أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

من أجـل سـيـاحـة حقـيـقـيـة..

من أجـل سـيـاحـة حقـيـقـيـة..

الكاتبة/ رحمة بنت مبارك السلمانية

 

من أجـل سـيـاحـة حقـيـقـيـة..

 

عندما نتحدث عن السياحة الداخلية في سلطنة عُمان فإن هناك سلسلة من الأسئلة التي ما زالت تبحث عن إجابات، وهناك مجموعة من علامات التعجب التي ظلت حائرة لسنوات..

لماذا السياحة في بلادنا مرتبطة فقط بالتجارة إذ تتمثل في زيادة أعداد المولات أو المراكز التجارية التي تستهدف جيب المواطن بالدرجة الأولى ؟!.

لماذا يلجأ بعض المواطنين إلى بلدان مجاورة للسياحة والترفيه وقضاء العطلات وأيام الإجازات ؟!.

لماذا يعتقد الكثير من المواطنين أن السياحة الداخلية مملة ورتيبة ؟!.

ألا يمكن تطوير السياحة في السلطنة بما يتناسب وإمكانياتها ومقوماتها وميزاتها العديدة ؟!.

ألا يمكن إيجاد مشاريع سياحية مبتكرة بعيداً عن وجهات التسوق والتبضع ؟!.

ألم يحن الوقت لاستغلال المقومات الطبيعية والتضاريس والمعالم التراثية التي تحظى بها السلطنة الاستغلال الأمثل للنهوض بها سياحياً واقتصادياً ؟!.

لماذا نجحت الكثير من البلدان في صناعة سياحة ناجحة وتنفيذ مشاريع سياحية ضخمة من لا شيء على أرض الواقع؟!.

لماذا السياحة لدينا تفتقر إلى أبسط الخدمات والبنى الأساسية ؟!.

لماذا لا ترى بعض المشاريع السياحية المرتقبة النور وتبقى حبيسة الأوراق والدراسات والأدراج ورهينة المناقصات والمزايدات والموازنات وقيد التصريحات لسنوات وأحياناً لعقود ؟!.

مضت خمسة عقود على نهضة عُماننا الحديثة ، فما هي المشاريع السياحية التي تستحق أن نفاخر بها الدول اليوم ؟!.

كم من الوقت سنحتاج لصناعة سياحة حقيقية (تثري) كما قالوا منذ أعوام ؟!.

تُعرف السياحة بأنها من أهم الصناعات الرائدة في العالم الجاذبة للاستثمار والمعززة لاقتصاد الدول لذلك توليها معظم بلدان العالم الكثير من الاهتمام من أجل تنمية مواردها وإيجاد طرق لدعم الاقتصاد وخلق فرص عمل لسكانها وتطوير الخدمات الأساسية ووسائل النقل لمواكبة التغييرات.

في الواقع أن السياحة صناعة تعتمد على الابتكار والتطوير والإبداع وهي صناعة متجددة لا يمكن أن تتوقف عند حد معين ولا يمكن أن تهرم في عصر من العصور؛ لأن الإنسان بطبعه يحب التنقل والتغيير والتجديد واستكشاف العالم من حوله، كما أن السياحة ليست محصورة في المشاريع التجارية أو مراكز التسوق فقط، بل هي شبكة واسعة من العناصر والمجالات المتشعبة والمترابطة والمكملة لبعضها البعض والتي تعتمد على استغلال كل الإمكانيات والمقومات والمتغيرات وتسخيرها لصناعة سياحة فريدة بامتياز.

لقد حبا الله شبه الجزيرة العربية بصحارى وجبال وسهول وبحار ممتدة لمسافات طويلة  ، وتعد سلطنة عُمان إحدى تلك الدول التي تمتلك أهم وأفضل المقومات السياحية ، فهي غنية بالثروات الطبيعية والتضاريس البيئية البديعة والمناظر الخلابة والشواطئ الجميلة والجُزر الساحرة ، والينابيع والعيون المائية والأفلاج والجبال الشامخة والرمال الناعمة والأودية الرابضة الممتدة على طول مناطق السلطنة ، والآثار العريقة التي تحكي تاريخ العصور القديمة المتمثلة في القلاع والحصون والقرى والمباني والموروثات الأثرية القديمة ، وبالإضافة إلى المحميات الطبيعية التي تتوزع في مختلف أنحاء السلطنة ، إلا أن كل تلك الثروات والمميزات العظيمة لم يحسن استغلالها حتى الآن ، رغم أنها دولة حضارية غنية يغذّيها النفط والغاز ، فقد سمعنا عن الكثير من المناقصات والمزايدات والمقترحات والتصورات لمشاريع سياحية ، ولكن يبدو أنها سقطت سهواً ولم تظهر للعيان وبعضها أصبحت طي الكتمان والنسيان.

إن عُمان دولة غنية بمناطق شاسعة وولايات تضم في أحضانها قُرى ساحلية وجبلية غاية في الجمال ، وتروي أراضيها الأودية والأفلاج تحفها الخضرة والمياه من كل جانب وقُرى عريقة تقع بمحاذاتها بيوت أثرية أصبحت أطلالاً شاهدةً على تاريخ أهلها، ولكن لم يعرفها سوى قلة من المغامرين الذين يعشقون مصارعة الطرق الوعرة بما فيها من عقبات وحفر وتعرجات ، ويجيدون صعود الجبال سواءً بمركباتهم أو سيراً على الأقدام ، وهناك تضاريس وتكوينات صخرية فريدة وظواهر طبيعية شكلت لوحات فنية من السحر والإبداع بالإضافة إلى الكهوف والمغارات الفريدة والضخمة ، ولكن لم تؤهل التأهيل الذي تستحق والذي يجذب السياح لزيارتها، فالكثير من الأماكن السياحية الجميلة تنقصها الخدمات الأساسية أو البنى التحتية بل بعضها يفتقر إلى أبسط الخدمات، فلا تجد استراحات ولا مظلات ولا أماكن للعب الأطفال ولا مقاهي أو مطاعم ولا أماكن للصلاة ولا دورات مياه ولا أماكن مهيأة للراحة، وعوضاً عن استمتاع السائح بالرحلة سيصيبه اليأس والسأم والتعب من دوامة البحث عن مكان للصلاة أو دورة مياه أو مجرد استراحة.

لقد نجحت دول كثيرة في تغيير معالمها الشحيحة وقامت باستغلال ما هو متوفر لديها وتسخيره لدعم السياحة وتطويرها، فبعض الدول عمدت إلى تحديث وترميم كل ما فقد قيمته وتقادم وتحويله إلى أشياء قيّمة وذات روح جعلتها تكسب مبالغ هائلة من المال، فهناك دولة حوّلت عربات قطار قديم إلى غرف فندقية ، وأخرى حوّلت أكواخ من القصب أو القش وسط الطبيعة إلى غرف للسياح للاستمتاع بالهدوء ، وأخرى حوّلت سجن عريق إلى فندق فخم ، وبيوت أثرية إلى شقق فندقية فاخرة، ودول نجحت بتحويل قرى جبلية فقيرة إلى مدن سياحية غنية بالمشاريع الضخمة من خلال استغلال المناظر الطبيعية الأخاذة التي تتمتع بها من جبال وغابات وجزر وشطآن ، وتزويدها بوسائل النقل والترفيه والراحة ، وأخرى استغلت البحار لإنشاء فنادق عائمة أو غرف فندقية وسط البحر بأفكار إبداعية تتميز بالبساطة والغرابة والجمال جعلت السياح ينجذبون لتلك الأفكار الغريبة وغير التقليدية.

هناك دول أخرى تمكنت من تحويل بلدانها من بلد بسيط وبلا إمكانيات إلى بلد سياحي من الدرجة الأولى وأبدعت في ذلك ، كمن نحت حجراً وحوّله لتحفة فنية فاخرة من خلال توفير بنى تحتية فريدة وإيجاد أنشطة ترفيهية وخدمات كثيرة مميزة لضمان المتعة والمرح والاستجمام للزوار ، والاهتمام بإنشاء المنتجعات والفنادق والملاهي والحدائق الكهربائية والمائية والمتنزهات والملاعب ذات المواصفات العالمية وتجهيزها بوسائل نقل عامة وسريعة مثل قطار أو مترو أنفاق ، ووسائل ترفيه ومغامرات مثل زيبلاين (zip line) وعربات معلقة (cable car)، لأن السياحة ليست مجرد تسوق واستجمام في فندق أو منتجع فخم بل هي أكثر من ذلك هي استكشاف واطلاع على تاريخ وحضارات وثقافات البلدان ، واستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة من جبال وبحار وواحات وغابات وأنهار، والتعرف على المهن والحرف التي يزاولها السكان في دول مختلفة ، والتعرف على العادات والتقاليد المتوارثة لدى بعض الشعوب.

في بلادنا الحبيبة توجد الكثير من الأماكن الرائعة والجذابة التي تتمتع بمناظر طبيعية أبدع الخالق في صنعها ولكن ينقصها إضافة بعض اللمسات والخدمات المهمة التي تعين الزائر على الاستمتاع الحقيقي بزيارته لها دون امتعاض أو تأفف، فلماذا لا يتم تهيئة واستغلال التضاريس الجبلية التي تحظى بها عُماننا لإطلاق مترو أنفاق ووسائل ترفيه ومغامرات، فعلى سبيل المثال لكان من الجيد لو تم إنشاء عربات معلقة (cable car) أو جسور للمشاة من أجل التنقل بين جبال محافظة ظفار التي تكتسي بالخضرة خلال موسم الخريف، أو بين جنبات الجبل الأخضر أو وادي شاب تلك البقاع الغنية بالمناظر الآسرة، بالطبع هناك أماكن وأودية ومناطق كثيرة تعج بالجمال لا يتسع المجال لذكرها فبلادنا الحبيبة _ ولله الحمد _ تزخر بالطبيعة والمناظر التي تستحق الزيارة والتأمل في سحرها  وعظمة من سوّاها، وكمثال آخر ماذا لو تم إنشاء حديقة مائية ومطاعم في متنزه هَوْيَة نجم الخاوي من الحياة لتضفي المزيد من البهجة والهيبة إلى تلك الحفرة الضخمة العميقة التي تأسرك بمجرد النظر إلى مياهها النقية والتي يقصدها الكثير من الزوار سنوياً من داخل وخارج السلطنة، أو ماذا لو تم الانتفاع بجزء من مياه سد وادي ضيقة الهائلة لصنع شلالات وبحيرات اصطناعية حتى يتسنى استغلالها في تشغيل مدينة ألعاب مائية أو ممارسة بعض المغامرات والرياضات المائية، وكذلك إضافة بعض الخدمات الترفيهية للمتعة والمرح في الكهوف أو بالقرب منها مثل كهف مجلس الجن وكهف الهوتة وكهوف أخرى عديدة تزخر بها السلطنة.

إن إنشاء مشاريع سياحية لا يعني بالضرورة الاهتمام بتوفير فنادق خمس نجوم ومتاجر فخمة ومطاعم ومقاهي فاخرة لا يستطيع دفع تكاليفها ذوي الدخل المتواضع ، السياحة لا تعني السعي لجذب الأجانب والمشاهير وكبار الشخصيات (VIP) وأصحاب الجيوب الممتلئة وتهميش من هم دونهم ، بل يجب مراعاة توفير خدمات ومرافق عامة في متناول الجميع تراعي مختلف المستويات الاجتماعية والمادية للمواطنين حتى لا تكون مخيبة للآمال ومهيضة للظنون، ولا يعني ذلك إنشاء مشاريع صادمة للتوقعات بأقل مما يحلم به أبناء البلد وبأفكار قد أكل الدهر عليها وشرب ؛ لأن المواطن العماني طموح ، ومطلع على تجارب الدول ، وذا فكر مبدع ، ولديه الكثير من الأفكار والاقتراحات لمشاريع سياحية ، كان ولا زال يطمح أن يراها تتحقق على أرض الواقع لا أن تكون مجرد حبر على ورق أو مجرد خرائط وتصاميم هندسية ، هنا يبقى الدور الأكبر للجهات المعنية التي يجب عليها أن تبعد العقليات المتحجرة وتنحيها جانباً وتستبدلها بتلك العقول الفتية المبدعة، وأن تنظر إلى ما حققته دول لا تملك ربع ما نملك في بلادنا من مقومات وثروات وخيرات وما تحقق في بلادنا في المجال ذاته، فما نحن فاعلون وللأجيال القادمة سقف عال من الأمنيات والطموحات والتساؤلات ؟؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى