أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الدِّيـن بيـن الإيمانـي والمـوروث..

الـكاتـب/ جـمـال أسـعـد

 

الدِّيـن بيـن الإيمانـي والمـوروث..

 

قالوا وقلنا وسنقول طوال الوقت إن إشكالية الفكر الديني الذى هو فكر البشر – القابل للصواب وللخطأ – في تفسير وتأويل النص الديني “الإلهي”، والفكر الديني هذا وفي كل الأديان ينطلق من قاعدة وواقع الدين الموروث.

فكلٌّ منّا وُلِدَ لأبويْن مسلميْن أو مسيحيَّيْن… إلخ، من الطبيعي أن ينمو ويتربّى ويتلقّم ويتعلّم الدين الموروث للأسرة من أجيال سابقة، وتم توريثه هو أيضًا هذا الدين، ففكرة وواقع التوريث للدين تتناقض كل التناقض مع الإيمان الحقيقي الواقر في القلب.

ذلك الإيمان الذى يحدّد علاقة خاصة جدًا بين الإنسان وبين الله لا يعلمها ولا يدركها غير الله وهذا الإنسان – لا يعلم غير روح الإنسان الساكن فيه – أما النظر والتعامل مع الدّين على أنه توريث وفقط، فهذا يُحَوِّل الدّين إلى تراث ديني واجتماعي… إلخ، يجب الحفاظ عليه مثل الحفاظ والافتخار بالنسب العائلي والمادي والقبلي والجمهوري.

والتوريث والتفاخر هنا يخص الجانب المادي وليس الروحي في الوقت كل الوقت الذي فيه الدّين – أيُّ دين – يخاطب الروح الباقية والخالدة، وهذا يعني أن الدّين يشمل الجانب الروحي والجانب المادي في الوقت ذاته.

لكن الجانب الروحي هو الأساس الذي يتم فيه تسخير المادي لصالح الروحي، حتى يحدث التوازن الإنساني في الحياة وما بعد الحياة، لذلك نرى أن النصوص الدينية تحمل الجانب الروحي الإيماني بالدّين ومقاصد الأديان العليا التي لا تتناقض بين دين ودين آخر.

في الوقت الذى يشمل فيه النص جوانب أخرى مع الروحي، مثل الحياة الاجتماعية “العادات والتقاليد” والعسكرية “الحروب والفتوحات” والاقتصادية “الإنتاج والبيع”… إلخ.

فهذه النصوص غير الروحية هي نصوص زمانية ومكانية تخص الزمان والمكان والبشر في التوقيت ذاته الذي نزل فيه الدين في منطقة جغرافية بعينها ولشعب له عاداته وتقاليده، فإذا توافقت هذه النصوص وتلك الممارسات مع الواقع المُعاش الآن فلا مانع بالطبع، لكن إذا تناقضت واختلفت، فمن الطبيعي أن نطور هذا الفكر الديني حتى يتواءم ويتوافق مع الواقع المُعاش “فقه الواقع”.

هنا التمسك الحرفي والنقلي بتلك النصوص حوّل وتحوّل الدّين إلى شيء موروث يحمل الجوانب المادية ويبتعد عن الجوانب الروحية والإيمانية للدّين، خاصة، وهذا هو الأهم، إذا أضفينا صفة المُقَدّس على هذه النصوص؛ فيحدث خلط بين المُقَدّس وغير المُقَدّس وكله باسم الدين واستغلالًا للعاطفة الدينية.
وهذا الخلط يعني أن الافتخار والانتساب للمادي الموروث يطغى على الروحي الذى طريقه الوحيد والأهم هو الإيمان الحقيقي التابع للروح، والذي طريقه العقل والبحث والمقارنة الموضوعية البعيدة عن الصراع الديني والتديّن الشكلي الذى يحوّل الدّين إلى صراع طائفي بدلًا من قبول الآخر، الذي هو متعدد حسب مقاصد الله في هذا التَّعدُّد والخاضع للمشيئة الإلهية.

ولذا فالإشكالية هنا، وعندما يتحوّل الدّين والإيمان إلى موروث بالمفهوم الاجتماعي والقبلي، هنا يبرر الدفاع عن الدّين في الإطار الاجتماعي والقبلي في مواجهة الآخر الديني؛ تصوّراً أن هذا الدفاع وتلك القناعة هي الدفاع عن الدّين “مثل الدفاع عن الميراث في مواجهة من يهدّدون هذا الميراث”.

ناسين ومتناسين أن الدّين له صاحبه ومالكه الذي يدافع عنه وهو الله سبحانه وتعالى وليس البشر، الذين حوّلوا الدّين إلى تديُّن شكلي أدى إلى أن أصبح هذا التَّديُّن تجارة رائجة وعلى كل المستويات باسم الدّين، والدّين منهم براء، وللأسف هذا الاتجار أصاب الجميع واستملحه الجميع مؤسسات وأفراداً وجماعات، وكله باسم الدين واستغلالاً للدين.
وهذا ومنذ البداية التي وجدت فيها الأديان بكل مسمياتها ومعها من يُسَمَّوْن بعلماء الدين سواء كان مسموحًا لهم هذا المُسمّى أو غير موجود هذا المسمى، ولكن تم إيجاده لصالح هؤلاء.

الدين يا أعزّاء والعقيدة الدينية لا تستند فقط على التوريث، ولكن على البحث وإعمال العقل والمقارنة التي تؤكد صحيح الإيمان؛ في الوقت الذي يجب أن نقبل الآخر الديني وغير الديني لأنها إرادة الله، وهو الذي سيحاسب ولا أحد غيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى