أصداء وآراءأقلام الكتاب

العـرب بيـن خـيـاريـن !!..

الكاتب/ خميس بن عبيد القطيطي

khamisalqutaiti@gmail.com

 

العـرب بيـن خـيـاريـن !!..

 

يعيش العرب مرحلة تاريخية حرجة برزت فيها ظاهرة فقدان الإرادة رغم الإلمام التام بالمخاطر المحدقة بهذه الأمة، وأشد ما يؤلم في واقعنا العربي المعاصر هو غياب العمل العربي المشترك، وغياب المشروع الاستراتيجي العربي، وبروز عدد من المشكلات أهمها فقدان القيادة المحورية والفجوة بين النظام الرسمي والشعوب، وغياب العدالة الاجتماعية، كما أن من أهم المشكلات التي يعاني منها العرب اليوم مسألة الاستهداف الخارجي الموجه على الوطن العربي مع وجود الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، وارتماء بعض العرب في احضان قوى الاستعمار بالاضافة الى حالة الانقسام العربي المستمر .

قبل عقود قليلة ماضية كان النظام الرسمي العربي يمتلك القدرة على الفعل المستقل ووجود تعاون وتضامن ودفاع عربي مشترك، وهذا بحد ذاته يمثل دلالات ايجابية مهمة، ويقدم قراءة متقدمة لمستوى الأداء العربي وقدرة العرب على التعامل بندية مع الاطراف الاقليمية والدولية، ولكن مع مرور الأيام والأحداث أصبح النظام العربي يفقد القدرة على إبراز مواقف مشرفة، عدا تلك الخطابات التي كانت تقدم على منبر جامعة الدول العربية، وهذا أمر مؤسف جدا أننا لم نسجل شيئا يذكر في هذه الحقبة التاريخية، ولا نملك الإرادة الجماعية الكافية لاستعادة المشروع العربي الجماعي الذي يعيد اتجاه البوصلة نحو مستقبل مشرف، لذلك بات رهان الشعوب على المقاومة العربية التي أعادت بصيصا من الأمل إلى الذات العربية، فكيف يمكن للعرب العودة لهامات المجد والشرف والعزة والكرامة في ظل هذه الأوضاع القائمة ؟!.

بلا شك أن أي أمة أرادت البقاء فعليها أن تبرهن ذلك من خلال مشاريعها الحيوية التي تثبت أنها تمتلك إرادتها، وللأسف الشديد أن العرب منذ حرب أكتوبر 1973م لم يسجلوا أية مواقف تعزز من مكانة هذه الأمة، بل بدأت السقطات تتوالى بعد كامب ديفيد مرورا بالحرب العراقية الإيرانية، ثم اجتياح لبنان، والخلافات العربية، ثم حدث الغزو العراقي للكويت والقافلة العربية تسير للخلف في ظل أنظمة عربية لم تجرؤ على قول الحقيقة أو محاولة لملمة هذا التبعثر والتشرذم العربي واستمر حال العرب على هذا المنوال، وتراجعت القضية الفلسطينية وهي قضية العرب المحورية بشكل مقلق، ودخلت مستنقع المفاوضات بعدما جردها العرب من دعائمها المطلوبة، فكنا نتابع القمم العربية لننتظر ما هو الجديد، وننظر بعين الألم لحال النظام الرسمي العربي على أمل تغيير واقع الضعف والخنوع الى واقع يحقق الحد الأدنى من الطموحات، ووللاسف الشديد غابت الدول العربية المحورية عن المشهد، فمصر عبدالناصر قررت الانكفاء على نفسها بعد انتصار أكتوبر 73، والعراق صاحب القوة العربية الأبرز على الساحة غرق في ظروف صعبة، فخضع لمخطط خطير من حروب إلى حصار ومناطق حظر في عملية استنزاف بشري لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث، واستمر مسلسل الاستهداف والقصف تحت مسميات مختلفة حتى انتهى الحال إلى احتلال صهيو ـ أميركي، ولم يختلف الحال كذلك في باقي الدول العربية الأخرى، فقد كان جل همها لقمة عيشها، وهذه الأوضاع كانت خاضعة لمتابعة دقيقة من قبل القوى المعادية التي اعتمد بقاؤها على تراجع وسقوط العرب، والأشد إيلاما هنا هو الانقسام العربي الراهن، والدوران في فلك القوى الاستعمارية، وهذا يمثل أكبر خطر على مستقبلها، وبوادر تلك المخاطر باتت واضحة للعيان، ودول أخرى تغوص في ظروفها الداخلية، وما زال الانقسام العربي قائما حتى اليوم، فكيف يستعيد العرب لحمتهم ويدركون خطورة أوضاعهم ويدركون أنهم شركاء في وحدة المصير ؟.

نحن هنا لا نقدم الفكر السلبي الذي يضع الأمة في دوامة التضعضع المعنوي، ولكن نسمي الأشياء بمسمياتها، ونؤكد خطورتها على حاضر ومستقبل أمتنا لمحاولة الاستفادة من الدروس لولوج مسار آمن يقود هذه الأمة نحو مستقبل مشرف، ومن لا يمتلك مشروعا في الحياة فهو غير قابل للعيش فوق الأرض، ومن سعى لصناعة تاريخه ومستقبل أجياله فلا بد أن يستجيب له القدر. والمهم هنا أن نتدارك الموقف قبل فوات الأوان باعتماد مشروع عربي حقيقي يبني عليه العرب مستقبلهم، وهذا لن يتحقق إلا بامتلاك الإرادة وتعزيز ثقافة المقاومة، والمقاومة العربية أثبتت فعاليتها وجدارتها خلال السنوات الماضية ولم تستطع قوى الاستعمار زعزعتها، وهي بارقة الأمل لهذه الأمة وخيارها المشرف.

إن غياب العناصر الأساسية المطلوبة لمشروع نهضة عربية لا يعني بالضرورة الانهزام والاستسلام، بل يتطلب مواجهة التحديات، فإلى متى سننعت أنفسنا بهذه الأوصاف دون مشروع استراتيجي واضح؟! فالأمة العربية اليوم بحاجة ماسة إلى مشروع نهضوي جديد ينقلنا من مرحلة فقدان الوعي والإرادة إلى آفاق أرحب من الوحدة والعمل الجاد والتنمية، واستقلال القرار السياسي والسيادة الوطنية وتجنب الاستقطاب وتوظيف لغة السياسة والمقاومة في آن واحد لتحقيق مستقبل عربي مشرف، إلا أن هذه الحقائق ستظل في دائرة النظريات طالما لم تتولد الرغبة الجادة والإرادة الحقيقية للانعتاق من هذا الواقع المرير، وهنا تكمن أهمية وجود القيادة المحورية في لملمة هذا التشظي العربي .

إن العلاقات العربية ـ العربية يجب أن تسودها روح التضامن والأخوة، وينبغي التخلص من تبعات الماضي والاختلافات التي عصفت بالعمل العربي المشترك وضربت التضامن العربي في مقتل، فلا بد من توفير أرضية صلبة بين الأخوة العرب لإزالة تلك العوالق والخلافات السياسية، والنظر للمستقبل بنظرة إيجابية تسودها الرغبة في البقاء بين الأمم بشكل مشرف بامتلاك التأثير، وهذا لن يحدث طالما لم نمتلك مشروعنا العربي الجماعي الذي يتلخص في وحدة الموقف العربي، ووجود القيادة العربية المحورية القادرة على توحيد الأمة على المستوى الرسمي والشعبي، وبناء القدرات العربية وعوامل النهوض العلمي والصناعي والعسكري، وتعزيز التعاون والتضامن العربي، وبالتالي يجب أن يتدارك العرب حقيقة أن أسباب ذلك التراجع يتحمله العرب أنفسهم، أما الجزء الآخر فهو بمخططات القوى الاستعمارية التي رسمت الحدود والقيود وغرست “إسرائيل” في قلب الوطن العربي، وحددت استراتيجية قوته وأمنه القائمة على حساب العرب عموما، وهذه القوى الاستعمارية ما زالت تتابع الحراك العربي وتقيس وتراقب مستوى أدائه.

إن الحالة العربية التي نعيشها اليوم تتطلب التفكير فيها بعناية لا الارتماء في أحضان القوى الاستعمارية، بل يجب التعامل معها بندية واعتماد المشروع العربي المقاوم المعزز بعوامل النهوض، وإلا فقد تمر هذه العاصفة على ما تبقى من العرب، وبالتأكيد لن يتوقف الاستهداف لهذه الأمة وهذه من البديهيات المسلمة التي لا يمكن تجاوزها، وبالتالي فإن البحث عن الذات العربية يكمن في قيام مشروع عربي متكامل لا ينصهر في مشاريع اقليمية أخرى بل التعاون معها فيما فيه صالح المنطقة عموما وبناء جسور التعاون مع الاطراف الاقليمية أو الدولية بندية وفق آليات وأدوات المشروع العربي ومصالح الأمة العربية، وعلى العرب تحديد خيارهم قبل فوات الأوان.

 

 

 

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن “أصــداء” ، بل تعبر عن الكاتب.

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى