أصداء وآراءأقلام الكتاب

بعـيـداً عـن الشائـعـات قريـبـاً مـن الحقـيـقـة!!..

الكاتب/ طلال بن حمد الربيعي

talal.al5595@gmail.com

 

 

بعـيـداً عـن الشائـعـات قريـبـاً مـن الحقـيـقـة!!..

 

خلال الحرب الباردة لعب التأثير الثقافي دورا بارزا في توجيه المجتمعات والشعوب حول العالم تمثل ذلك من خلال الموسيقى والأفلام والكتب والبرامج الإذاعية والتلفزيونية ووسائل الإعلام الأخرى، استعملت هذه الوسائل من اجل شيطنه الطرف الآخر وكسب الرأي العام.

في السنوات العشر التي تلت انتهاء الحرب الباردة تحولت سياسه الدول من التسابق نحو التسلح والتجسس وحرب الفضاء الى التسابق نحو الاقتصاد المعلوماتي اي الاقتصاد الذي يعتمد على تأثير المعلومات ونظم المعلومات، واخذت كثير من الدول بسط نفوذها حول العالم ليس عن طريق الايدولوجيا او الإحتلال العسكري المباشر ؛ وإنما عن طريق الاقتصاد او ما بات يعرف بالقوة الناعمة.

في خضم هذا التسابق المحموم اقتصاديا وسياسيا ظهرت على السطح ما يسمى بمراكز الفكر أو الأبحاث والدراسات، و أصبحت هذه المراكز البحثية والفكريه (بغض النظر عن مسمياتها) جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي التنموي في العديد من البلدان، فعلى سبيل المثال تمتلك الصين ثالث أكبر عدد من مراكز  الفكر والبحوث والدراسات في العالم، بعدد وصل إلى 507 مراكز فكر، وذلك وفقا لأحدث تقرير من جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية لتصنيف مراكز البحوث والدراسات على المستوى العالمي، وكشف التقرير أن الولايات المتحدة إحتلت المركز الأول بـ 1871 ، وجاءت الهند في المرتبة الثانية ب509.

هذه الزيادة المطردة في مراكز الفكر و الأبحاث والدراسات في كثير من الدول حول العالم، لم تأتي اعتباطا او ترفا؛ انما هي ناتجه عن اهميه هذه المراكز ودورها الفاعل في رسم التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية للدول وكونها مصدر لا غنى عنه في إمداد أصحاب القرار السياسي ووسائل الإعلام بتحليلات ودراسات تتعلق بالقضايا الهامة ، وتحديد أولويات القضايا التي تواجه تلك الدول، بالإضافة إلى مشاركتها في تحديد المسارات التي يجب أن تسلكها الحكومات في تعاملها مع هذه القضايا.

إن الدور الأساسي المنوط بهذه المراكز يركز على تحليل الواقع وفقاً لمعطيات ومقدمات معينة، وتقديم رؤى مستقبلية من أجل النهوض بواقع جديد بعيداً عن الارتجال أو النظرة الأحادية. لذلك  نستطيع تسميتها بقرون الاستشعار الأولى وخاصه ان الحصول  على الارقام والاحصائيات التي تعطينا مدى ما تحقق امرا يسيرا في ظل التكنولوجيا والعلم الحديث فلم يعد مقبولا التعامل مع المستقبل بسياسات ارتداديه او بناء على ردود الافعال ولا يجوز أن يختزل الاستعداد للمستقبل من خلال تنظيم مؤتمرات او ندوات وغيرها من المسميات؛ فالمستقبل يحتاج استشراف مبني على معطيات حقيقيه تلامس الواقع وتتحرك وفق امكانياته المتاحه ولا تأخذ فقط الجانب التنظيري.

السؤال الآن : هل نحن بحاجه الى مراكز أبحاث ومراكز فكر ؟

من وجهة نظري إذا كانت الحكومة جادة في الإصلاحات الاقتصادية وليس همها فقط  ترشيد الإنفاق بغرض الخروج من أزمه مؤقته، فهي بحاجة إلى مثل هذه المراكز حتى تكون جسوراً ودعامات تساعدها على تطبيق محاور وآليات التنويع الاقتصادي، وفق أهداف الرؤية المستقبلية “عُمان 2040”.

من خلال متابعتي لمشهد الأحداث المتسارعة خلال الفترة الماضية، وانتشار ما يمكن أن يطلق عليها بقصاصات الأخبار غير المعروفة التي تعمل على إثارة وتوجيه الرأي العام، والتي كثيراً ما تحمل في طياتها أخباراً كاذبة أو ملفقة لأخبار من بلدان أخرى، بالإضافة إلى انتشار التحليلات والأفكار من أشخاص ليس لهم علاقة بالاقتصاد.

وأمام غزارة هذه  الأخبار؛ التي في أغلب الأحيان تنقل دون تحليل وتمحيص، ودون الاعتماد على أرقام  وإحصائيات؛ فإننا في أمس الحاجه لوجود مراكز أبحاث فاعلة ومؤثرة، تستطيع أن تمدنا بتحليلات صحيحة مبنية على معلومات ودراسات دقيقة، يمكن من خلالها تفنيد الأكاذيب والشائعات، والاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي المختلفة لتستطيع نشر ما لديها من دراسات وأفكار في وقت أسرع؛ بحيث تتمكن من الوصول إلى شريحة أكبر من أفراد المجتمع؛ بعيداً عن البيروقراطية والطرق التقليدية، وبالتالي يتم محاصرة الشائعات وقتلها في مهدها طبعاً، هذه المهمة ليست بالسهلة، وهي بحاجه  إلى خبراء في التواصل الإعلامي يستطيعون صياغه الأخبار بطريقة تصل إلى جميع الشرائح والفئات.

يجب على الحكومات أن تعي شيئاً مهماً؛ هو أن التغييرات والإصلاحات تمر بمنعطفات صعبة جداً وحساسة، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى لُحْمة شعبية ومجتمعية، وأن سعادة الشعوب تكمن في شعورهم بقيمه الحياه وارتباطهم بالأرض التي يعيشون عليها، وهذا لا يتأتّى إلا من خلال تقديم الرعاية الصحية الجيدة، والتعليم الجيد والخدمات الأخرى التي تمس جوهر حياتهم، وكذلك الاقتراب من  همومهم  وتطلعاتهم، وإعطائهم مساحه للمشاركة في صناعة القرارات المصيرية؛ فكلما كانت الحكومة قريبة من الشعب ولديها معرفة حقيقية بالمجتمع وبتوجهات أفراده، كلما استطاعت تمرير الكثير من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتجنبت الكثير من ردود الأفعال، واستطاع صُنّاع القرار التحرك على أرض صلبة .. عند تحقيق ذلك نستطيع أن ننطلق إلى بناء المستقبل بخطىً ثابتةٍ وقوية.

وفي الختام نقول : المستقبل هو الذي يجب أن يكون شغلنا الشاغل، هذا المستقبل الذي يجب علينا صنعه..

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى