أصداء وآراءأقلام الكتاب

“الشُّـكـر” عـمـلـة نادرة !!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

الشُّـكـر” عـمـلـة نادرة !!..

 

بعد كل مقال ينشر في هذه الصحيفة الراقية  “أصـداء” يصلني تعليق رقيق ورهيف كخيوط الغيم يداعب روحي فيحيلها إلى فراشة صغيرة  تتراقص فوق أغصان باسقة وتتقافز على أزهار مزركشة ملونة..

تلقيت عدة إتصالات من أشخاص لا أعرفهم هم من قراء هذه الصحيفة الرائعة ، حصلوا على رقم هاتفي من إدارة الصحيفة لأنني سبق أن أعطيتهم الإذن بذلك ، وحقيقة سعدت أيّما سعادة بما سمعته منهم من إعجاب بما أكتب من مقالات ، وإطراء لأسلوب الكتابة والمواضيع التي أتناولها في مقالاتي ، ومثل هذا الإطراء والإعجاب يمنح الدافعية والطاقة والحماس ، ويزيد من مستوى الإيجابية والشعور بالرضا والارتياح..

وإطراء آخر من صديق مصري عزيز .. الحقيقة أنني لا أعرفه ولم أسمع صوته بعد ، ولا أعرف رقم هاتفه ولم أرى لون عينيه .. ولكن تصلني منه كلمات رقيقة باستمرار بعد كل مقال  لتدفعني إلى الأمام .. وترفعني إلى السماء..

الرجل هو صديق لأستاذي الرائع حاتم الطائي فهو الذي يرسل له خربشاتي الأسبوعية وهلوساتي الليلية .. فيرسل الآخر  تعليقا فوريا عليها .. والذي بدوره يحولها لي .. لتمنحني البسمة وتحقنني بالنشاط والثبات والفرح..

كم نفتقد إلى من يقول لنا “شكراً”.

كم ينقصنا منهج الشكر  وعقيدة الإمتنان.

“التعزيز” مدرسة نفسية عظيمة ومنهج أخلاق راق..

من خلال رحلتي الطويلة في التعليم أذكر مديرا مر علينا ذات عام .. مدير مدرسة مصري الجنسية مدير عجيب وجميل..

كان دائما ما يرفع من معنوياتنا .. في طابور الصباح كان يخصص خمس دقائق لمدح المعلمين وشكرهم والثناء عليهم كلهم  وبالأسماء دون استثناء  المُجيد منهم  والمهمل ، الكسول منهم  والنشط.

كان يطوف على الصفوف صفّاً صفّاً .. ملقيا في وجه كل معلم عبارة جميلة .. وكلمات لطيفة : (ما شاء الله تبارك الله يا أستاذ .. ما هذا النشاط ما هذا الإبداع .. الله يقويك  .. رائع استاذي.. بوركت أستاذ .. عفارم عليك أستاذ .. بسم الله ما شاء  إلى الأمام يا أستاذ … إلخ).

عبارات صغيرة خفيفة تخرج من اللسان لكنها ثقيلة الوزن في ميزان الأفئدة والأرواح.

إنها تدفع المقصر إلى الاجتهاد .. وتجبر المتهاون على الإخلاص والجد والمثابرة.

إنه منهج الشكر العظيم المفقود.

لا أعلم ربما أكون حسّاسا أكثر مما ينبغي..

أعتقد بأن المسيحيين يحتفلون بعيد “الشكر” في كل عام لأنهم يدركون بأن هذه الفضيلة النادرة تكاد تنقرض كما انقرضت نمور تسمانا والدلفين الصيني الأبيض..

لذلك هم يحيون عيد الشكر كل عام .. ويحرصون عليه..

 هذا مجرد افتراض غير مؤكد..!! 

منذ أيام  تورطت وأرسلت رسالة شكوى وتذمر إلى بعض أصدقائي الذين ارسل لهم مقالاتي الأسبوعية..

كنت ابحث عن تعزيزهم لي ورفعهم لمعنوياتي ..

إعتقدت بكل سذاجة بأنني أعيش في مجتمع يمنحك الأجنحة لتحلق .. ويزرع فيك الريش لتطير.

فالإنسان يحتاج إلى الثناء ليستمر .. ويحتاج إلى الشكر ليواصل .. ويحتاج الى الدعاء ليرتفع ويتقدم..

رغم يقيني بأنني أعيش في مجتمع يقص أجنحتك قبل أن تنمو..

ويقطع ساقيك قبل أن تمشي وتسير .. ولكني نسيت هذا اليقين خلال زوبعات التفاؤل التي تعصف بي في بعض أيام من السنة..!!

قلة قليلة جدا جدا  من أولئك الذين ارفع لهم مقالاتي كل أسبوع قال لي (شكرا لك على مقالاتك / أنت مميز / مقال جيد / قصة جميلة / موضوع مثير / أعجبني مقالك /  واصل ولا تتوقف …).

كلمات بسيطة مجانية لا تكلف فلسا واحدا..

عاتبتهم كلهم بحب وافر : لماذا لا تشكرونني أيها الاحبة ؟!! .. لماذا لا تعلقون ؟؟!!..

وصلنتي أكثر من رسالة وأكثر من رد تعقيبا على عتابي هذا .. بعضها أغرقني بالإعتذار .. وبعضها رشني بالانكسار .. أما آخرها فقد غمرني بالحزن والأسى والإنهيار!!.

نعم بالحزن والأسى والإنهيار!!..

فقد اتصل بي صديق عزيز .. زميل من زملاء الجامعة .. وأحد متابعي شخبطاتي وهلوساتي الطريفة..

إتصل بي معتذرا .. متأثرا من عتابي وشكواي .. مبتدئا بأسف جميل .. واعتذار رقيق  على نضوب التواصل .. وجفاف المشاعر.

إعتذر لي لأنه كان من ضمن المتهمين بالتقصير معي .. وذلك بناء على درجة الصداقة التي تجمعنا .. وعمق العلاقة التي تربطنا.

لقد اتصل بي .. ولم يكتفي بالرسالة .. فقد أراد أن يسمعني صوته .. ويوصل لي همه وغمه.

لقد حدثني عن (الشكر) هذه الكلمة الغريبة .. وهذا المصطلح اللغز.

لقد أراد أن يؤكد لي بأن كلمة ( الشكر ) كلمة لا توجد في معجمنا الحالي  وأنها  كلمة غريبة .. ومصطلح  اعجمي مجهول  لا ينتمي لثقافتنا العمانية أو ربما العربية.

نعم.. 

لقد أكد لي بأن مصطلح ” الشكر” أصبح مفقودا حتى في نطاق الأسرة الصغيرة..

لقد أثبت لي بأن مفهوم “الشكر” أضحى معدوما بين الزوج والزوجة .. وبين الأب وأبنائه .. وبين الأم وبناتها .. وبين القريب وأقاربه.

لقد قال لي صديقي بكل أسف وحشرجة بأنه لم يسمع كلمة “شكرا”  في محيطه الذي يعيش فيه  منذ أكثر من إثني عشر عاما..

لم يسمعها من أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه .. رغم سخائه وعطفه .. وكرمه معهم..

قال لي ضاحكا بروحه المرحة وبطبيعته المدهشة … بأنه غالبا تقتحمه الدهشة ويتلبسه الذهول  حين يسمع كلمة  Thanks بين زملائه الأجانب في العمل!!.

مازال الأجانب يتداولون هذه العملة التي انقرضت من مجتمعنا…!!

أخبرني قصة قصيرة مؤثرة .. يقول : إبني أنهى دراسته الثانوية الصيف الماضي .. وهو في انتظار منحة السفر إلى دولة أجنبية بعد أيام قلائل..

يقول : قررت أن أكافئه بمبلغ محترم وأضعه في حسابه حتى يتجهز للسفر .. ويشتري ما يحب ويشتهي .. ويبتهج ويتنغنغ..

وقد سلكت هذا النظام منذ أن  كبر  أولادي فقررت أن أفتح لكل واحد منهم حسابا بنكيا .. وأضع لهم مصروفهم الشهري في حسابهم حتى أجنبهم حياء الطلب .. ومؤونة الإحراج من والدهم .. ولأعودهم على عزة النفس .. والثقة بالذات والوقوف أمام الجميع بثبات واتزان..

ومنذ سنوات وأنا ملتزم بطريقتي هذه لم أتأخر فيها شهرا واحداً..

ومع ذلك لم أسمع يوما من أحدهم كلمة “شكرا يا أبي” .. “شكرا أيها الأب الغال”!!..

يا الله كم أتلهف لسماع هذه العبارة من أحد أبنائي .. كم أشتهي سماعها قبل أن أموت وأندثر!!..

المهم ..

إستأنف صديقي قصته .

يقول : وضعت في حساب إبني مبلغا كبيرا ..

وانتظرت أن يرسل لي رسالة .. على الأقل ليؤكد لي وصول المبلغ..

إنتظرت  يوم .. يومين .. ثلاثة أيام .. لم تصلني رسالة من ابني !!..

فتلبسني القلق .. واقتحمني الإرتياب  وتوجست خيفة من سوء الظن .. فقد ظننت أن المبلغ لم يصل إلى حساب إبني ، وأنه ربما ذهب بالخطأ إلى حساب شخص آخر ، فالمبلغ لم يكن مبلغا بسيطا.

فأرسلت رسالة لإبني (هل وصلك المبلغ).

فجاء الرد بعد لحظات : (أيوا …..)

تخيل .. كان رد ابني بكلمة ( أيوا ..) فقط .

( أيوا ) جافة .. حافة .. مرة .. مالحة .. لا تحمل رائحة الاحترام .. خالية من نكهة الشكر والحب والإمتنان .

بدأ صوت صديقي يتلون ويغيم .. حاملا زخات من  الأسف .. ولوعات من  الضيق والأسى والحسرة ..

فقال بكل كبرياء الأب المخلص : هذا رد إبني البكر الذي لم أدخر  جهدا أو مالا  في منحه كل ما يحب ويشتهي في هذه الحياة طوال الثمانية عشر عاما الماضية من عمره .. وأنت يا “أبا يزيد”  تعاتب جماعة من المعارف لا تعرفهم  ولا يعرفونك .. وتطلب منهم أن يقولوا  لك “شكرا ” على مقالات ربما نصفهم لم يفهمها .. والنصف الآخر لم يفتحها حتى ..؟!!!.

بالله عليك .. أين تعيش أنت .. في أي كوكب تنام ؟!!.

يبدو أنه انتهت حقبة “الشكر والثناء” منذ أن دفنا آباءنا..

والآن لا يعيش بيننا سوى “النكران والنسيان والجحود…”..

إنه زمننا .. ولابد أن ندوس على كل أشواكه .. ونتجرع كل مراراته !!..

إنتهت حشرجات صديقي .. وجفت حروف قلمي !!..

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى