أصداء وآراء

القتل الرحيم في الشريعة الإسلامية.. الجزء (1)..

الكاتـبـة/ رجـاء مـولـيـو

باحثة دكتوراة/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة إبن طـفـيـل – المغـرب

 

القتل الرحيم في الشريعة الإسلامية.. الجزء (1)..

 

مـقـدمـة : 

إن موضوع القتل الرحيم بين الشريعة والقانون من بين أهم المواضيع المطروحة في هذه الحقبة التاريخية من الزمان، لأنه موضوع يتضارب بين التحليل والتحريم بين الأطباء والفقهاء وفي القانون العربي والأجنبي.

ربما يعود تبرير القتل الرحيم وانتقاله من أفكارٍ في الأذهان، إلى قواعد راسخة في الكتب، استنادا إلى قاعدة الغاية تبرر الوسيلة كأساس فلسفي للقتل الرحيم، فيجعلهم يستعملون القتل كوسيلة للوصول إلى غاية الرحمة أو الشفقة، أو ربما يربطون بين الوسائل والمقاصد بحجة أن هناك قاعدة شرعية تقول أن للوسائل أحكام المقاصد. 

الثابت أن القتل هو إزهاق روح إنسان آخر دون وجه حق، وتكمن علة تجريم فعل القتل في حماية حق الإنسان في الوجود، وبالتالي حق المجتمع ذاته في الاستمرار والبقاء، لأن وجود المجتمع مرتبط بحماية وجود أفراده.

وتعد جريمة القتل من أقدم الجرائم وأبشعها في جميع الشرائع، ومنها الشريعة الإسلامية التي نهت عن القتل العمد، واعتبرته من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم، لقوله تعالى :

﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ ، وقوله تعالى : ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ والنصوص على ثبوت التحريم كثيرة.

ويعتبر القتل الرحيم بدعة اختلقها المجتمع الغربي للتخلص من مرضاهم وكبار السن، الأمر الذي يشير إلى غرق هذا المجتمع في المادية الصرفة، خلافا لما قام عليه الإسلام من القيم في توقير الكبير ورحمة الصغير ورعاية المريض وبر الوالدين، المستمدة من نصوص الشريعة الغراء، ولهذا الأساس بقيت المجتمعات الإسلامية متمسكة بهذه القيم، فبالرغم مما أحرزته الحضارة الغربية من تقدم مادي وتكنولوجي في هذا العصر، فإنها عجزت عن حفظ كرامة الإنسان عندما أعجزته خدمته لها أن يقوم بمصالحه.

إن الدين الإسلامي يظل هو الأبقى والأصلح لكل زمان ومكان، ويقوم على احترام آدمية الإنسان أيا كانت ديانته.

ويستند المؤيدون للقتل الرحيم على أن الإنسان حر في تقرير مصيره، وله حق التصرف في جسده كيفما يشاء، فله حق الحياة وحق الموت وحق أن يُقتل إن رأى ذلك، وأن القتل الرحيم من شأنه أن يريح المريض من معاناته وآلامه، كما أن القتل الرحيم بمنزلة مساعدة على الانتحار، وأن حياة بعض كبار السن والمرضى تساوي عدمَها، وخير لهم أن يموتوا، وأن قيمة الحياة تقاس بمقدار مساهمة الإنسان إبداعاً وإنتاجاً، فما قيمة الحياة عندما يصبح الإنسان معتمداً على غيره في قضاء حوائجه ؟ فيرى الدكتور سيد الجندي أستاذ المخ والأعصاب، وأحد أعضاء مؤتمر الاتحاد الدولي لجمعيات جراحة الأعصاب في نيودلهي، أن في القتل الرحيم قمة الإنسانية، فكما أن من حق الإنسان أن يعيش حياة كريمة .. فمن حقه أن يموت موتة كريمة، ويقول : ونحن الأطباء إذا كانت رسالتنا أن نحافظ على صحة الإنسان وكرامته بشكل إنساني .. فيجب أن نتركه يموت كذلك بشكل إنساني يحفظ كرامته، كما يرى الدكتور محمد شعلان أستاذ الطب النفسي، أن الإبقاء على حالة المريض وهو يتعذب، فيه تعذيب له ولأهله، وإهدار للمال دون فائدة، والمستفيد الوحيد مافيا الأجهزة الطبية .. ثم يقول : ولكن لا بد من أخذ رأي المريض قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة الخطرة!!.

كما للعامل الاقتصادي أثر يستندون عليه، فالتخلص من بعض المرضى وكبار السن، فيه توفير مادي على المجتمع والدولة، فمن الواجب تخليص المجتمع من الحشائش الضارة، ويمثلون لذلك بمرضى الإيدز!!.

ويُرد على هذه الأسانيد المادية النزعة، أنها تهدر قيمة الحياة البشرية، وتقيس هذه الحياة بالنفع المادي للإنسان، فإذا توقف هذا النفع أو تعطّل، لمرض أو عجز فلا ضرورة لبقاء الإنسان على قيد الحياة، وفي ذلك خير دليل على عجز الفكر المادي، وإهداره لحقوق الإنسان، خاصة في حالة العجز والمرض، إن الإنسان في نظرهم مجرد آلة صماء إذا تعطلت وعجز المجتمع عن إصلاحها، يجب التخلص منها، وسعى ماديو الفكر لإقامة المجازر للمرضى وكبار السن تحت حماية القانون على الأقل!!.

وقد قوبلت هذه الدعوى الخبيثة في العالم الإسلامي بالرفض، فقتل الإنسان أيّاً كان، سواء المريض الميؤوس من شفائه، أو المسن العاجز عن الحركة والعمل.

يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق : {القتل الرحيم ليس قراراً متاحاً من الناحية الشرعية للطبيب، أو لأسرة المريض، أو للمريض نفسه، وحياة الإنسان أمانة يجب أن يحافظ عليها، وأن يحفظ بدنه ولا يلقي بنفسه إلى التهلكة، لقوله تعالى : ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وقد حرم الإسلام قتل النفس، لقوله تعالى : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ ونهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتل الإنسان نفسه نهيا شديدا، وتوعد من يفعلون ذلك بسوء المصير في الدنيا والآخرة، فقد أكدت شريعة الإسلام على التداوي من أجل أن يحيى الإنسان حياة طيبة، كما أمرت الشريعة الإسلامية الأطباء بأن يهتموا بالمريض، وأن يبذلوا نهاية جهدهم للعناية به، وعلى الطبيب والمريض أن يتركا النتيجة إلى الله سبحانه وتعالى، كما أن الطبيب عليه ألا يستجيب لطلب المريض بإنهاء حياته، وإذا استجاب يكون خائنا للأمانة سواء بطلب المريض أو بغير طلبه وإلا أصبح قاتلا وتعرض للعقاب}.

وأكدت لجنة الفتوى بجامعة الأزهر، أن الإسلام يُحرم قتل المريض بدعوى الرحمة وقالت : “إن الآجال محددة بعلم الله سبحانه، ولا يدري أحد ولا يستطيع تحديد متى يموت، (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير).

والمرض وحده ليس كافيا في توقع الموت، فكم من حالات أجمع الناس فيها على حتمية الموت العاجل ثم كانت إرادة الله عز وجل بالشفاء. فنتائج الأسباب مظنونة، وإرادة الله عز وجل غالبة”.

والإسلام يحرم القتل بدافع الرحمة مهما كان الغرض منه، ولا يبيحه لمن يشرف على علاج المريض سواء أكان طبيباً أو غيره؛ حتى وإن أَذِنَ المريض أو أولياؤُه لأنه قتل حرمه الله سبحانه إلا بالحق، والمريض إن أَذِنَ به يعد منتحراً، وقد تقدم نهيه سبحانه عن قتل النفس؛ حيث قال تعالى : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا﴾.

وفي مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك وقول الشافعي : إن إذن الإنسان بقتله لا يبرر القتل، ويستثني الإمام أبو حنيفة الإذن بالجَرح، ويرى فيه عدم العقوبة، وفي مذهب الإمام أحمد لا عقوبة على الفاعل في قتل أو جرح إذا أذن له صاحبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى