أصداء وآراءأقلام الكتاب

ثـلاثـة مـواقـف طـريـفـة !!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسي

 

ثـلاثـة مـواقـف طـريـفـة !!..

 

قال لي بعضهم : كتاباتك حزينة .. وسطورك تحمل اليأس مغلفة بالسخط ومصبوغة بالسواد .. لماذا لا تكتب في الطرفة وتسطر في الدعابة ؟؟!!..

حسنا .. إذن لنبدأ عامنا الجديد بالطرافة نزولا عند رغبة البعض..

تذكرت هذه المواقف الثلاثة الطريفة .. علّها تشفع لي وتمنحني لقلب الكاتب الطريف، وتمسح عني وصمة كاتب اليأس والحزن العفيف..

المـوقـف الأول :

أخبرني زميل هذه القصة الطريفة جداً..

يقول كنا في إحدى مدارس المنطقة الوسطى .. وكنا نسكن في سكن المعلمين الوافدين..

كان المعلمون الوافدون في تلك السنوات، من أروع المعلمين إخلاصاً وعملاً وخلقاً وطرافة..

يقول : ذات صباح كنت جالساً أحتسي شاياً في الجانب الظليل من جوانب السكن، فرأيت معلماً سودانياً خارجاً من غرفته، وكان  في حالة من الغضب والفوران، ويحمل بيده مفكّاً كبيراً..

كان منظره مريباً .. وكان وجهه متعرقاً، وأنفاسه تنفث دخاناً بسبب شدة البرودة كأنه ثور مصارعة أسباني .. وكانت حركته وقبضة يده توحي بأنه عازم على فِعْلٍ  خطير، أو ناوياً القيام  بأمر جلل..

فقفزت من مكاني فزعاً وهرولت إليه لأمسكه .. وأهدّئ من روعه، فأوقفته..

وحاولت تهدئته .. ومعرفة سبب غضبه وغليانه، ومعرفة السر من حمله لهذا المفك المخيف..

فانطفأ الرجل وتنفس الصّعداء، وهدأ روعه، وانخفض أدرينالينه، وجلس بجانبي..

فقلت له أخبرني ماذا حدث .. ما سبب كل هذا الاشتعال والإنفعال ؟؟ !!

فأخبرني الحكاية..

قال : قبل يومين غشترينا أنبوبة غاز بريالين تناصفنا المبلغ أنا وشريك غرفتي المصري .. وبالأمس صدر قرار نقلي الى منطقة أخرى !!..

وحين طلبت من زميلي المصري أن يعيد لي “ريالي” الذي دفعته لأجل أنبوبة الغاز لأنني سأغادر السكن هذا اليوم ولن أستخدم الغاز، قال لي زميلي المصري : ليس لك حق معي .. خذ حقك من  الغاز !!..

وحين رأيتني قبل قليل كنت متوجهاً لأنبوبة الغاز..

فقلت له : ولماذا ؟؟!!..

قال : لأفُكّها .. وأطلق منها نصيبي من الغاز في الهواء !!..

المـوقـف الثـانـي :

وهذه القصة عايشتها بنفسي..

كنا ذات نهار في المدرسة .. وقد أخبرنا أحد المعلمين قبلها بيومين بأنه سيحضر لنا وجبة مأكولات بحرية..

فجاء موعد الوجبة..

وتجمع كل المعلمين حول وجبتهم البحرية .. وفتحت الشهيات وسال اللعاب على مصراعيه..

كان بيننا معلم وافد جلس بجانبي و بدت عليه آثار الإعياء !!..

فقلت له : ما بك ؟!!..

قال : منذ يومين لم آكل شيئاً، منتظراً هذه الوجبة الشهية العظيمة !!..

وحين وضعوا الطعام .. إفترس صاحبنا الصحن إفتراساً .. كان يأكل بيديه الإثنتين، فقضى على كل الطعام، ولم يترك لنا شيئاً في صحننا !!..

ملأ بطنه حتى التخمة ونهض !!..

بعد ساعة أو أقل سمعت أحد المعلمين يناديني لنحمل نفس المعلم إلى المستشفى بسبب ألم شديد في بطنه !!..

حملنا زملينا إلى المركز الصحي القريب من المدرسة .. فحص الطبيب بطن المعلم المنتفخ كانتفاخ بطن إمرأة حبلى في شهرها التاسع .. فقال له الطبيب : يجب إخراج كل الذي في بطنك وحالاً، وليس هناك حل آخر !!..

فقفز المعلم من على السرير صارخاً : والله لن أخرج شيئاً من بطني .. بل سأخرج من هنا !!..

وخرج بسرعة من المركز الصحي .. وكأن شيئا لم يكن .. وأنا وزميلي والطبيب والممرضة وبواب المركز الصحي في موجة من الإندهاش، وعاصفة من الضحك..

المـوقـف الثالـث :

في بدايات تعييني كنت عملت في مدرسة بقرية نائية، وكلفت بتدريس الصف الأول الإبتدائي..

وحقيقة كنت أجهل أشياء كثيرة عن مواقف الأطفال خاصة أولئك الذين يجبرون على الذهاب للمدرسة للمرة الأولى في حياتهم..

في إحدى الصباحات الجميلة كنت في الصف أشرح درساً، وكنت منهمكاً في الشرح فشممت رائحة غريبة، فالتفت إلى الأولاد فرأيت أغلبهم مغلقاً أنفه بكلتا يديه !!..

في البداية لم أعرف مصدر الرائحة وكنت أظنها زائرة من خارج الصف !!..

بعد ذلك رأيت طفلاً في آخر الصف منكمشاً على نفسه، وجميع العيون مسلطة عليه، وبعض الأولاد كان يضحك..

فهمت الموضوع .. وأخرجت الطلاب بسرعة إلى خارج الصف، وطلبت منهم الذهاب إلى الملعب ..

خرج كلهم يتراكضون فرحين باللعب ..

وبقي الطفل الوحيد ملتصقاً في كرسيه ..

إقتربت منه، وعرفت بأنه قضى حاجته في ملابسه..

فحاولت أن أداعبه وأوضح له بأن الأمر عادي، وأننا كلنا نفعلها أحيانا .. وطلبت منه أن يقف ولكنه بكى ورفض، وزاد التصاقا في كرسيه.. فلم يكن أمامي سوى خيار واحد وهو أن أحمله هو وكرسيه..

فحملت الكرسي والولد ملتصق به إلى أقرب حمام .. وخلعت له ملابسه .. وغسلته وحممته .. ثم غسلت ملابسه الداخلية.. وغسلت البقعة الخلفية من دشداشته، وعصرتها بكل ما أوتيت من قوة حتى جفت و أصبحت ممكنة الإرتداء..

فتنشط الولد وانبسط، وخرج من دورة المياه متخلصاً من خجله، وانطلق إلى الساحة ليمارس اللعب مع أقرانه، ناسياً كل ما فعله قبل لحظات..

وتركني أنفض ثيابي المبللة واصلح من هندامي وأوضاعي المبعثرة !!..

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى