبناء القذافي الآخرين.. سيف الاسلام القذافي المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية بملف سياسي مغلف بثوب جنائي. وشقيقيه الساعدي المسجون لدى حكومة الوفاق في طرابلس، وهانيبعل المسجون لدى الحكومة اللبنانية في بيروت على خلفية اختفاء موسى الصدر ورفيقيه، فلا يمكن لأي عاقلين اعتبار قرار رفع الحظر عن بعض أسرة القذافي، منفصلا عن السياق السياسي الإشكالي والميداني العام الذي تتخبط وتختنق بهم ليبيا.

إنه السياق الذي شكل خطاب ستيفاني وليامز تشخيصا مرّا ومركزا له، وتشي ملامحه بتبدل قسري للرؤية حيال الواقع الليبي ومروحة مكوناته العامة. تبدّل يفرضه إخفاق الأحصنة التي راهن الغرب عليها طويلا. كما شكّل تأشير وليامز على الطبقة السياسية واتهامها بالفساد وغيره، وتهديدها لمن يعرقل المسارات المتصلة المنفصلة بالعقوبات على قادة ميليشيات ومتنفذي ليبيا ومستجلبي المرتزقة اليها، وناهبي أموالها وثرواتها.

إنها العقوبات التي تستمر إدارة ترامب في فرضها على إيران وأذرعتها وتلوح حتى لحظاتها الأخيرة بفرضها على أكثر من 20 شخصية لبنانية وغيرهم. العقوبات التي أكثر من ذاق طعم تداعياتها وزير الطاقة والاتصالات والخارجية السابق ورئيس التيار الوطني الحر في لبنان جبران باسيل، اضافة لوزيري المالية والأشغال السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس.

وهي نفسها العقوبات التي يؤشر رفعها عن بعض أسرة القذافي، الى تمهيد الطريق لاحتمالية مرجحة لرفعها عن بقية القذّافيين والنظام السابق بوصفهم يمثلون المروحة الشعبية الأوسع على امتداد ليبيا، سيّما وأن ملتقى الحوار السياسي الليبي قد ضمّ ممثلين عن “الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا” التي يقودها سيف الاسلام القذّافي.

إنه “التمثيل” الذي يشي بتسليم القوى الاقليمية والدولية، بأن استعادة التوازن النفسي والاجتماعي والقبائلي في ليبيا، ينبغي وبالضرورة أن يمر بأنصار النظام السابق، الذين باتوا وبفعل ثقلهم وامتدادهم الشعبي ورغم بعض التشرذم في صفوفهم، محل استقطاب الأطراف المتنفذة في المشهد الليبي. وهذا ما عبّرت عنه رصاصات ستيفاني وليامز، واللغة الجديدة في بيان وزراة الخارجية بحكومة الوفاق.

 

 

 

 

 

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن “أصــداء” ، بل تعبر عن الكاتب.

 

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى