أصداء وآراءأقلام الكتاب

ويضحك كطفل مصاب بالتوحد !!..

الكاتب/ عبدالله الفارسي

 

ويضحك كطفل مصاب بالتوحد !!..

 

“حين تفقد أروع أصدقاءك .. تبدأ تفقد الثقة في هذا العالم” .. صموئيل بيكت ..

ثلاثة من أروع أصدقائي رحلوا سريعا عن الدنيا..

الغريب أنهم كانوا محبّين جدا  للحياة .. 

وأنا منذ ولدت وأنا علاقتي سيئة جدا بالحياة .. هم رحلوا .. وأنا مازلت أعيش .. وهنا تكمن قمة  الغرابة !!..

في العام 2008  رحل صديقي الجميل إلى العالم الآخر  بكل سلاسة وهدوء، وكأنه غيمة عبرت سمائي ذات ضحى فأغرقته بالرذاذ والنسيم  .. ثم تركته  للريح واللهيب..

كان صديقي العزيز .. إنسانا بسيطا جدا، تعليمه بسيط  و قدراته المعرفية بسيطة  .. ثقافته بسيطة جدا .. طموحه لا يتجاوز حصوله على  وجبتين وعلبة سجائر من الصنف الرديء في اليوم  ..

كان يعمل حارسا في مدرسة..

كانت قدراته العقلية مرتفعة، ولكنه كان يتعمد تعطيلها وعدم استخدامها وهذا أجمل وأروع ما أعجبني فيه وجذبني إليه..

إخترته صديقاً من بين العشرات في مدينتي ..

قال لي الكثيرون  :  هذا لا يناسبك .. لا يتناسب مع  عقلك الطافح بالصقيع، ولا يتناغم  و روحك المتخمة بالضجيج..

ولكني كنت أبحث عن هذا الصنف الفريد من الناس .. هذا الصنف النادر ندرة الكبريت الأحمر..

وحين عثرت عليه  اكتشفت بأنه الأفضل والأنسب لي كصديق أتحدث إليه وأبوح له..

كنت أحبه جدا  ..إنسانا بشوشا..

باسم الوجه .. حاضر الضحكة بسبب أو بدون سبب..

خفيف الظل .. رهيف الدم .. غير مزعج..

مؤمن بالعبثية والفوضى التي تحكم هذا  العالم إيمانا مطلقا..

لا يثق كثيرا في  الأديان !!..

لا يعرف سوى أنه مسلم ومطالب بخمس صلوات يؤديها غالبا في غير وقتها ، وأحيانا يختصرها إلى ثلاث صلوات لأنه ينام نصف يوم ويستيقظ في  النصف الآخر..

كان نظيفا طاهرا بريئا، لم أسمعه يوما يذكر أحدا ما بسوء رغم كثرتهم، ولم ينعت شخصا ما  برذيلة رغم  انتشارهم..

متصالح مع الحياة .. لا يكرهها ولا يعشقها..

منسجم مع واقعه المرير، رغم العذاب الذي تجرعه، والحرمان الذي شربه..

لا يعرف شيئا عن الدين أكثر من تلك الصلوات الخمس !!..

لا يعرف المذاهب المتصارعة ولا الفرق المتناطحة !!..

لا يهمه اذا كان اليوم الآخر قريب أم بعيد !!.

ولا يكترث إن كان عذاب القبر حقيقة أم خرافة !!..

يصوم مع المليار مسلم الذين يصومون في رمضان..

كان يحب شهر رمضان لكنه كان يصومه بشكل غريب !!..

كان يدخن  سيجارتين في نهار رمضان ويكمل صومه، لأنه لا يحتمل الصوم عن السجائر !!..

يقول لي : أنا مستعد أن أصوم 24 ساعة عن كل شيء إلا عن  السيجارة ..

ثم يسألني : هل سيسامحني الله ويتقبل صيامي .. لا أستطيع الصوم  عن السجائر ؟!!..

فأقول له : أنا لست ضليعا في الفتوى يا صديقي لكن حسب فهمي للدين  فإن الله يعلم مشكلتك  .. ويدرك فسيولوجيتك، ويعلم ما في نفسك لأنه هو من خلقك..

أظن بأن الله سيحاسبك بطريقته الرحيمة وحنانه العظيم..

كنت أحبه جدا جدا..

كنت أحدثه عن مدينة الفارابي الفاضلة..

وعن حي بن يقظان وابن طفيل..

وعن شطحات ابن عربي..

وكنت أخبره عن تشاؤم شبنهاور..

وعن وجودية كافكا..

وعن هلوسات الحلاج ولزوميات المعري..

و أحيانا أقرأ له سطوراً من طوق الحمامة لابن حزم..

وذات مساء قرأت له مقطعاً من رواية “المسيح يصلب من جديد”..

وأكثر ما لفت انتباهه هو وصف “إيزابيلا الليندي” لشجاعة سكان تشيلي الأصليين حين قاوموا المستعمرين الأسبان ببسالة نادرة ..

هو لا يعرف عن ماذا أتحدث، ولم يسمع سابقا شيئا عمن أتكلم، ولا يكترث بكل ما أقول، لكنه كان مستمعا جيدا لي يصغي باهتمام بالغ، كان يعرف بأنني أبتهج بإصغائه لي .. فكان يبتهج لبهجتي ويزعل لزعلي ..

وحين أحدثه عن أي تفاهة من تفاهات الحياة الكثيرة التي تحيط بنا كان يبتسم ابتسامة عريضة كابتسامة مهرج عجوز  ..!

كان يفهم كل كلمة يسمعها مني، لكنه غالبا كان يوهمني بأنه لا يستوعب ماذا أقول ولا يفهم ماذا أعني !!..

 فكان يبتسم ويومئ برأسه لي منسجما موافقا على كلامي، كأنه أستاذ جامعي يختبرني في منهج علمي ويتفحصني في نظرية فلسفية !!..

كنت أحبه جدا جدا  

كان يقول لي : أنت مختلف يا عبدالله..

كنت أنتفخ بالسرور وأتورم من الغبطة لهذه العبارة ..

هو الوحيد في هذا المجتمع البائس كان يهديني هذه العبارة الحميمة الثمينة “أنت مختلف يا عبدالله..”

كان يميزني على الجميع..

كان يتوجني ملكا فوق الجميع، ويقلدني وساما دون الجميع .. ربما لأنني كنت متساهلا جدا معه في بعض الفتاوى التي يستفتيني فيها !!..

كان يقول لي : أنت تقرأ كثيرا لذلك أنت مختلف..

أخواني جامعيين أيضا لكنهم لا يقرأون، إنهم حمقى كبار .. ليت أحدهم كان مثلك ..!!

كنت أحبه جدا  جدا ..

كان أمينا وصادقا بصورة لا يمكن وصفها، ولكنه كان  يدخن سيجارتين فقط في نهار  رمضان ..!!

كان مخلوقا نقيا طاهرا من أطهر المخلوقات التي التقيتها في مجتمعنا ..

في أواخر أيامه كان يقول لي :  هل سيحاسبني ربي على زلاتي ؟؟..

قلت له :  إن الله يرانا جيدا ويعرفنا عميقا .. إن الله أكبر وأعظم من أن يحاسبنا على أخطائنا الخفيفة وزلاتنا البسيطة .. هناك مجرمون كبار وسفاحون وقتلة وطغاة وسُرّاق أوطان يملؤون الأرض .. هم من ترصدهم عيون الله، لأن جرمهم عظيم..

كنت أحبه جدا جدا  ..

كان يقول لي : لماذا لا تهرب إلى دولة أخرى ؟؟ أنت عقلك مختلف !!..

قلت له : وماذا سأفعل هناك .. العالم بأكمله بائس يا صديقي .. الحياة برمتها تافهة .. الحياة هنا مزعجة وتعيسة نعم، لكنها ليست سيئة درجة الهروب والفرار..

سأبقى هنا وسأناطح حتى الرمق الأخير..

فيضحك بسعادة وجمال كطفل مصاب بالتوحد..

كان يسألني : هل تعتقد بأنني سأعيش حتى الستين من العمر    ؟؟!!

قلت له : ستعيش طويلا وسعيدا يا صديقي..

كان يقول لي بأنه سيموت على يد “السيجارة” !!..

كان يدخن بشراهة سجين محكوم عليه بالإعدام..

رحل صديقي عن الدنيا بسرعة عجيبة كحمامة برية نادرة..

مات صديقي الجميل منذ سنوات بسبب ذبحة صدرية مباغتة، فصعدت روحه إلى السماء واستقبلتها خلاخيل الملائكة..

غادر الدنيا كملايين الفقراء .. لم يركب طوال حياته سيارة رنجر روفر سبورت .. ولم يدخل مقصورة اللكزس 570 LX  ولم يجرب قيادة BMW 740.

وفي ذروة شفافيته معي قال لي : سأطلب منك شيئاً عزيزاً..

فقلت له : أطلب يا صديقي..

قال : إذا مت .. وصادف أن زرت قبر أمك .. فزرني وأحضر لي علبة من سيجارتي المفضلة وضعها على قبري بعد أن تقرأ الفاتحة على روحي !!..

يا الله من أي  الفراشات في هذا الكوكب تنحدر روحك يا صديقي..

وصلني خبر وفاته وأنا في إندونيسيا كنت على ظهر قارب صغير !!..

فقررت الغطس وممارسة البكاء تحت الماء كسمكة حزينة مكلومة..

منذ سنتين وأنا ابحث عن إنسان مثله :  فقير .. بسيط .. يتظاهر بأنه لا يفهم شيئا .. مستمع جيد .. لم يسرق شيئا من هذا الوطن .. ويتقبل كل هرطقاتي..

ولا يستخدم عقله بشكل كبير .. ويدخن سيجارتين فقط في نهار  رمضان..

ويضحك بعذوبة وجمال كطفل سعيد مصاب بالتوحد !!..

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى