أصداء وآراءأقلام الكتاب

قَـنّـاصـة الـفــرح !!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

 

قَـنّـاصـة الـفــرح !!..

 

أقسم لكم أني جالس أشحذ ذاكرتي .. وأقرع غشاء جمجمتي بحثا عن شيء إيجابي أتحدث فيه عن مجتمعي العجيب هذا .. فلم أجد !!..

أرجوكم ..

إذا كان هناك شيء إيجابي يستحق الإشادة والرسم والكتابة والتصفير والتصفيق في  هذا المجتمع .. فلا تبخلوا علي بأفكاركم النَّيِّرة .. وملاحظاتكم المزهرة..

قبل أربعة أشهر إشتريت سيارة مستعملة عن طريق موقع أوليكس .. كنت أبحث عن هذه النوعية منذ فترة طويلة ..

إنطلقت بسيارة أجرة إلى العاصمة مسقط لأسلّم مبلغ السيارة واستلمها من البائع ..

عدت فرحا مبتهجا .. مسرورا بسيارتي ..

حين وصلت أمام باب بيتي رأى جيراني السيارة فبحلقوا بعيونهم وظهرت علامات البؤس والسخط على وجوههم..

ولم يهدوني كلمة مباركة .. لم يقولوا لي : “مبارك لك” !!..

في المساء ذهبت إلى مقهاي المعتاد ..

فرأى جلسائي الثرثارون سيارتي .. فأطلقوا تعليقاتهم وسخرياتهم الملونة..

لم ينطق أحدهم بكلمة طيبة مباركة !!..

في النهار الثاني .. ذهبت الى مدرستي التعسة .. فأحاط مجموعة من المعلمين المتطفلين بسيارتي وأخذوا يدورون حولها وكأنهم كلاب صيد مدربة .. يتشممون السيارة من جوانبها الأربعة !!..

ولم اسمع منهم كلمة طيبة مباركة !!..

أعتقد بأنكم عرفتم مقصدي من المقال (هذا مثال على السيارة فقط وقس على ذلك جوانب كثيرة  وعديدة) !!..

نحن بكل أسف وحسرة، شعوب لا تعرف كيف تصنع الفرح .. لا تعرف كيف تهدي البسمة .. لا تعرف كيف توقظ البهجة من سباتها العميق !!..

نحن مجتمعات لا تعرف كيف تغرس بذور الإسعاد في النفوس .. وتسقيها وتتعهده !!..

نحن لا نتقن تجارة السعادة .. ولا نفهم كيف نصنع الفرح أو نبيع المرح ولا حتى كيف نعرض الضحكات !!..

كم نحن بارعون في بيع الضيق .. وتوزيع الغضب وغرس الإنفعالات بالمجان ؟؟!!..

نحن متخصصون في خلع أسنان الضاحكين !!..

وتمزيق أفواههم .. وتقطيع شفاههم !!.

إننا أعداء الفرح .. والفرح عدونا اللدود !!..

اذا ما صادفنا بعضهم يضحك .. حاولنا قنص فرحته .. وقتلها بسرعة هائلة .. قبل أن يقوم من مقامه او يتحرك من مكانه ، بل قبل أن يرتد إليه طرفه !!..

في العام 1921 منحت فرنسا أحد شبابها جائزة الدولة التقديرية في القصة القصيرة..

القصة كانت تافهة جدا .. وسخيفة للغاية .. ولكن الحكومة الفرنسية تمنح الفرح .. وترفع المعنويات لشبابها .. إنها تعدهم للغد..

اليوم تمنحهم الفرح زهيداً بخس  الثمن .. وغداً هم من سيمنحونها التتويج والرفعة عظيمةً غالية الثمن … وانظر لكُتّاب و مفكّري فرنسا العظام بالأمس واليوم !!..

في كوريا الجنوبية يتم تكريم الطلاب متوسطي الذكاء ضعيفي المهارات أكثر من الطلاب خارقي الذكاء !!..

وهناك مناهج ابتدائية أساسية لتعليم الطفل كيف يبتسم .. وكيف يساعد الناس على الابتسام .. وكيف يصنع جوّاً من السعادة في محيطه .. وكيف يرحم الحيوانات..

في الهند هناك مؤسسات تربوية مدعومة من الحكومة متخصصة في متابعة وتنمية وتعزيز التواصل الإيجابي بين الناس من خلال نشر المدح وتوزيع الشكر والثناء فيما بينهم .. لرفع معنويات الناس لمقاومة ضغوط و ظروف الحياة الصعبة..

مجتمعاتنا نحن .. مجتمعات التحطيم والهدم .. وقتل الطموح .. وشنق الأمل ونحر التفاؤل !!..

أذكر جيدا ولا أنسى هذا الموقف أبدا ما حييت .. في العام 1993 رفض جميع المعلمين في مدرستنا تدريس الصف الأول الابتدائي .. وظل الطلاب بدون معلم أسبوعين كاملين .. فقررت التبرع والاضطلاع بمهمة تدريس الصف الأول الابتدائي .. بشرط أن أمنح حرية التعامل والتصرف في طريقة تدريس المنهج..

بدأت التدريس .. المجتمع قروي .. أمّي .. جاهل بالكامل .. لذلك كانت العملية شبه انتحارية لتعليم تلاميذ يدخلون المدرسة لأول مرة في حياتهم..

لكنها كانت تجربة مشوقة بالنسبة لي..

جاء لزيارتي أحد مسؤولي المنطقة التعليمية .. فأخذ يفتش دفاتر الطلاب .. فسقطت عينه المريضة والتي خلقت لرؤية الظلام، ومحاربة النور ..

وجدني قد وضعت 3 نجمات جميلة لأضعف تلميذ في الصف !!..

فزأر  وزمجر .. وأرغى وأزبد !!..

فقلت له : رويدك رويدك .. إنها مجرد نجوم مجانية لتعزيز الطالب وتحفيزه .. ليواصل الحضور إلى المدرسة والجلوس في الصف..

واليوم ذاك الطالب الضعيف الذي وبخني مسؤول المنطقة التعليمية بسببه .. يعلق 3 نجوم بيضاء لامعة على كتفه .. و يتلألأ صدره بالنور .. والفرح..

في العام 2000 وبعد انتظار ثماني سنوات للحصول على موافقة للتفريغ لدراسة الماجستير وعلى نفقتي الخاصة .. سافرت إلى ماليزيا وبعد خمسة أشهر قطعوا إجازتي الدراسية وطلبوا مني العودة الى عملي دون سبب .. فألغوا دراستي وقتلوا فرحتي !!..

للأسف .. هذه طبيعة غالبية مجتمعنا .. مؤسسات وأفرادا  .. إطفاء النور .. وقتل الفرح أينما وجد وأينما ظهر !!..

ثقافة المديح و التعزيز والتشجيع والتفريح، التي هي من أهم ركائز الهمة والنشاط والعمل والإنتاج .. غير متوافرة في أرواحنا .. غير ملتصقة بعقولنا الخربة .. غير مزروعة في قلوبنا المتحجرة !!..

فحين نصادف حالة تعزيز نادرة .. أو بسمة عابرة .. أو لحظة ابتهاج واحدة نندهش وتتجمد لدقائق .. لا نصدق بأن هناك من يزرع الفرح !!..

لا نستوعب بأن هناك من يغرس البسمة .. وينثر النور في القلوب !!..

لذلك نحن متخلفين في كل شيء .. فاشلين في جوانب الحياة !!..

لأننا لا تعرف كيف نساعد أنفسنا .. لا نعرف كيف نمنح بعضنا ونأخذ بأيدي من حولنا إلى ملكوت المرح .. وفضاء الفرح .. والابتهاج ..

إننا شعوب تمتهن الغضب والإغضاب بامتياز .. وعاجزون تماما عن فتح الإشارة الخضراء لعبور مواكب الفرح .. وانطلاق مراكب الإبتسامات .

فأعان الله أجيالا تنتظر من يبهجها .. ويطفئ لهيب قلوبها بالبسمات والضحكات .. ويضيء دروبها المظلمة بنور  الأمل .. وضياء الفرح..

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى