أصداء وآراءأقلام الكتاب

الأدلـجة القـبـلـيـة فـي العـالـم العـربـي..

المستـشار/ عبـدالعـزيـز بـدر القـطان

كاتـب ومفكـر وقانـونـي – الكـويـت

 

 

الأدلـجة القـبـلـيـة فـي العـالـم العـربـي..

 

نفخر بالنسب العربي المشرف، وبأننا من قبائل وعشائر عربية أصيلة ومتجذرة في البلاد العربية وعميقة عمق التاريخ، إعتمدت في شعارها النخوة والمروءة والشجاعة والكرم والإيثار، وهذا أمر يفخر به كل عربي يرى في نسبه وشجرة قبيلته إرثاً عزيزاً وكبيراً.

لكن مع دخول الإسلام، خافت الكثير من القبائل أن تتغير هيكلية القبيلة وشكلها فتقوقعت الكثير من القبائل على نفسها رغم دخولها في الإسلام واعتناقها أحد المذاهب الإسلامية، لكنها فضلت أن تمارس الدور القبلي على الدور الإسلامي، فلم يستطع الإسلام أن يلغي هذه النزعة المتوارثة منذ زمنٍ سحيق، فطغت العصبية القبلية اليوم على كل شيء، ودخلت في كل شيء، وفي بعض الأحيان تنظر على أنها قوة لا يستهان بها، لكنها إن أقرت رأي لا تغير رأيها مهما حاولت إقناعها، وبالتالي لا يمكن إزاحة هذه النزعة التي تتحول شيئاً فشيئاً إلى نزعة سلبية تحول الدين والتمذهب إلى شعارات تُقال ولا تُطبّق، إلا المساس بالقبيلة فهذا أمر من الكبائر خاصة في شبه الجزيرة العربية.

إذن، إن القبيلة متجذرة بطبيعة العرب وكما أشرت أعلاه، حتى مع مجيء الإسلام، لم يستطع أن ينتزع منهم هذه العصبية أي التعصب للقبيلة، حتى ما بعد الصحابة، وانبلاج الضوء على المذاهب الإسلامية، باعتقادي هم تقوقعوا بالمذاهب ليس من الناحية العقدية بل من الناحية القبلية لكن في شكل وإطار جديد عقدي ومذهبي (سني “مالكي، حنفي، شافعي، حنبلي” أو شيعي أو إباضي أو زيدي أو إسماعيلي).

هناك طبائع متجذرة في القبائل العربية وليكن في القسم الغالب منها، تتميز بالشدة والحزم كما في بعض الخلفاء في العصر الإسلامي، وتتلاقى معها تلك الفترة في كثير من الأمور، خاصة طبيعة أهل نجد والحجاز الصحراوية، كذلك في العراق يتلاقى النفس القبلي مع تلك الحقبة، فطبيعتهم بالعموم هي طبيعة عشائرية وبذلك ترى التعصب هو الغالب، سواء حزب سياسي، أو حركة فكرية، دينية أو إلحادية أو مذهبية، فترى أن الأيديولوجية القبلية طاغية وبقوة، فالمذهب أو الشعار أو أي مسمى آخر هو قبيلة، والتعصب لهذه القبيلة أياً كان نوعها أو شكلها، وعلى المتخصصين في علم الإجتماع على سبيل المثال دراسة مثل هذه الظواهر.

وبصورة عامة، إن العرب من أي دولة كانوا، سوريين أو مصريين أو خليجيين أو عراقيين أو يمنيين أو من المغرب العربي، وغيرهم، تغلب عليهم النزعة القبلية التي يستحيل الخروج عنها، حيث سيطرت على السلوك العام وعلى العقول في طريقة وآليات التفكير، وأود الإشارة هنا إلى أن حديثي يتمحور حول سلبيات هذا الأمر، لكن هذا لا يعني أن لا إيجابيات موجودة بل هي كثيرة، وقوية، ولحاجتنا للرجوع إليها توجب التنبيه من خطورة “الأدلجة القبلية”.

هذا الأمر ينطبق أيضاً على هؤلاء الذين يغيرون دينهم لأي إعتبارات خاصة بهم، يقومون بتقديس الجديد ونقد القديم واعتباره كان وكان وكان، أيضاً ترى البعض يتمترسون في الشق الذي اختاروه (علماني أو يساري أو يميني أو شيوعي أو اشتراكي أو قومي أو بعثي أو ناصري أو أي طائفة أو مذهب أو حركة أو تيارٍ كان).

لكن نبرر للأقليات المتناثرة في البلاد والمجتمعات العربية فإن تقوقعت على نفسها وتعصبت لعرقها أو قبيلتها أو عقيدتها، فهي غير ملامة، لأنها أقلية فتريد الحفاظ على جذورها، بل نلوم من يعيش الحياة الطبيعة ويتخذ هذه الطبيعة منهجاً له، وأكرر طبيعة العرب، طبيعة قبلية، والشاهد أنه ومع وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما حدث في سقيفة بني ساعدة، برز دور القبيلة مباشرةً، فمنهم من قال “منّا أمير ومنكم أمير”.

لذلك إن الثقافة القبلية هي الطاغية، ولم يستطع الإسلام تخليصهم منها، والأكثر التمترس في القبيلة وبالتالي نسبة الإلحاد كبيرة لأن الإسلام شكلي والتمذهب شكلي إلا من رحم ربك، وهذه هي المشكلة الكبيرة.

حتى من هم خارج إطار القبيلة، تجد التعصب إلى الزعيم أو الحزب أو التيار أو أو أو إلخ، فكثرة الظواهر هذه تدلل على شرخ كبير يجتاح المجتمعات، ونرى القبيلة اليوم لديها أسماء متعددة (اليمين واليسار والحزب الإسلامي الفلاني، والحركة العلمانية واللادين)، وغير ذلك الكثير، الجامع بينها، أن الدين يأتي درجة ثانية وإن اختلفت النسب من مجتمع إلى آخر، وبالتالي، مسألة التخلص من هذه الظاهرة أمر صعب، لأنه متغلغل ومتجذر منذ القدم، ما يعني أنه موروث بصرف النظر عن سلبيته أو إيجابيته فهو قائم ولا تستطيع قوة أن تزيحه مهما بلغت من القوة.

ومن المفترض ألا يغلب المذهب بل المبدأ، لكن القبلية طاغية بشكل كبير جداً علينا كأمة عربية وإسلامية وطاغية على ثقافتنا “الأعرابية” إن صح التعبير خصوصاً في منطقة شبه الجزيرة العربية، لكن في البلاد الإسلامية التي تملك حضارة، تجد عندها هذا الموضوع بنسبة أقل من بلادنا مثل تركيا وباكستان وإيران والهند وماليزيا، فتقدم تلك البلاد جاء من مبدأ أن لا نعرة قبلية لديهم، فالدين الموجود لديهم هو سلوك ومبدأ تنامى مع التطور والإقتصاد لديهم في كل المجالات، لأن هذه الدول لديها إرث حضاري ويفهمون الحياة على عكسنا، لا نزال “مكانك راوح”.

النتيجة والحل، العودة إلى القرآن الكريم، قال تعالى في محكم كتابه العزيز: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، والعودة إلى تعاليم الإسلام، وأكرر الهوية ضرورية والنسب والأصل فخر وعز العرب، لكنه يجب أن يبقى في إطار الهوية الخاصة للشعوب وليس للتباهي، فكل الناس سواسية، فلابد لنا أن نتخلص من الأدلجة القبلية، ومن يقول إن تخلف أمتنا بسبب الدين، رغم تقدم العالم، هذا خطأ كبير، لأن من ينادي بالإبتعاد عن الدين والتخلي عن الإسلام وأن الحل بالعلمانية أو الليبرالية أو الاشتراكية أو الإلحاد، لنصحح طريقة تفكيرنا ونعز إسلامنا، ونبتعد عما نهانا الله تبارك وتعالى عنه، من خلال تغيير العقل العربي وطريقة تفكيره المكبلة بالقبلية، وبذلك نستطيع أن نحقق السمو والرفعة والعلو.

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى