أصداء وآراءأقلام الكتاب

الفتاة الأخيرة !!‎..

الكاتب/ فـهـد الجـهـوري

almnsi2020@gmail.com

 

الفتاة الأخيرة !!‎..

 

لم تكن نادية مراد تعي معنى السبية إلّا حينما عاشت السّبْي كحقيقة على يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بعد إحتلال قريتها (كوجو) التابعة لمدينة (سنجار) ذات الغالبية الإيزيديّة، ولم تعِ نادية مراد معنى الموت والفقد الروحي إلّا حينما شاهدته و أحسته في كل لحظة، وربما لم تتخيل بيوم من الأيام أن يتلبس البشر بلباس الشيطان إلا حينما شاهدت الشياطين على هيئة بشر فعلياً.

تأخذنا نادية مراد في كتابها الذي يحمل عنوان (الفتاة الأخيرة) في تفاصيل مسهبة عن ما حصل مع الطائفة الإيزيديّة من مذابح للرجال، وتهجير و سَبْي و اغتصاب للنساء على أيدي تنظيم فعل ما فعل أمام أنظار العالم كله، في واحدة من أبشع صور ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

قامت نادية مراد سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة عام 2016 و الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2018 في مذكراتها التي بين أيدينا، قامت بكتابة كل ما يمكن كتابته عن طائفة الأيزيديّين، حياتهم ومجتمعهم البسيط و معتقداتهم، وقدّمت للقارئ الكريم صورة مقربة جدا عن الأفكار التي كان يؤمن بها تنظيم يعتقد أنه يقوم بتأسيس حكم الله على الأرض والبشر، مستمداً أفعاله من تفاسير القرآن كما يقول قادته، وتسهب كذلك نادية مراد في شرح النظرة الدونية التي كان يُنظر لهم منها من جانب العراقيين بسبب معتقدهم، و المعتقد الأيزيدي من المعتقدات التي ربما لا يعلم عنه الكثير من الناس والذي تحدثنا عنه نادية مراد بشيء من التفصيل حيث تقول ما نصه:

(يؤمن الأيزيديّون بأن الله قبل أن يخلق الإنسان، خلق سبعة مخلوقات سماوية، غالباً ما نسميها ملائكة، وهي انعكاس لصورته. فبعد تشكيل الكون من أجزاء كرة لؤلؤية الشكل، أرسل الله رئيس الملائكة، (الطاووس ملك) إلى الأرض، حيث تدثٌر على شكل طاووس، فلوٌن العالم بألوان ريشاته الزاهية. تروي القصة أن على الأرض رأى (طاووس ملك) آدم، الإنسان الأول، و الذي أمر الله ملائكته بالسجود له لكي يكون خالداً ومثالياً، الأمر الذي رفضه طاووس قائلاً لله، السجود لك وحدك ولا يمكن السجود لغيرك، وإنه لو كان لآدم أن يتكاثر فلا يمكنه أن يكون خالداً، ولا يسعه أن يكون مثالياً بل عليه أن يأكل القمح، فرد الله على ملاكه بأن القرار قراره و كرمه وجعله رئيساً للملائكة وكان ذلك بمثابة امتحان للملائكة وهل أنهم مستعدون أن يسجدوا لغير الله، وهكذا أكل آدم القمح فنزل من الجنة إلى الأرض و ولد الجيل الثاني من الأيزيديين. وتأكيداً على جدارته أمام الله، أصبح (الطاووس ملك) الرابط بين الله والأرض، والرابط بين الإنسان والسماوات، عندما نصلي، غالباً ما نصلي (للطاووس ملك)، ونحتفل في رأس السنة بيوم نزوله على الأرض، و كيفما تنقلت، وجدت صوراً ملونة للطاووس تزين العديد من المنازل الأيزيدية، لتحثنا دائماً على التذكر أننا موجودون كلنا هنا، نتيجة حكمته الإلهية.

ويحب الأيزيديون (الطاووس ملك) لإخلاصه اللامتناهي لله، ولأنه يربطنا بإلهنا الواحد الأحد، لكن المسلمين العراقيّين يحتقرون (الطاووس ملك) ويشهٌرون بنا لقيامنا بالصلاة له، ويفعلون ذلك لأسباب لا تمت إلى قصصنا بأي صلة.

يؤلمني قول ما يلي، حتى إنه لا يفترض بالأيزيديين أن يتفوٌهوا بالكلمة، لكن العديد من سكان العراق يستمعون إلى قصة (الطاووس ملك) ويعتبروننا عبدة للشيطان، فيقولون : إن (الطاووس ملك) هو الملاك الرئيس لدى الله، مثل إبليس، الشيطان الوارد في القرآن، و يدّعون أن ملاكنا قد تحدى آدم وتالياً الله. ويروي البعض عن نصوص قد كُتبت على يد علماء في بداية القرن العشرين لم يكونوا على اطلاع على تقاليد الأيزيديين الشفوية .. تقول : إن (الطاووس ملك) قد أُرسل إلى الجحيم لرفضه السجود أمام آدم، وهو ما ليس صحيحاً، فذلك سوء تفسير جلي، تترتب عليه تبعات مريعة.

فالقصة التي نستخدمها لشرح جوهر إيماننا وكل ما نؤمن به من صالح في الديانة الأيزيدية هي القصة نفسها التي يستخدمها آخرون لتبرير المذابح ضدنا.

تلك أسوأ كذبة إنتشرت حول الأيزيديين، لكنها ليست الكذبة الوحيدة، فالناس يقولون : إن الأيزيدية ليست ديانة حقيقية، لأن لا كتاب مقدساً لها مثل الإنجيل أو القرآن، ولأن البعض منا لا يستحم يوم الأربعاء .. وهو اليوم الذي جاء فيه (الطاووس ملك) إلى الأرض للمرة الأولى، ويوم الراحة والصلاة .. و يقولون إننا نجسون. ولأننا نصلي إلى الشمس، يعتبروننا وثنيّين، أما إيماننا بتناسخ الأرواح، الذي يساعدنا على التأقلم مع الموت والإبقاء على مجتمعنا متلاحماً، فيرفضه المسلمون لأن أيّاً من الديانات الإبراهيمية لا تؤمن به، و يتفادى بعض الأيزيديين بعض الأطعمة، مثل الخس، فتتم السخرية منهم ومن عاداتهم الغريبة، كما لا يرتدي آخرون اللون الأزرق لأنهم يعتبرونه لون (الطاووس ملك) ويفوق بقدسيته أي إنسان، فيتم الاستهزاء أيضا بهذا الخيار).

إن هذا الكتاب يمثل شهادة تاريخية لفتاة تتحدث عن حقبة تاريخية لم تأخذ حقها من التغطية الاعلامية سواء المحلية أو الدولية، وهذا الكتاب يتحدث كذلك عن فتاة تم قتل ستة من إخوتها ومن ثم أمها ودفنهم في مقابر جماعية قبل ترحيلها إلى مدينة الموصل العراقية وبيعها في سوق النخاسة مع الآلاف من الأيزيديات العراقيات، واغتصابها عشرات المرات كونها سبية من غنائم المسلمين.

وفي هذا الكتاب قدمت كذلك نادية مراد في شرح معمق الخيانة غير المبررة التي قام بها الأكراد للطائفة الأيزيدية والصراع الكردي بين الأحزاب نفسها في كردستان العراق.

وفي هذا الكتاب تتجلى حقيقة البشر في سحق روح الآخر قبل جسده من أبناء جنسه و وطنه…

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى