أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

إبراهـيـمـوفـيـتـش المـغـرور!!..

الكاتب/ عـبدالله الفارسي

 

 

إبراهـيـمـوفـيـتـش المـغـرور!!..

 

 

اليوم سأكتب لكم سطوراً مختلفة عن المألوف بعيدة عن مقالاتي المزعجة وحكاياتي المنتفخة كنوع من التغيير وكسر الروتين اللفظي وتجديد التنوع القرائي.

 لأن ابني طلب مني أن أكتب مقالاً عن لاعب كرة قدم مثير للجدل والإعجاب على حد سواء.

أنا حقيقة لست رياضيا ولا أملك عضلات ولا أكتاف ولا أرداف.

ولأنني أعيش في وطن جميل جدا  لا يكترث بالرياضة ولا يعتبرها مجالاً مهماً في الحياة.

لا يزعج رأسه بالرياضيين ولا يرهق ميزانيته بملاحقة ومتابعة وصيانة المواهب والموهبين.

لذلك أنا لا أهتم كثيرا بمتابعة الرياضة ولا أتابع الدوريات الرياضية باستثناء مباريات الكلاسكو .. والنهائيات الأوروبية التي تشغل الدنيا ولا تقعد الناس فأضطر للتَّسمُّر أمام الشاشة ومتابعة مواهب العالم وعمالقة المستطيل الأخضر والإلتزام بدفع رسوم الاشتراك السنوي (التي ترتفع سنوياً بشكل مبالغ فيه وبأسلوب جشعي مقيت) لمحطة بي إن سبورت القطرية الثرية حتى يتمكن السيد ناصر الخليفي من دفع رواتب نيمار وإيمبابى وزملائهما الأثرياء في باريس سان جرمان.

*****

ولكن الحمد لله بأن ابني حفظه الله شاب رياضي هاوي صالات وصاحب عضلات .. وهو أيضا يعشق كرة القدم ولديه حركات ولمسات وفنيات ربما سيضطر أن يدفع “قيمة مضافة” عليها مستقبلاً.

وهو معجب جدا باللاعب السويدي زالتان إبراهيموفيتش.

طبعا ليس معجبا بمهاراته الكروية فهناك من هو أفضل من ابراهيموفتش في الأداء والعطاء الكروي.

لكنه معجب بتعليقاته الغريبة وتصريحاته ومواقفه المثيرة.

ابني مثلي تستهويه الطبائع النفسية الغريبة وتثير فضوله التعليقات والجمل والعبارات العجيبة.

فكلما علق زالتان ابراهيموفيتش في حسابه في الإنستغرام أرسل لي ابني التعليق مصحوبا “بإيموجي” ضاحك .. دليلا على إعجابه به .. ورضاه على تعليقاته.

زالتان ابراهيموفتش .. شخصية غريبة حقا وظاهرة رياضية وسلوكية تستحق الدراسة.

يملك نرجسية غير عادية ولكنها من النوع اللطيف وغير العنصري.

بل هي عنصرية لطيفة لمواجهة عنصرية بغيضة.

يقال : إن (كل أنواع التكبر وأشكال الغرور منبوذ مكروه ماعدا نوع واحد وهو الغرور على المغرور والتكبر على المتكبر).

وهذا ما يفعله زالتان ابراهيموفيتش.

فالمتتبع لحياة هذا اللاعب يستطيع تفهم طريقة تعامله مع الآخرين بهذه الطريقة المستفزة، ويلتمس له العذر لغروره وغطرسته .. فهو ينحدر من أصول تركية بوسنية ويحمل الجنسية السويدية.

ونظرة السويديين لأصحاب الأصول التركية كغيرهم من الأوروبيين نظرة استعلائية دونية ..

مازال الأوروبيون رغم مشوارهم الطويل في العلم والفكر والثقافة مازالوا لم يتخلصوا من فكرة الرجل الأبيض والدماء الزرقاء .. كما أن الأتراك بطبيعتهم لديهم ما يكفي من الاستعلاء والاحساس بالسمو والتفوق لأسباب تاريخية أكثر منها عرقية.

لذلك وبطريقة سيكلوجية طبيعية تماما يواجه “زالتان  ابراهيموفتش” تلك النظرة المختبئة النائمة في صدور السويديين نحو الأعراق المهاجرة الى  السويد يواجهها  بنظرة استعلاء كبيرة من منطق لا يفل الحديد إلا الحديد، مستغلاً تفوقه ومستعينا بمهاراته وتميزه الذي تعترف به الدولة السويدية بنفسها بل والقارة الأوروبية بأكملها.

ولو تابعنا كل مبارياته .. وتحركاته وحركاته في الملعب وطريقة تعبيره عن بهجته بأهدافه ستصاب بالدهشة من هذا اللاعب العملاق ذو البنية الجسمانية الضخمة.

الجانب المثير في شخصيته ليس قوته الجسمانية ولا مهاراته وإنما نظرته غير العادية لنفسه.

رضاه غير الطبيعي عن ضميره.

تصالحه المطلق مع ذاته.

سأله أحد الصحفيين ذات لقاء : لماذا أنت مغرور بهذا الشكل 

فقال له بكل هدوء :

“أنا لست مغروراً ولكنكم أنتم أقزام أكثر من المعقول!!”.

ما يميزه أنه حاضر البديهة سريع الرد لا يخجل من أحد ولا يحني رأسه مهما كان الموقف صعباً أو شائكا.

في كل صورة تلتقط له يظهر فيها زالتان جانب العلو ويبرز موضع  التعملق والارتفاع.

دائما يكون حريصا على إظهار نفسه بأنه الأعلى والأرفع.

في آخر تعليق له تحت الصورة في الإنستجرام يقول عن نفسه بأنه “السرمدي” أي الخالد.

إنها نظرة نرجسية للذات من فئة الخمس نجوم .. ولكنها تمنحه الخلود النفسي المطلق كما يقول.

هذا الإعتزاز بالنفس غير طبيعي .. ومتجاوز للحدود.

لكنه يعتبر هذا هو الطريقة الأنسب للتعامل مع الجنس الأوربي المتعجرف.

حين خرج من فريق برشلونه قال مصرّحاً : برشلونه لاعبين  جيدين لكنهم مازالوا أطفال .. وأنا لا أحتمل اللعب مع أطفال فترة طويلة!!.

حتى أنه فرض لقبه  في الشارع الرياضي على الجميع وأجبرهم بأن يطلقون عليه لقب “السلطان زالتان” .. شاء من شاء وأبى من أبى.

حقيقة الشيء الذي يعجبني في هذا المخلوق أنه يتعامل مع العالم بطريقة صحيحة.

فإذا لم تكرم نفسك فلن يكرمك أحد.

اذا لم ترفع من قيمتك .. فلن يرفع أحد قيمتك.

إذا لم تنظر لنفسك بعلو .. وترى ذاتك بارتفاع فالكل سينظر إليك بدونية واحتقار.

نحن نعيش في عالم متكبر عالم غير محترم بالمرة .. عالم يمكن أن نطلق عليه بأنه “عالم ساقط” وهو يستحق هذه الصفة  بجدارة.

هذا العالم لا يحترم سوى القوي المغرور والمتكبر المتغطرس.

عالم يهين المتواضع ويحتقر المحترم .. ويدهس البسيط المسكين ويقتل الضعيف.

حين طلبه نادي جالكسي  الأمريكي في لوس انجلوس، وبعد قضاء موسمين في أمريكا، وبعد إنهاء عقده  وقبيل مغادرته لوس انجلوس وفي مؤتمر صحفي قال مخاطبا الأمريكان : “لقد طلبتموني لكي أعلمكم كرة القدم .. وقد فعلت.

والآن سأترككم لتلعبوا البيسبول إنها تناسبكم”.

في مقابلة تلفزيونية سأله المذيع محاولاً إهانته : أنت تختلف عن السويديّين اللطفاء .. أنت أقل لطفا منهم .. لماذا ؟!!.

فقال له : ذلك ليس مهما .. يكفي أنني جعلت من السويد كلها دولة مشهورة .. كما سأجعل منك بعد لحظات مذيعا معروفا ومشهوراً !!.

يالها من سرعة بديهة ، وإجابة صاعقة وقاصفة!!.

هذه السخرية الصادقة والنرجسية الطافحة التي يتمتع بها هذا الرجل ليست وليدة الصدفة.

وإنما هي نتيجة خبرة عميقة اكتسبها زالتان ابراهيموفتش من خلال سلوك الرجل الأبيض وعنصريته البغيضة تجاه الأعراق الأخرى .. لذا هو يتعامل معهم بالمثل تماما .. ويكافحهم بذات المبيد .. ويقذفهم بذات النيران.

نظرة العلو والارتفاع لا يمكن أن يمارسها إنسان عادي لأنها تحتاج إلى عناصر سيكلوجية مرافقة كالشجاعة والثقة بالنفس والذكاء وكمية من الوقاحة والتبجح واللامبالاة.

وهذه الصفات يتمتع بها ابراهيموفيتش بوفرة كبيرة.

أرادت إحدى الصحفيات أن تحرجه  أمام الملأ .. فسألته سؤالاً محرجاً جداً وهي لا تعرف بأنه ليس من النوعية التي تصاب بالإحراج أو تنكمش بالخجل.

فقالت له : هل أنت شاذ جنسيا ؟؟!!.

فابتسم لها وقال لها بكل برود : لا أعرف لكن بإمكانك أن تزوريني في بيتي وتتأكدي بنفسك .. ويا حبذا لو أحضرتِ شقيقتك معك!!.

زالتان إبراهيموفيتش غير ملوم في تعامله مع الجميع بهذه الطريقة فهو لاعب ساحر وغير عادي.

ويكفي أن تعرف بأن ابراهيموفيتش تجاوز الأربعين ومازال يحرث الملعب طوال تسعين دقيقة كحصان عربي أصيل.

أجمل وأصدق ما قاله زالتان ابراهيموفيتش :

(لا تغتروا بالأوروبيين ولا تنبهروا بخطاباتهم الرنانة وبالحرية والديمقراطية التي يتشدقون بها إنهم بغيضون حقودون وعنصريون لدرجة لا يمكن وصفها).

*****

قبل أيام قدم قرار لهيئة الأمم المتحدة لمناهضة التمييز العنصري عالميا وبقرار أممي .. جميع الدول صوّتت بالموافقة.

والذي رفض القرار هي الدول التي تتشدق بالحريات وحقوق الإنسان (أمريكا وبريطانيا واستراليا وفرنسا وألمانيا وهولندا … تخيلوا)!!.

فلا تلوموا ابراهيموفوتش.

*****

بكل أمانة ليتني أملك نرجسية زالتان وغروره.

على الأقل سأعيش في تناغم مع نفسي.

ضاربا بكل ما حولي من سخافات العالم وتفاهاته عرض الحائط.

لكن زالتان يملك 300 مليون دولار..

وأنا معي 37 ريالاً في حسابي .. حسب آخر رسالة من البنك!!.

وهنا يكمن الفرق الشاسع والفلكي بيننا !!.

من أشهر كلمات زالتان ابرهيموفتش :

(هذا العالم لا يستحق سوى الدهس بهذا الحذاء ، وأشار إلى حذائه الثمين…).

شكراً ابراهيموفتش .. أنت رجل جدير بالاحترام في عالم غير جدير بالاحترام!!.

‫4 تعليقات

  1. بطبيعة الحال للناس وجهات نظر مختلفة..
    ولكن مالا يختلف عليه إثنان أن الكاتب مبدع في طرحه ورائع في سلاسة سرده ومتمكن بارع في كيفية التوغل لإعماق القاريء لإيصال رسالته له..

  2. لا أوافقك الرأي
    الجيد جيد والسيئ سيئ
    لاتنهى عن خلق وتأتي بمثله
    تقبل احترامي وتقديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى