أصداء وآراءأقلام الكتاب

إنـها الإنسانـية أيـها الإنـسان..

الكاتـب/ جمال أسـعـد

 

إنـها الإنسانـية أيـها الإنـسان..

 

منذ الأزل خلق الله آدم، وآدم هو أبو الإنسان بالمطلق.

وإذا كان آدم هو الأب الأول للإنسانية كلها، هنا يكون الإنسان بالمطلق إبناً لآدم، أي أن الإنسان كل إنسان هو بالدم والنسب والسلسال والإنتماء يكون أخَ الإنسان، لأنهم جميعا أبناء لآدم، وهذا النسب وذاك الانتماء يتمثل في الطبيعة الإنسانية التي تختلف عن الطبيعة الحيوانية والنباتية …الخ، كما أن الإنسان وبطبيعته الإنسانية كان الله قد فضله وميّزه عن سائر المخلوقات بالعقل، بل إن الله حَبّاً في هذا الإنسان قد سخر له كل المخلوقات التي أعدها لهذا الإنسان قبل أن يخلقه، ولحكمة إلهية تتّسق مع طبيعة الحياة الإنسانية.

وحتى تستمر الحياة نتيجة لجهاد وعمل ورؤية وفكر الإنسان، وحتى يكون للحياة طعم، ويكون للعمل إنتاج، وللفكر قيمة، وللجهاد نتيجة، وحتى يكون هناك فارق وفرق بين الصح والخطأ، وبين الخير والشر، وبين العدل والظلم، وبين الأخيار والأشرار، كانت حكمة الإختلاف.

فكان هناك ولصالح هذا الإنسان هذا الإختلاف في الدين والشكل واللون والجنس والنوع …الخ، وذلك حتى يكون للحياة هدف، وللمعيشة مذاق، فلن تكون حياة بوجه، واحد ولا برؤية واحدة، ولا بجانب واحد من هذه الثنائية، فبهذا الاختلاف وبتلك الثنائية إستمرت وستستمر الحياة.

وهذا يعنى أن الإنسان والإنسانية كانت قبل الأديان، وقبل القيم والأخلاق، والعادات والتقاليد، والصراعات والحروب، لذا عندما أراد الله هداية الإنسان حتى تكون لحياة هذا الإنسان معنى وجوهر، كانت الأديان، مطلق الأديان، سواء أطلق عليها أديان سماوية أو أديان وضعية، فجاءت هذه الأديان مشتركة ومشاركة في هداية الإنسان، ورسم طريق الخير، والنهي عن طريق الشر، وهذا أيضاً كان ولا زال لصالح هذا الإنسان، ولكن بالرغم من ذلك وبدلًا من أن تكون هذه الأديان هادية وناصحة وداعمة، ومؤسسة للقيم والأخلاق والمبادئ، بل بدلًا من أن تكون هذه الأديان متحاورة ومتكاملة لحكمة التعددية في إطار عبادة الإله الواحد، للأسف أصبح الفكر الديني لهذه الأديان، أي فكر البشر في تفسير النص الديني في حالة صراع يتناقض مع جوهر الأديان ومقاصدها العليا، ليس تنفيذاً لجوهر أي دين، بل تبريرًا لهذا الصراع القائم، وكان هذا الصراع نتيجة لحب الذات، ولخلط الدين واستغلاله لتحقيق مصالح شخصية، حولت المسمى الديني بسماحته وقبوله للآخر، إلى رفض الآخر كل آخر.

وفى ظل هذا الصراع الحياتي والذاتي والشخصي والقبلي والسياسي والاقتصادي ..الخ، نسي وتناسى الإنسان الإنسانية، وأسقط وتجاهل ما يربط الإنسان بأخيه الإنسان، ذلك الرباط الأزلي والأبدي، الذي لا تنفصم عراه إلا بانتهاء الإنسان والإنسانية.

فلماذا سار الإنسان والإنسانية في مسار الخط الواحد وليس في المسار الثنائي ؟.

لماذا حول الإنسان الإختلاف الديني في إطار الدين الواحد وهو عبادة الله الواحد، إلى صراع ديني وليس تكاملاً دينياً كما أراد الله ؟.

لماذا تناسى الإنسان روابط الإنسانية ليس للقريب في الأنساب البعيدة، بل للقريب الحالي والحال مثل الأخ والأخت والأب والأم ؟.

لماذا هذه الصراعات وتلك الحروب، وكل هذه المواجهات التي يزهق فيها الإنسان روح أخيه في الإنسانية ؟ ولمصلحة من ؟

وهل يزهق الإنسان روح أخيه الإنسان من أجل الإنسان ؟

هنا هل أدركت أخيراً أيها الإنسان أنه بالرغم من كل تلك الصراعات والحروب والمواجهات، أنه لا يتبقى غير الإنسان والإنسانية الجامعة، فعند الحروب تتوارى الإنسانية، ويغيب الإنسان، وتحدث الكوارث، ويدفع الإنسان الثمن في ذات الوقت، وبالرغم من ذلك يجلس المتحاربون في شكل مفاوضات تصل إلى التوافق والاتفاقيات التي يمكن أن تتحول إلى ائتلافات بل إلى اتحادات.

هنا فهذه هي الإنسانية التي تتجاوز الأديان والثقافات والعادات والتقاليد، بل والصراعات والمواجهات والحروب.

فهل تعي أيها الإنسان أن رباط الأخوة الإنسانية، هو الرباط الوحيد الذي يضع الخلاف والاختلاف في مكانه الصحيح بعيداً عن التعصب والتطرف والمغالاة التي لا تجني منها الإنسانية غير الشر والخراب والتخلف ؟، والأهم هو أن الإنسانية بالرغم من ذلك الصراع تظل هي الجامع والمنتج لهذه الحضارة الإنسانية التي تقدم كل الخير والنماء والتقدم للإنسان، حيث تعيش الإنسانية في ظل حضارة متقدمة بتقدم الخدمة للإنسان.

ولكن أهم الأهم هو كيف يحافظ ويسعى الإنسان إلى تقديم ما يمكن تقديمه إلى أخيه الإنسان، وحتى ننعم جميعاً بحب الخالق لنا لا بد من أن يحب بعضُنا البعض الآخر. حمى الله الإنسان والإنسانية من شر الإنسان.

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن “أصــداء” ، بل تعبر عن الكاتب.

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى