أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

موقف من ذاكرة الخذلان !!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي 

 

موقف من ذاكرة الخذلان !!..

 

الزمان : (صيفا .. بين عامي 1993 و 1995)..

المكان : هنا .. وهناك 

“من الطبيعي بأن أحلامنا لا تتحقق ونحن نائمون ..

وحين تشرق الشمس هناك من يتربص لها ويقنصها كما يقنص البط البري”..

(صمويل بيكت).

حين تخرجت من الجامعة في العام 1990 شعرت شعورا غريبا بأنني مختلف كثيرا عن ماكنته سابقا .. بمعنى شعرت فعلا بأنني لست ذاك الطفل الصغير الذي دخل  الجامعة في صيف العام 86 .. 

بمعنى أكثر بياضا .. لقد شعرت بأنني تغيرت تماما..  وأصبحت رجلا ناضجا لدرجة يمكن الاعتماد عليه..

فقد تخرجت من الجامعة احمل عقلا مشحونا بالأفكار والرؤى والأحلام والمصائب العقلية..  لدرجة أنني أدركت تماما بأنه ليس مكاني في  وزارة التربية .. وإنما مكاني الحقيقي في الجامعة او في مؤسسة تتبنى العقول الغريبة المتفلتة .. والأفكار المضطربة الهائجة..

تخلصت من ذلك الشعور المتعال بسرعة  .. وخفضت من مستوى طموحي المرتفع ..  وطعنت ظهر كبريائي المتسامق.. 

فحملت حقيبتي مضطرا وتوجهت إلى أول المدارس التي ارسلوني لها  ..

بعد سنتي من التدريس تأكدت بأني في واد .. وطلابي في واد  أخر من الكرة الأرضية …

وأكد لي مدير المدرسة حين كان يزورني اسبوعيا ويجلس معي حصص كاملة..

فأقول له : ولم هذه الكفوف يا مديري!! 

فيقول لي : عبدالله طلابك  في الارض .. وانت في المريخ .. اتمنى ان تنزل إليهم يوما ما ..!!!

لم يتغير الحال كثيرا .. ولم أنزل إلى الأرض..

فهاجمني ذات الشعور المتعال السابق..

وارتفع مستوى طموحي لدرجة كبيرة ومزعجة سبب لي  كثيرا من الأرق والسهر  والسهاد  .. فقررت التوجه إلى الجامعة .. والبحث عن مكان لي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية..

في صيف العام 93 توجهت إلى الجامعة لمقابلة نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية..

طبعا المفترض مقابلة نائب رئيس الجامعة للشؤون الادارية ولكن لأنني كنت ابحث عن  وظيفة أكاديمية وليس ادارية .. فكانت موافقة الجانب الأكاديمي تأتي قبل موافقة الجانب الإداري..

ضربت موعدا مع نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية..

لم أنم ليلتي تلك كعادتي حين يشغلني شاغل أو يكون معي موعد مهم وحاسم ؛ صليت الفجر  وانطلقت بسيارتي إلى العاصمة عاصمة المال والأحلام …!

 وصلت إلى الجامعة في وقت مثالي جدا قبل  الموعد بنصف ساعة..

تعودت التبكير في الحضور إلى أي موعد .. ومازلت محافظا على هذه العادة القبيحة وكأن أحدا يكترث بحضوري سوى جئت متقدما أو وصلت متأخرا ..!!

صعدت الى مكتب نائب رئيس الجامعة ووضعت في قائمة الإنتظار  

جلست في غرفة انتظار فاخرة جدا  .. وبدأت ممارسة التأمل في المكان..

سرحت بأفكاري فوق المكان وبين ثنايا الزمان حتى خدرت وغفوت ..  ولم استيقظ إلا مع   صوت منسق المكتب .. وهو يناديني :  “أستاذ عبدالله إنهض .. تفضل .. الدكتور في انتظارك ..”

دخلت على الفاضل الدكتور نائب رئيس الجامعة للشؤون الاكاديمية..

استقبلني ببرود تام ..

لم يسألني عن الحال والأحوال كعادة الشعب العماني .. ولم يبتسم في وجهي كعادة العرب حين تبش في وجه الزائر وتبتسم للضيف وللقادم من بعيد..

على العموم..

كنت متوقعا هذه المقابلة الجافة..  لأنني عشت في الجامعة 4 سنوات كاملة .. وكنت على دراية كاملة بنفسيات كل مسؤوليها .. وطريقة تعاملهم مع الطلبة ومع من هم أقل منهم شهادة وادنى منهم وظيفة..

فسألني بجفاء وجفاف :  تفضل .. ماذا عندك ؟

قلت له : أنا خريج هذه الجامعة .. الدفعة الأولى .. وأعتقد حين يكون الخريج من الدفعات الأولى .. يفترض أن يكون له موطئ قدم في جامعته..

فقال لي : لم أفهم قصدك..

فقلت له : أنا خريج قسم الفلسفة وعلم الاجتماع .. وهذا كشف درجاتي..

استلم مني كشف الدرجات بتأفف وامتعاض وكأنني اسلمه خرقة نتنة..  ونظر إليه نظرة خاطفة .. .لا اظن انه نظر إلى  المعدل او ركز على  الدرجات .. بل اعتقد بأنه لم يقرأ اسم مساق واحد فقط  من المساقات المائة  التي درستها خلال سنواتي الأربع..

فقال لي مباشرة .. أدخل في الموضوع .. ماذا تريد بالضبط..

فقلت له : أرغب في الالتحاق بالكادر الأكاديمي الجامعي واتمنى قبولي كطالب ماجستير وكمعيد في قسم الفلسفة ..

ابتسم السيد نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية ابتسامة صفراء .. وقال : بهذه السهولة ؟

فقلت له بعد ان بحلقت عيني كبومة متوحشة ووجهت له نظرة صارمة خالية من الوهن والضعف والاستكانة والخنوع والتي اعتاد مشاهدتها في وجوه من يستقبلهم في مكتبه..

وقلت له : واين المشكلة أو الصعوبة في الموضوع أيها السيد ؟!..

أنا خريج الدفعة الأولى من هذه الجامعة .. وأشعر بأنني متميز في تخصصي ، والدليل امامك عينيك ..

وانا جاهز لأي مقابلات في التخصص أو اختبارات في المستوى   والكفاءة..

وأخرجت له نسخة من شهادة تزكية منحتني اياها الدكتورة الرائعة رحمة الله عليها سعاد عبد الرازق أستاذة الأخلاق والفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة .. والتي رافقتنا لمدة 4 سنوات كاملة في مشوارنا الدراسي بالجامعة .. حتى التخرج..

لقد منحتني شهادة تزكية عظيمة اعتززت بها  ايما اعتزاز  .. وبروزتها في برواز مذهب  ..  وعلقتها في صدر مجلسي..

تخلصت منها زوجتي لاحقا .. ومزقتها في إحدى موجات شجارتنا  الشهرية  المنتظمة ..!!

ومازلت لا أنسى عبارة المرحومة الدكتورة سعاد أثناء وداعي لها في المطار حين قالت لي : (عبدالله انت تحمل عقلا سفسطائيا مزعجا .. وقلبا فلسفيا عميقا..  سيرهقانك كثيرا  وسط هذا العالم الأحمق الذي يحيط بك)..

علقت شهادتها التي كتبتها في ورقة بيضاء عادية بخطها الجميل .. في صدر مجلسي .. وافتخرت بها أكثر من افتخاري بشهادة البكالوريوس الرسمية .. والماجستير لاحقا .. واللتين رميتهما في صندوق ملابسي القديمة ومندوس المهملات المنتهية الصلاحية..

فقال لي السيد نائب رئيس الجامعة :  ومن قال لك بأننا في حاجة إلى معيدين في القسم؟..

فقلت له : لديكم طاقم أكاديمي من الوافدين بالكامل .. والجامعة حتما بحاجة إلى كوادر عمانية .. وانا أحق وأولى بأن أكون بينهم .. أم أننا لا نستحق ذلك ..!!

تلعثم .. وحاول إخفاء توتره .. ولكني باغته بجملة خفضت من كبريائه وشعوره بالعلو والفوقية..

(دكتور .. أنا ابن البلد .. وابن هذه الجامعة .. وأملك المؤهل واحمل الإمكانات النفسية ولدي الوطنية والرغبة الجامحة لأكون أستاذا محاضرا في هذه الجامعة)..

فقال لي بكل برود : آسف .. لا يوجد لدينا شاغر أكاديمي حاليا .. وحين نحتاج سنتواصل معك .. (رغم كثرة الشواغر وتوافرها وحاجة الجامعة إلى معيدين جدد في تلك الفترة) !!..

قذف جملته القاتلة  في وجهي..  وهو يعلم تماما بأنها جملة تحدد مصير شاب .. وتغير مسار مستقبله وحياته بالكامل ..!!

لم أياس .. فقررت مقابلته مرة أخرى..

فقابلته ثلاث مرات متتالية وخلال ثلاث سنوات متتالية .. حتى كرهني وكرهته .. ومنع دخولي لمكتبه وحرمني من مقابلته ..!

ومازلت لا أنسى وجه هذا الرجل وموقفه معي وكيف خذلني و حطم حلمي وقتل طموحي..

عدت أدراجي إلى مدرستي حاملاً أذيال الخيبة .. محاولاً نسيان ودفن محاولتي الأولى مهيئا نفسي لخذلان آخر وتحطيم أكبر وانكسارات قادمة!!..

تعليق واحد

  1. شكراً لهذه المقالة التي تنطق بالصراحة المؤلمة. ليس من السهل ان نكتب عن مشاعرنا بهذه الجرئة والقوة، فاغلبنا يتجنب مواجهة ذكرياته المؤلمة. عاشت يدك على هذه المقالة التي تحمل موقف ومشاعر حقيقية بلا رتوش ومجاملات. أعجبتني كثيراً.

    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى