أصداء وآراءأقلام الكتاب

صـبـر إيران الإستراتيجي ورسائله الخاطئة !!..

الكاتـب / د . محمـد السعـيـد إدريـس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

صـبـر إيران الإستراتيجي ورسائله الخاطئة !!..

 

على مدى ما يزيد عن عام تقريباً ابتدعت إيران ما أطلق عليه بـ “إستراتيجية الصبر الإستراتيجي”، وتعني العمل بشتى السبل على امتصاص كل الاستفزازات التي يقوم بها كيان الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية التي يترأسها دونالد ترامب ، سواء كانت الضربات الإسرائيلية المتلاحقة وشديدة الحرج ضد كل ما يعتبر وجوداً عسكرياً إيرانياً أو محسوباً على إيران في سوريا ، أو تبعات سياسة الرئيس ترامب التي فرضت على إيران “أقصى عقوبات” لإرغامها على الجلوس على مائدة تفاوض جديدة للتوصل إلى “اتفاق نووي بديل” للاتفاق الذي جرى التوقيع عليه عام 2015 وانسحب منه ترامب عام 2018، إتفاق ترضى عنه إسرائيل وحلفاؤها الإقليميّين ، يأخذ في اعتباره وضع ضوابط جادة تضمن عدم تمكين إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل مطلق ونهائي ، واحتواء قدرات إيران من الصواريخ الباليستية ، وإنهاء مشروعها الإقليمي الذي يعتبرونه تهديداً لمصالح حلفاء واشنطن الإقليميّين.

إيران تحملت كل هذا الاستفزاز ، وعندما وصل الأمر إلى تعرض منشآتها النووية إلى عمليات تفجير طالت أيضاً محطات للكهرباء ومنشآت حيوية ، عندها طرح السؤال : هل من نهاية لإستراتيجية الصبر الإستراتيجي هذه ؟!!.

السؤال طرح عقب اغتيال الأمريكيّين ، بقرار من الرئيس دونالد ترامب، للجنرال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني المعروف بـ “قائد المشروع الإقليمي الإيراني”، والآن يطرح السؤال بكثافة عقب اغتيال القائد الفعلي للمشروع النووي ، الإيراني أستاذ الفيزياء النووية الدكتور محسن فخرى زاده رئيس منظمة الأبحاث والإبداع بوزارة الدفاع الإيرانية ، لذلك لم يعد ممكناً للإستراتيجية الإيرانية ، التهرب من حسم الإجابة على هذا السؤال ، على الأقل أمام الشعب الإيراني الذى أضحى على حافة افتقاد الثقة في من يملكون قرار بلادهم ، إن لم يكن أمام من يُصنّفون بـ “الأعداء” الذين باتوا مهيئين لسماع رسائل خاطئة من استمرار سياسة الانضباط والإلتزام بـ “صبر إستراتيجي” تآكلت شرعيته ومصداقيته أمام مسلسل الإغتيالات ، قد يشجع هؤلاء “الأعداء” ليس فقط على مواصلة سياسة الإغتيالات لتطال زعامات بارزة إيرانية أو حليفة لإيران .. فهل ستحمل الأيام القليلة المقبلة مفاجآت إيرانية بهذا الخصوص ؟؟.

السؤال تزداد أهميته في ظل تعمد الحكومة الإسرائيلية تسريب معلومات تؤكد ليس فقط مسئولية إسرائيل عن اغتيال العالم النووي الإيراني، بل تهدف بالأساس إلى “تسويق” سمعة جهاز الإستخبارات الخارجية الإسرائيلية “الموساد” باعتباره أنه “جهاز قادر على فعل المستحيل وفي مقدور يده الطويلة أن تصل إلى من تريد وقتما تريد” ، كما تزداد أهميته أيضاً في ظل ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب اغتيال العالم الإيراني بأن “من هنا وحتى 20 من يناير 2021 (موعد إنتهاء رئاسته) ستحدث أشياء كثيرة في الداخل والخارج”.

حسابات مهمة من المؤكد أن إيران تأخذها في اعتبارها وهى تفاضل بين استمرار الإلتزام بإستراتيجية “الصبر الإستراتيجي” أو تدفع بها إلى “مزبلة التاريخ” وتظهر الوجه الآخر لإيران “كقوة إقليمية طامحة للزعامة الإقليمية وليس عنواناً لمشروع إقليمي يتهاوى”.

لكن هناك ما هو أهم بهذا الخصوص ، ونستطيع أن نرصد ثلاثة إعتبارات أضحت على مائدة البحث الإيرانية :

الإعتبار الأول : يتعلق بالأهداف المرجوة من عملية اغتيال العالم محسن فخرى زاده ، وبهذا الخصوص أعفى الجنرال الإسرائيلي (احتياط) الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية والرئيس الحالي لمعهد دراسات الأمن القومي إيران من مغبة تبعثر الاجتهادات بهذا الخصوص في تحليل نشره على موقع القناة (12) بالتليفزيون الإسرائيلي ، أكد فيه أن منفذي عملية اغتيال العالم النووي الإيراني حاولوا تحقيق ثلاثة أهداف هي :

أولاً : الإضرار بالبرنامج النووي الإيراني وتقويضه.

ثانياً : منع إدارة بايدن من العودة إلى البرنامج النووي.

ثالثاً : خلق تصعيد ينتهى بهجوم (إسرائيلي أو أمريكي – إسرائيلي) على المواقع النووية.

وعلّق يادلين على هذه الأهداف بأن “الهدف الأول قد تحقق”، وكان يادلين قد أكد في الأسبوع الماضي أن اغتيال العالم الإيراني “سيجعل من الصعب على جو بايدن العودة إلى الاتفاق النووي”، وبذلك يبقى الهدف الثالث وهو أن تقع إيران في خطأ الحسابات وتتورط في انتقام يجعل الخيارات الأخرى المخططة ضدها “خيارات مفتوحة” ، سواء بشن هجوم على منشآتها النووية أو تصعيد سياسة الاغتيالات وهذا بدوره يزيد من تعقيد التقديرات والخيارات الإيرانية.

الإعتبار الثاني : تزايد الدلالات المادية عن اقتراب حصول هجوم على منشآت إيران النووية ، منها وصول طائرات B52 إلى قاعدة الظفرة الإماراتية وتفريغ حمولتها من قذائف قيل إن بعضها رؤوس نووية والبعض الآخر خارق للتحصينات ، وتجهيز قاعدة “الحرير” الأمريكية في أربيل شمال العراق بأجهزة رصد وتصنت متطورة ، ومنها إعطاء أذربيجان الإذن لإسرائيل منذ ما يقرب من أسابيع باستعمال مطاراتها وأجوائها ، وسحب حاملة الطائرات الأمريكية “نيميتز” من بحر الصين باتجاه الخليج ، وتخفيض أكثر من نصف البعثة الدبلوماسية من العراق ، والبدء في سحب الجزء الأكبر من القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان.

دلالات تكتسب مصداقية ، سواء من منظور تأكيد معلومة الهجوم المتوقع ، أو من منظور “ردع” الإيرانيّين عن الانتقام لاغتيال عالمهم النووي وإرباك حساباتهم.

أما الإعتبار الثالث : فيتعلق بحيثيات ودوافع الحرص الأمريكي الشديد في هذه الظروف وفي هذه الأيام التي تسبق رحيل إدارة دونالد ترامب على فرض “مصالحة خليجية” بين قطر والسعودية بشكل خاص توطئة لتوسيعها.

إيران تعطي هذا الإعتبار أولوية قصوى ، وتتابع عن كثب وبدقة تسريبات إسرائيلية وغربية (أمريكية وأوروبية) مفادها أن هذه المصالحة هدفها الأساسي خلق موقف خليجي موحد داعم للهجوم المنتظر ضد إيران ، كما تدرس خلفيات مشاركة يوسي كوهين رئيس الموساد الإسرائيلي في “اجتماع نيوم” منذ حوالي أسبوعين ، والذي ضم حسب التأكيدات الإسرائيلية كلاً من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ، وولى العهد السعودي محمد بن سلمان ، وتدرس أيضاً مطالبة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز مؤخراً أمام مجلس الشورى السعودي المجتمع الدولي على اتخاذ موقف حازم يضمن “معالجة جذرية” لسعي النظام الإيراني للحصول على أسلحة الدمار الشامل ، وتطوير برنامجه للصواريخ الباليستية” ، وهى المعالجة التي اعتبرها الإيرانيون دعوة لتدمير قدرات إيران النووية.

مؤشرات واعتبارات مهمة تؤكد وجود نوايا للتصعيد من الطرف الآخر ، تزيد من تعقيدات الخيارات الإيرانية للرد على اغتيال العالم النووي ، لكن ما هو أخطر من هذه التعقيدات هو المردود الشعبي الداخلي الإيراني لهذا الارتباك والانقسام بين الحكومة الإيرانية ومن يدعمها من المعتدلين التي مازالت تراهن على الصبر الإستراتيجي لكسب إدارة جو بايدن ، وبين المتشددين وعلى رأسهم المرشد الأعلى والحرس الثوري ومجلس الشورى (البرلمان) ومجلس الأمن القومي ، في وقت باتت تستعد فيه طهران لخوض انتخابات رئاسية مهمة في يوليو المقبل ، قد يكون هذا الخلاف حول القرار الإيراني للرد على اغتيال العالم النووي أحد أبرز وربما أخطر أوراق المنافسات الانتخابية.

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى