أصداء وآراءأقلام الكتاب

تداعيات ما بعد اغتيال العالم النَّوَوي الإيراني .. (الجزء 2)..

- السعودية تصدم نتنياهو.. والملك سلمان يُحيّد نجله محمد سياسياً!! - بريطانيا في السعودية.. وإيران تأخذ زمام المبادرة والقرار!! - كيف خذلت السعودية نتنياهو؟!!..

الكاتب والمحلل/ سمـيـر عبـيد

 

تداعيات ما بعد اغتيال العالم النووي الإيراني .. (الجزء 2)..

 

– السعودية تصدم نتنياهو .. والملك سلمان يُحيّد نجله محمد سياسياً !!..

– بريطانيا في السعودية .. وإيران تأخذ زمام المبادرة والقرار !!..

كيف خذلت السعودية نتنياهو ؟!!..

 

من الصعوبة جداً أن تكون السعودية وراء دعم هذه المجازفة بتوجيه ضربة وبهذا الوزن، وهي اغتيال كبير العلماء النوويّين في إيران، فمن الواضح جداً (أن نتنياهو لم يحصل على ضوء أخضر من السعودية ومن محمد بن سلمان في قمة “نيوم” على أن  السعودية تتطابق مع استراتيجية إسرائيل بخوض الحرب أو الضربات ضد إيران وفتح الأجواء السعودية وتقديم اللوجست لإسرائيل) في هذا السيناريو، وهذا ما كشفته وسائل الإعلام الإسرائيلية في ١ ديسمبر ٢٠٢٠ عندما أكدت على “تراجع السعودية عن السماح لطائرات إسرائيلية بعبور أجواءها نحو الإمارات” والذي تعذرت عنه السعودية لأسباب تقنية.

لا سيما وأن هناك إشارات تقارب أخيراً بين طهران والرياض عبر أطراف ثالث، وبين الرياض وأنقره بشكل مباشر، وتواصل عبر أطراف ثالثة بين الرياض والدوحة، وهذا لا يروق لإسرائيل وحلفائها العرب الجدد في الخليج وبمقدمتهم أبو ظبي فسارعوا لخلط الأوراق.

فيبدو صدرت الأوامر بإعطاء الضوء الاخضر لتنفيذ اغتيال العالم النووي فخري زاده،  وبدعم من دولة الإمارات لإسرائيل وليس السعودية لخلط الأوراق في المنطقة وجعل السعودية بمواجهة إيران، لأن الإمارات باتت حليفة لإسرائيل أمنياً وعسكرياً وتجارياً واقتصادياً لخلط الأوراق، ومن أولوياتها منع أي تقارب بين الرياض وطهران، وقالها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو علناً واثناء الإعلان عن التطبيع بين الإمارات وإسرائيل : إن “هذا التطبيع حسب قانون أبراهام، وهو تحالف أمني وعسكري ضد إيران” !!، وإن إيران حذرت حينها أبو ظبي من هذا التحالف، ومن التورط بالعمل مع إسرائيل ضد إيران. بدليل فبُعيد اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زاده صدر  التهديد الإيراني المباشر إلى أسرة آل نهيان وعلى رأسهم ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، وهذا ما أكده الموقع البريطاني (ميديل إيست آي)، بحيث نشر هذا الموقع عن مصدر إماراتي مهم أكد للموقع ان ايران هددت بضرب الامارات في حال تعرض ايران لهجوم اميركي.

وأردف المصدر للموقع البريطاني قائلاً : (إن ايران تواصلت مع آل نهيان وهددتهم بشكل مباشر)، وأكمل : (إن ايران ستحمّل الامارات مسؤولية اغتيال العالم النووي فخري زاده)، ولن يعفيها من الإتهام الاستنكار الذي جاء متأخرا من الامارات لاغتيال العالم النووي الايراني والذي قال عنه مدير الاستخبارات الاميركية السابق جون برينان : إن “اغتيال فخري زاده انتهاك صارخ للقانون الدولي وعمل متهور واجرامي”، ونصح ايران بعدم الرد حتى تعود الولايات المتحدة لقيادة المسرح العالمي !!.

وبعدها صدرت تصريحات ايرانية من رموز في النظام الايراني باتهام إسرائيل وأمريكا والإمارات مع تلميح ضعيف للسعودية، فرد الوزير السعودي عادل الجبير على تصريحات وزير الخارجية الايراني جواد ظريف بهذا الاتجاه قائلاً : “السعودية لا تقر الاغتيالات بأي شكل من الاشكال، وإنها ليست سياسة المملكة”، وهو تصريح مهم وعبارة عن رسالة سعودية لإيران بأن السعودية ليس  لها علاقة بحادث اغتيال فخري زاده، بدليل أن السعودية ذهبت بعيداً فأوقفت فتح الأجواء للطائرات الإسرائيلية الذاهبة الى الامارات كرسالة حسن نية لإيران، وتحذير واضح لإسرائيل والامارات !!.

وقد يستنكر البعض قولي إن السعودية لم تجازف بدعم هكذا فعل ضد ايران !!.

الجواب :

نعم .. هناك خلافات بين الرياض وطهران لا بل هناك كراهية شديدة في بعض الملفات والمفاصل، ولكن لن تجازف السعودية بحرب مباشرة مع ايران، لا سيما وان هناك رسائل مهمة للغاية وصلت اخيرا للسعودية جعلتها لا تجازف اطلاقا بحرب او ضربات ضد ايران حفاظا على نفسها، فكيف وان عملية الاغتيال تعادل ضربة نووية صغيرة بالنسبة للإيرانيّين. بحيث سارعت الرياض لنفي اي دور لها في هذه العملية، وانها لا تقر سياسة الاغتيالات، – ويبدو ان مقتل الصحفي جمال خاشقجي جاء بلدغة أفعى تركية – على أية حال هذا ليس موضوعنا، والرسائل هي :

١-الرسالة التي ارسلها الحوثيون هذا الاسبوع من خلال الضربة العسكرية للبنية التحتية لشركة (آرامكو) السعودية في جدوة والتي جاءت بمفصل زمني خطير حيث الرئيس ترامب المغادر والسعودية الحائرة بالتعامل مع الرئيس المنتخب بايدنن فلقد أستوعبها السعوديون جيدا وبدأوا يفكرون بالعودة الى السياسة السعودية الرصينة والقديمة !!.

٢- والضربة الكبيرة التي حدثت في ايلول / سبتمبر ٢٠٢٠ الماضي ضد شركة (آرامكو) في خريص وبقيق والتي لا زالوا يعيشون تداعياتها اي السعوديون، لأنها عرّضت نواة الاقتصاد العالمي وأمن نظام الطاقة العالمي للخطر !! فجعلتهم يفكرون ألف مرة قبل التحرش القوي بإيران !!.

وهذا سيمنع السعودية من المجازفة مع اسرائيل ضد ايران، ولا حتى مع امريكا ضد ايران في ظروف غير آمنه حيث قرب انصراف حليفهم الرئيس ترامب من البيت الابيض لصالح مهندسي الملف النووي وهم قادة الحزب الديموقراطي والرئيس المنتخب بايدن  . فالسعودية باتت تستوعب انها في خطر حقيقي وعليها التهدئة والاستعداد لمرحلة تشكيل العالم الجديد.

السعودية تتحصن ببريطانيا !!..

بدليل وعندما قرب أفول عالم وبريق وتأثير الرئيس الاميركي الحليف السعودية دونالد ترامب سارعت السعودية بالاعتماد على بريطانيا لتحصن نفسها ولكي لا تستفرد بها اسرائيل وجرها نحو مواجهة ايران !!.

ففي ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٠ اعلنت وزارة الدفاع البريطانية عن عملية نشر منظومة (جيراف) في السعودية، بحيث فاجأت حتىً الداخل البريطاني وبمقدمتها المعارضة البريطانية، فتعالت انتقادات شديدة ضد رئيس الوزراء البريطاني جونسون ووزير دفاعه.

ويبدو أن هذه القوات النخبة المرسلة الى السعودية قد تمت بصفقة بين ترامب المغادر وجونسون الذي سيحل محل دور ترامب في المنطقة لانهما يشتركان بالفوضوية والشعبوية، ورفضت الوزارة كشف عدد الجنود البريطانيين الذين تم نشرهم في السعودية للسرية العملياتية حسب بيانها .وهذا يعني ان السعودية لم تأتمن حتى لإسرائيل خصوصا بعد رحيل ترامب ومجيء رئيس اميركي جديد متحامل اصلا على السعودية وهو جو بايدن !، وبالتالي فجميع منشآت النفط السعودية والقصور الملكية وعصب النظام  في السعودية باتت بحماية بريطانية، وهذا اما يُفسَر ان هناك أجنحة داخل النظام السعودي باتت خائفة من الغدر الاسرائيلي ويبدو هي قريبة من الملك سلمان بن عبد العزيز الذي لم يكن متحمسا للتطبيع الذي شعاره ” السلام مقابل السلام” .ولم يكن مستعد للمشاركة بسيناريوهات اسرائيلية اماراتية بومبوية ضد ايران   .فيبدو  ان التاريخ يعيد نفسه لتصبح بريطانيا حامية لنجد والحجاز !!.

إيران ترد تكتيكياً وبوزن ضربةٍ عسكريةٍ أيضاً !!..

إيران البراغماتية لا تُغلب بسهولة، ولا تُستدرج بسهولة لا سيما وان جميع قادتها وجنرالاتها  ومهندسي وعلماء مشروعها النووي هم جنود لدى مشروع الامام المهدي حسب قناعاتهم واعتقاداتهم النفسية والعقائدية والإيمانية، وبالتالي هم سعداء بالاغتيال او الموت من اجل المشروع النووي وصعود ايران كدولة تُخيف ولا تخاف ،وتمهد لظهور الامام المهدي حسب قناعاتهم وعقائدهم. ولهذا يترجل عالم يصعد بمكانه عالم آخر، وهكذا يترجل جنرال فيصعد مكانه جنرال آخر وتستمر المسيرة والمشروع لأن لدى ايران بنك كبير وواسع من العلماء والمهندسين والتقنيّين والجنرالات والقيادات بمختلف الاختصاصات !!.

وجميع هؤلاء يعرفون تماما ان لدى إسرائيل إستراتيجية قتل علماء ورموز وقادة العدو وفي جميع المجالات لتمنع العدو من علومهم واكتشافاتهم وخلق اجيال من العلماء “وايران عدو لدود من وجهة نظر إسرائيل”، وتعتبر المشروع النووي وعلمائه مصدر قلق لإسرائيل، والسبب لان اي سلاح نووي بحوزة ايران سوف يسقط التفوق الاسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط وينتهي دور اسرائيل. ولقد مارست إسرائيل سياسة القتل والاغتيال ضد العلماء والمهندسين العراقيين لهذا السبب ايضاً !! ولهذا ذهبت ايران نحو الرد الذكي، ولن تعطي اسرائيل وادارة ترامب المنصرفة فرصة ضرب ايران أبداً .. فجاءت خطواتها  وكما يلي :

١ -في ١ ديسمبر ٢٠٢٠ صادق البرلمان الايراني نهائيا على قانون يلزم الحكومة برفع تخصيب اليورانيوم حتى ٢٠٪؜.

٢ – صوت البرلمان على اعادة العمل بمفاعل (آراك) للماء الثقيل كما كان عليه قبل الاتفاق النووي ٢٠١٥.

٣ -والبرلمان الايراني يقرر ايقاف التفتيش على المنشآت النووية.

والسؤال : إلى ماذا تمهد هذه الخطوات التكتيكية الذكية ؟

الجواب :

تمهد هذه الخطوات الايرانية الذكية الى ما يلي :

١-  زيادة النقمة العالمية ضد اسرائيل، وخصوصا من قبل الخليجيين، ومن قبل الدوائر الاميركية والاوربيين وتحميلها مسؤولية هذه القرارات الايرانية التي عززت قوة ايران ومشروعها النووي !!.

٢- جعل دول (5+1) وهي الدول الضامنة للمشروع النووي في زاوية حرجة جداً، مما سيجعلها تضغط على ادارة بايدن بالعودة الى المشروع النووي وتصعيد انتقادها لإسرائيل !!.

٣- تلك الخطوات تمهد لإيران بإيقاف التعامل مع وكالة الطاقة الذرية، ومن ثم الخروج من الاتفاق النووي، والسبب اسرائيل وواشنطن، وهذا بحد ذاته رعب خطير لفريق بايدن والدول الأوربية وحصار نتنياهو اسرائيلياً !!.

٤- بتلك القرارات والخطوات نجحت ايران بتوفير مساحة زمنية (ولقد عُرفت إيران عالمياً بشطارتها الفائقة في النفس الطويل واللعب على الزمن)، وهنا هي اغرقت دول (5+1) في تلك اللعبة، بحيث ستجعلها تتفاوض مع ايران وتتوسل بها لتقبل قبول التفاوض معها من جديد لإزالة او ايقاف تنفيذ تصويت البرلمان، وهذا سيأخذ وقتاً طويلاً، وسوف تستغله ايران لصالح مشروعها النووي !!.

الخلاصة :

باتَت إيران هي التي تتحكم بخيوط اللعبة وليس اسرائيل بقيادة نتنياهو  او ادارة ترامب. فإيران لا تتعامل بعقلية صدام حسين. بل تتعامل بعقلية صانع السجاد وصبره الطويل.

فإسرائيل مسعورة و تبحث جاهدة لعمل عسكري ضد ايران خلال الفترة المتبقية لإدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، لأنها تيقنت ان فترة ترامب لن تتكرر ابدا فيجب استغلالها لآخر ساعة وعلى الاقل تعطيل المشروع النووي لسنوات، وايران تعرف ذلك تماما فكيفت خطواتها على ضوء ذلك، وفِي العلوم العسكرية والسياسية وعندما تعرف كيف يفكر عدوك فهنا أنت ربحت اكثر من نصف المعركة، وأنت لم تحرك جندياً واحداً، وهذا ما حصل ويحصل مع ايران !!.

وإن السبب الذي صدم نتنياهو وزاد في جرحه وجعله مسعوراً، عندما  صُدم بالموقف السعودي الجديد في قمة “نيوم” السعودية.

ويبدو أن السعودية وبنصائح بريطانية، نأت بنفسها عن إسرائيل ضد ايران (وهنا نستطيع القول : إن رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز  طغت على رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان)، وباشرت السعودية باتباع رؤية  الملك سلمان الذي فتح نوافذ عدة وهي :

١- فتح نوافذ اتصال مع  فريق الرئيس الاميركي الجديد جو بايدن عسى تتغير نظرته وانتقاده  للسعودية.

٢ -فتح نوافذ اتصال متقدمة مع تركيا، وحصلت لقاءات جيدة بين الرياض وأنقرة.

٣ -وهناك إشارات إيجابية بين السعودية وقطر.

٤- وهناك رسائل سرية بين الرياض والحوثيين بمحاولة لإيقاف إطلاق النار والدخول بمفاوضات.

٥- ناهيك عن الانفتاح الأمني والعسكري على بريطانيا ونزولها في داخل السعودية سراً.

وهنا بقيت الإمارات والبحرين متورطتان في ورطة كبيرة جدا أمام ايران، وHمام فريق الرئيس بايدن، وأمام محور تركيا وقطر، وأمام الحوثيين في اليمن، وباتت ساحتين مفتوحتين لإسرائيل وشركاتها التي ستنهب كل شيء.

بحيث وبُعيد اغتيال فخري زاده أوقفت إسرائيل حوالي 50 ألف تأشيرة لإسرائيليّين يريدون زيارة الامارات خوفا عليهم من الاستهداف من قبل ايران وحلفائها في المنطقة !!، وهناك ٥٠٠ منظمة أميركية وأعضاء من الكونغرس ومسؤولين أميركيين كبار يرفضون بيع الإمارات طائرات F35 ومعدات حديثة ومتطورة !!.

وهنا نحذر من خلط الاوراق الخليجية من قبل إسرائيل والإمارات واتهام إيران بذلك، وقلبي على جنوب العراق والكويت !!.

 

 

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن “أصــداء” ، بل تعبر عن الكاتب.

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى