أصداء وآراءأقلام الكتاب

ما بيـن الثـورة والشـرعـيـة !!..

السفيـر/ معـصـوم مـرزوق

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

 

 

ما بيـن الثـورة والشـرعـيـة !!..

 

 

لا جدال في أن الأوضاع غير المستقرة تستدعي ”فرض” الشرعية، بالقدر والزمن المناسب، وبما يوفر المناخ الذي “يتيح” تغيير الأسباب التي أدت إلي عدم الإستقرار ،بينما في الوضع الثوري يكون التغيير نفسه” غاية” في ذاته.

أي أن للشرعية آليات توفر إمكانية التغيير كلما تطلب الأمر ذلك ، بينما الثورة هي كسر شرعية قائمة لإحداث التغيير الذي توفرت أسبابه وعجز النظام القائم عن القيام به ، أو تعمد مقاومته.

وهكذا لا محل لثورة في ظل شرعية مستقرة ، بشرط أن يكون لدي تلك الشرعية الآليات المناسبة والفعالة التي تجعل التغيير ممكنا كلما تطلبت الأوضاع ذلك، وبمفهوم المخالفة تتجمع أسباب الثورة متي افتقدت الشرعية القائمة لتلك المرونة ، بحيث تصبح الثورة هي الوسيلة الوحيدة الممكنة لإحداث التغيير .

وبنفس المنطق السابق ، إذا كان ”التغيير” هو غاية الثورة ، فأن نجاح تحقيق التغيير ينبغي أن ينتقل بالثورة من وضعها غير المستقر بطبيعته إلي حالة الشرعية الدستورية الجديدة التي توفر آليات تحول دون نشوء حالات تستدعي الثورة .

وقد يقول قائل أن مصر قبل ١٩٥٢ كان لديها آليات تتيح التغيير مثل دستور ١٩٢٣ وأحزاب تتنافس في انتخابات وبرلمان وصحافة لها هامش واسع من حرية الرأي والتعبير ، فكيف يمكن تفسير ثورة ١٩٥٢ ؟.

وبدون الدخول في تفاصيل تطرق إليها الكثيرون، فأنه يمكن تحديد قطاعين استعصيا علي التغيير ولم تتوفر في الأدوات السابقة إمكانية ذلك. القطاع الأول هو ”الفساد السياسي” ، فلا يكفي مجرد وجود وثيقة دستورية وتعدد حزبي وصحافة حرة، بل يجب توفر جوهر إرادة التغيير كلما اقتضي الظرف الموضوعي ذلك ، وهذه الإرادة كانت ملوثة بأدران فساد منتشر يحميه القصر الحاكم في ظل احتلال أجنبي يهمه خلخلة تلك الإرادة. القطاع الثاني الذي لم تتوفر أدوات تغييره في ظل شرعية ما قبل ثورة ١٩٥٢ هو الوضع الإقتصادي والاجتماعي، وهو مسألة يطول شرحها ولكنها حقيقة واضحة لا يمكن إنكارها.

كان على الضباط الأحرار بعد نجاح ”الثورة” الانتقال إلي ما يمكن أن نطلق عليه ” فرض الشرعية الجديدة ” نتيجة لأن الوضع القديم كان يقاوم التغيير ، علي أن هذه الشرعية المفروضة ما كان لها أن تستقر إلا إذا تمكنت من الحصول علي الرضا الشعبي الواسع وخاصة في تغيير القطاعات التي استعصت من قبل علي التغيير.

وقد استقرت شرعية ما بعد ١٩٥٢ بالقصور الذاتي لفعل وحجم التغيير الإجتماعي والاقتصادي عميق الجذور الذي تم ، إلا أنه بمرور الوقت افتقدت هذه الشرعية ما سبق أن أشرنا إليه في المقدمة من أهمية إعداد المناخ الذي يتيح التغيير ، وكان من آثار ذلك المباشرة هزيمة عسكرية هزت بشدة أركان تلك الشرعية ، حتي استحدث نظام السادات شرعية أخري حملت بعض الأدوات التي توفر مناخ التغيير ، لكنها في نفس الوقت افتقدت وبشكل فادح جوهر إرادة التغيير واستمر ذلك إلي مشهد المنصة الدامي، وذلك حديث آخر.

 

 

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن “أصــداء” ، بل تعبر عن الكاتب.

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى